الأمم المتحدة قررت إنشاء مؤسسة مستقلة لجلاء مصير ومكان جميع المفقودين في سوريا
الأمم المتحدة قررت إنشاء مؤسسة مستقلة لجلاء مصير ومكان جميع المفقودين في سوريا

رغم أن الخطوة وصفت بـ"التاريخية" والأولى من نوعها على هذا المستوى، فإن نشطاء حقوق إنسان سوريين حذروا من "خطورة رفع سقف التوقعات" بعد اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة إنشاء "مؤسسة مستقلة" من أجل "جلاء" مصير آلاف المفقودين في سوريا. 

وهذا المطلب كان متكررا على مدى سنوات لأهالي المفقودين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وأبصر النور بعدما أجمعت الجمعية العامة، مساء الخميس، على إنشاء "المؤسسة"، بأغلبية 83 صوتا من أصل 193 دولة مقابل 11 ضده وامتناع 62 عن التصويت. 

ويشير القرار إلى أنه "بعد 12 عاما من النزاع والعنف" في سوريا "لم يحرز تقدم يذكر لتخفيف معاناة عائلات" المفقودين. 

ولذلك قررت الدول الأعضاء أن تنشئ "تحت رعاية الأمم المتحدة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، لجلاء مصير ومكان جميع المفقودين" في سوريا. وأورد نص القرار أنه سيتعين على "المؤسسة المستقلة" أن تضمن "المشاركة والتمثيل الكاملين للضحايا والناجين وأسر المفقودين"، وأن تسترشد بنهج يركز على الضحايا. 

المؤسسة ستوفر وسيلة واحدة لتسجيل القضايا وتوحيد المعلومات المتوفرة والتنسيق مع الآليات القائمة الأخرى
الأولى من نوعها.. تصويت أممي يفتح الباب أمام مؤسسة لكشف مصير المفقودين في سوريا
أجمعت الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة، في تصويت الخميس، على إنشاء مؤسسة هي الأولى من نوعها تعمل على كشف مصير ما يقدر بنحو 100 ألف شخص في عداد المفقودين أو المختفين قسرا خلال الحرب الأهلية في سوريا.

لكنه لا يحدد طرق عملها، فيما سيتعين على الأمين العام للأمم المتحدة تطوير "إطارها المرجعي" في غضون 80 يوما بالتعاون مع المفوض السامي لحقوق الإنسان. 

ووفق البيانات التي تتيحها "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" تبلغ حصيلة المختفين قسريا في سوريا ما لا يقل عن 111907 شخصا، بينهم 3041 طفلا و6642 سيدة (أنثى بالغة). 

وهؤلاء لا يزالون قيد الاختفاء القسري على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا منذ مارس 2011 حتى أغسطس 2022، والنظام السوري مسؤول عن قرابة 86 بالمئة منهم، حسب الشبكة الحقوقية. 

ما أصداء التصويت؟ 

يأتي قرار إنشاء "المؤسسة" نتيجة ضغط مكثف مارسته عائلات المفقودين، إلى جانب مجموعات ومنظمات لفتح هذا الملف والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسرا في سوريا، منذ عام 2011. 

ويتزامن مع اتجاه العديد من الدول لفتح أبوابها الموصدة مع النظام السوري، وخاصة العربية، مع خفوت الأصوات المؤكدة على قضية المعتقلين والمختفين قسريا لدى النظام السوري، حسب ما يقول حقوقيون لموقع "الحرة". 

وأشادت المفوضية السامية عبر حسابها في تويتر "بالمبادرة التي تشتد الحاجة إليها"، مضيفة: "للعائلات الحق في معرفة مصير ومكان وجود أقاربها للمساعدة في مداواة جراح المجتمع كله".

من جهته، قال المسؤول في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، لويس شاربونو: "يجب على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ضمان حصول هذه المؤسسة الجديدة على الموظفين والموارد اللازمين"، مردفا: "الشعب السوري لا يستحق أقل من ذلك".

كما يدعو قرار الجمعية العامة الدول و"كل أطراف النزاع" في سوريا إلى "التعاون الكامل" مع المؤسسة الجديدة. 

وقالت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد الخميس، إن "الضحايا ليسوا فقط من تم سجنهم وتعذيبهم وقتلهم". وتابعت: "الضحايا هم أيضا عائلاتهم وأقاربهم"، مشيرة إلى فقدان "أكثر من 155 ألف شخص". 

وأشار بيان للاتحاد الأوروبي إلى أنه دعم هذه المبادرة لفترة طويلة، موضحا أنها "إنسانية هامة، وتجلب الأمل لآلاف العائلات التي تبحث عن إجابات حول أحبائهم المفقودين". 

"قيصر" المصور الذي انشق على النظام السوري قدم شهادته أمام الكونغرس بشأن تعذيب السجناء في سجون الأسد
المفقودون في سوريا.. آمال معقودة على تدخل المجتمع الدولي قبل التصويت على "القرار التاريخي"
تأمل الطبيبة السورية، نايلة العباسي، في أن تساعد حملة أطلقها ناشطون لتحديد مصير المفقودين في سوريا في الكشف أيضا عن مصير شقيقتها رانيا، وزوجها عبد الرحمن، وأبنائهما الستة المختفين، منذ عام 2013.

بدورها، وصفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا قرار إنشاء المؤسسة بـ "التاريخي". وقال رئيس اللجنة، باولو بينيرو في بيان الجمعة، إن هذه الخطوة طال انتظارها من قبل المجتمع الدولي "وجاءت أخيرا لمساعدة عائلات جميع من اختفوا قسرا وخُطفوا وعُذبوا واُحتجزوا في الحبس التعسفي بمعزل عن العالم الخارجي على مدى السنوات الـ 12 الماضية". 

وأضاف أن العائلات "تُركت بمفردها في بحثها عن أحبائها لفترة طويلة جدا"، مشيرا إلى أن هذه "المؤسسة ضرورة إنسانية وتكمل الجهود نحو تحقيق المساءلة". 

ماذا يقول الحقوقيون؟ 

ومن خلال إنشاء مؤسسة تركز على قضية المفقودين بالذات، يمكن للأمم المتحدة مساعدة عائلاتهم في العثور على بعض الإجابات التي يستحقونها، وخاصة من داخل غياهب معتقلات النظام السوري. 

ومع ذلك وبينما رحّب حقوقيون سوريون بهذه المساعي، إلا أنهم في المقابل حذّروا من "رفع سقف التوقعات"، ولاسيما أن الكثير من الخطوات الشبيهة سابقا لم تصل إلى الحد الذي يضمن للضحايا وعائلاتهم العدالة. 

وقالت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" في بيان وصل لموقع "الحرة" إنها تعتقد بأهمية دور وعمل الآلية المشكلة حديثا، وبأنّ لديها الكثير لتعمل عليه، ولتدعم وتناصر ملف المفقودين في سوريا، ولتضعه كملف أساسي ضمن أجندة جميع الدول كقضية مركزية تمس الملايين من الشعب السوري. 

لكنها أضافت في المقابل: "نحذّر من خطورة رفع سقف التوقعات من هذه الآلية على أهالي المفقودين والمختفين قسريا". 

وأوضح بيانها: "يجب علينا أن نشير إلى المهام التي بإمكانها القيام بها والمهام التي لا يمكنها أن تقوم بها معا، وألاّ يتم التركيز فقط على ما يمكنها القيام به". 

"إنَّ الآلية المشكلة سوف تقوم دون شك بحشد الجهود الحقوقية السورية والدولية لدعم ملف المفقودين، وربما تتمكن من بناء قاعدة بيانات مركزية، وسوف تشكل منصة يمكن لعشرات الآلاف من أهالي المفقودين التواصل معها، لكن دورها لن يكون الإفراج عن المعتقلين تعسفيا". 

وتابع بيان الشبكة الحقوقية: "نعتقد بشكل جازم أن النظام السوري وبقية أطراف النزاع لن يتعاونوا معها، مما يعقد من مهامها في الكشف عن مصير المفقودين، كما أن ولايتها لن تنص على محاسبة مرتكبي الانتهاكات". 

ويؤكد على ذلك مدير رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، دياب سرية، متحدثا عن تحديات تعترض آلية عمل "المؤسسة المستقلة"، سواء في داخل البلاد أو من الخارج. 

ويوضح سرية لموقع "الحرة" أن "التحدي الداخلي يتعلق بمدى إمكانية دخولها لسوريا من أجل البدء بالمهام، مع رفض النظام السوري لها وهو ما بدا على لسان مندوبه في الأمم المتحدة، بسام صباغ". 

المؤسسة ستوفر وسيلة واحدة لتسجيل القضايا وتوحيد المعلومات المتوفرة والتنسيق مع الآليات القائمة الأخرى

وكان صباغ قد اعتبر أن القرار "يعكس بوضوح تدخلا سافرا في شؤون سوريا الداخلية، ويشكل دليلا إضافيا على استمرار النهج العدائي لبعض الدول الغربية"، مشيرا بالخصوص إلى الولايات المتحدة. 

كما ندد بـ"إنشاء آلية غريبة غامضة المعالم، لا تورد أي تعريف محدد لمصطلح المفقودين، مجهولة الأطر الزمنية والحدود الجغرافية"، وحذر من أن ذلك يشكل "سابقة" قد تتكرر مستقبلا في شأن دول أخرى، لا سيما النامية منها. 

وقد يدفع موقف النظام "المؤسسة" للعمل من الخارج، وهو ما يراه سرية تحديا آخر، و"يجعلنا حذرين من رفع سقف التوقعات". 

لكنه يضيف: "يمكن للمؤسسة أن تعمل خارجيا من خلال تجميع البيانات والتوثيق وتحديد مواقع المقابر الجماعية". 

وما سبق سيكون مبنيا بالأساس على "عمل المنظمات الحقوقية السورية النشطة في ملف المفقودين والمختفين قسريا". 

ويشير الحقوقي السوري إلى أن الجمعية العامة أعطت 80 يوما من أجل وضع "الإطار المرجعي ومهام المؤسسة المنشأة حديثا".

ومن المرجح أن يعتمد "الإطار المرجعي" بشكل أساسي على "دراسة وضعها مجلس حقوق الإنسان قبل قرابة عامين، وعلى المشاورات مع بعض الضحايا والدول، ومع النظام السوري نفسه". 

ويتابع سرية: "سيكون من مهام المؤسسة الدخول إلى سوريا، لكن هذه الخطوة مربوطة بموافقة النظام السوري بنفسه، ولا أظن أن الأخير سيتعامل معها، كونه غير قادر على الهرب من الآليات التي قد تستهدف انتهاكاته وجرائمه". 

"لن تطلق سراح المعتقلين" 

في غضون ذلك يؤكد مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني أنه "يجب ذكر ما يجب أن تقوم به المؤسسة المستقلة وما ستعجز عنه، كي لا يشعر السوريون بأمل زائف". 

ويقول لموقع "الحرة": "نرى مبالغة في دور الآلية وهي كارثة وقعنا فيها خلال السنوات الماضية. هذا الأمر يضر بالقضية أكثر ما يفيدها".

"المؤسسة المستقلة لن تتمكن من إطلاق سراح المعتقلين وهذا ليس دورها، والنظام غالبا لن يتعاون معها، وكذلك الأمر بالنسبة لبقية أطراف النزاع". 

ويضيف عبد الغني: "يجب ذكر ما سبق كي لا يتولد لدى الناس أمل بإطلاق سراح المعتقلين"، لافتا إلى وجود آليات أممية ولايتها أعلى من المؤسسة الحالية. 

ومن هذه الآلية "لجنة التحقيق الدولية التي لم تتمكن من فعل شيء لقضية المعتقلين خلال السنوات الماضية"، حسب الحقوقي السوري. 

"هناك إيجابيات" 

ولا يزال الاعتقال التعسفي في سوريا يجري ضمن سياسة مركزية من قبل النظام السوري، الذي يقوم بإخفاء الغالبية العظمى منهم بشكل منهجي ومدروس. 

ويشكل الاختفاء القسري الممارس من قبل النظام جريمة ضد الإنسانية ما زالت تُمارس حتى اللحظة، و"يجب على الدول التي قامت بإعادة علاقاتها مع النظام السوري المتورط بإخفاء 96 ألف مواطنٍ سوري مراجعة حساباتها والتبرؤ منه في أسرع وقت ممكن لأنه نظام متعفن غير قابل للإصلاح"، حسب بيان "الشبكة السورية لحقوق الإنسان".

وكانت قصة "المؤسسة المستقلة" قد بدأت منذ أكثر من عامين بطرح أولي بين السوريين نفسهم والمنظمات الحقوقية المعنية بقضيتهم ومجموعة "ميثاق العدالة والحقيقة". 

وحظيت هذه المنظمات بدعم للفكرة من جمعيات ومؤسسات أوروبية، بحسب سرية وهو معتقل سابق في سجن صيدنايا سيئ السمعة.

سجن صيدنايا العسكري حيث قتل آلاف السوريين تحت التعذيب

ورغم أن الحقوقي السوري لا يعول كثيرا على "المخرجات التي قد يفرضها عمل المؤسسة المستقلة"، إلا أنه يرى الخطوة تصب في صالح إبقاء "قضية المفقودين في سوريا حاضرة. بمعنى تدويلها". 

ويقول: "هي سابقة تاريخية بالفعل ولأول مرة تقول الجمعية العامة يجب أن يكون هناك هيئة للمفقودين. هذا الأمر بمثابة اعتراف سياسي عن وجود أزمة مفقودين في سوريا وتتطلب الحل". 

"عندما تتبنى قضية المفقودين هيئة أممية يعني وجود تدويل لهذا الأمر وهي نقطة إيجابية". 

ويتابع سرية: "الموضوع بالأساس سياسي وأزمة المفقودين والمختفين قسرا هي أزمة سياسية بحتة صرفة، والجميع في سوريا استغلها من جنيف إلى الدستورية وأستانة". 

وقد يسحب إنشاء "المؤسسة المستقلة" استغلال الأطراف لملف المفقودين والمختفين قسرا من المنصات والمسارات السياسية التي لم تقدم أي شيء يذكر، منذ سنوات، وفق ذات المتحدث. 

ويشير إلى ما سبق الحقوقي عبد الغني بقوله إنه "من المتوقع أن تناصر الآلية الجديد ملف المفقودين والمختفين قسريا وتضعه على طاولة الحل السياسي". 

ومن المتوقع أيضا أن تتمكن الآلية من "جمع البيانات عن المختفين، والتواصل مع عائلاتهم وإبلاغهم، وأن تلعب دورا تنسيقا مع المؤسسات الحقوقية الدولية والسورية". 

بدوره يشير الزميل الحالي عن سوريا في المركز الدولي للعدالة الانتقالية، قتيبة إدلبي إلى أن "العمل على القرار تبنته الحكومة الأميركية قبل سنوات، نتيجة جهود المناصرة الطويلة والحثيثة من مجموعات العائلات والضحايا". 

وقادت الحكومة الأميركية عملية كتابة مسودة القرار، وحشد الأصوات وضمان تمويل ميزانية الآلية، دون أن تعلن عن ذلك كي تضمن أكبر مساحة تأييد للمشروع ضمن الجمعية العامة للأمم المتحدة. 

ويضيف إدلبي أن "مساحات العمل ما زالت موجودة لمن يبحث عنها ولا تغلق أبدا، وأننا في ميزان القوة السياسية كسوريين هزمنا هذا النظام عشرات المرات، وأن معركتنا الرابحة هذه مستمرة طالما نضخ فيها جهودنا وإخلاصنا"، حسب تعبيره.

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.