الأمم المتحدة قررت إنشاء مؤسسة مستقلة لجلاء مصير ومكان جميع المفقودين في سوريا
الأمم المتحدة قررت إنشاء مؤسسة مستقلة لجلاء مصير ومكان جميع المفقودين في سوريا

رغم أن الخطوة وصفت بـ"التاريخية" والأولى من نوعها على هذا المستوى، فإن نشطاء حقوق إنسان سوريين حذروا من "خطورة رفع سقف التوقعات" بعد اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة إنشاء "مؤسسة مستقلة" من أجل "جلاء" مصير آلاف المفقودين في سوريا. 

وهذا المطلب كان متكررا على مدى سنوات لأهالي المفقودين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وأبصر النور بعدما أجمعت الجمعية العامة، مساء الخميس، على إنشاء "المؤسسة"، بأغلبية 83 صوتا من أصل 193 دولة مقابل 11 ضده وامتناع 62 عن التصويت. 

ويشير القرار إلى أنه "بعد 12 عاما من النزاع والعنف" في سوريا "لم يحرز تقدم يذكر لتخفيف معاناة عائلات" المفقودين. 

ولذلك قررت الدول الأعضاء أن تنشئ "تحت رعاية الأمم المتحدة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، لجلاء مصير ومكان جميع المفقودين" في سوريا. وأورد نص القرار أنه سيتعين على "المؤسسة المستقلة" أن تضمن "المشاركة والتمثيل الكاملين للضحايا والناجين وأسر المفقودين"، وأن تسترشد بنهج يركز على الضحايا. 

المؤسسة ستوفر وسيلة واحدة لتسجيل القضايا وتوحيد المعلومات المتوفرة والتنسيق مع الآليات القائمة الأخرى
الأولى من نوعها.. تصويت أممي يفتح الباب أمام مؤسسة لكشف مصير المفقودين في سوريا
أجمعت الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة، في تصويت الخميس، على إنشاء مؤسسة هي الأولى من نوعها تعمل على كشف مصير ما يقدر بنحو 100 ألف شخص في عداد المفقودين أو المختفين قسرا خلال الحرب الأهلية في سوريا.

لكنه لا يحدد طرق عملها، فيما سيتعين على الأمين العام للأمم المتحدة تطوير "إطارها المرجعي" في غضون 80 يوما بالتعاون مع المفوض السامي لحقوق الإنسان. 

ووفق البيانات التي تتيحها "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" تبلغ حصيلة المختفين قسريا في سوريا ما لا يقل عن 111907 شخصا، بينهم 3041 طفلا و6642 سيدة (أنثى بالغة). 

وهؤلاء لا يزالون قيد الاختفاء القسري على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا منذ مارس 2011 حتى أغسطس 2022، والنظام السوري مسؤول عن قرابة 86 بالمئة منهم، حسب الشبكة الحقوقية. 

ما أصداء التصويت؟ 

يأتي قرار إنشاء "المؤسسة" نتيجة ضغط مكثف مارسته عائلات المفقودين، إلى جانب مجموعات ومنظمات لفتح هذا الملف والكشف عن مصير المفقودين والمختفين قسرا في سوريا، منذ عام 2011. 

ويتزامن مع اتجاه العديد من الدول لفتح أبوابها الموصدة مع النظام السوري، وخاصة العربية، مع خفوت الأصوات المؤكدة على قضية المعتقلين والمختفين قسريا لدى النظام السوري، حسب ما يقول حقوقيون لموقع "الحرة". 

وأشادت المفوضية السامية عبر حسابها في تويتر "بالمبادرة التي تشتد الحاجة إليها"، مضيفة: "للعائلات الحق في معرفة مصير ومكان وجود أقاربها للمساعدة في مداواة جراح المجتمع كله".

من جهته، قال المسؤول في منظمة "هيومن رايتس ووتش"، لويس شاربونو: "يجب على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ضمان حصول هذه المؤسسة الجديدة على الموظفين والموارد اللازمين"، مردفا: "الشعب السوري لا يستحق أقل من ذلك".

كما يدعو قرار الجمعية العامة الدول و"كل أطراف النزاع" في سوريا إلى "التعاون الكامل" مع المؤسسة الجديدة. 

وقالت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد الخميس، إن "الضحايا ليسوا فقط من تم سجنهم وتعذيبهم وقتلهم". وتابعت: "الضحايا هم أيضا عائلاتهم وأقاربهم"، مشيرة إلى فقدان "أكثر من 155 ألف شخص". 

وأشار بيان للاتحاد الأوروبي إلى أنه دعم هذه المبادرة لفترة طويلة، موضحا أنها "إنسانية هامة، وتجلب الأمل لآلاف العائلات التي تبحث عن إجابات حول أحبائهم المفقودين". 

"قيصر" المصور الذي انشق على النظام السوري قدم شهادته أمام الكونغرس بشأن تعذيب السجناء في سجون الأسد
المفقودون في سوريا.. آمال معقودة على تدخل المجتمع الدولي قبل التصويت على "القرار التاريخي"
تأمل الطبيبة السورية، نايلة العباسي، في أن تساعد حملة أطلقها ناشطون لتحديد مصير المفقودين في سوريا في الكشف أيضا عن مصير شقيقتها رانيا، وزوجها عبد الرحمن، وأبنائهما الستة المختفين، منذ عام 2013.

بدورها، وصفت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا قرار إنشاء المؤسسة بـ "التاريخي". وقال رئيس اللجنة، باولو بينيرو في بيان الجمعة، إن هذه الخطوة طال انتظارها من قبل المجتمع الدولي "وجاءت أخيرا لمساعدة عائلات جميع من اختفوا قسرا وخُطفوا وعُذبوا واُحتجزوا في الحبس التعسفي بمعزل عن العالم الخارجي على مدى السنوات الـ 12 الماضية". 

وأضاف أن العائلات "تُركت بمفردها في بحثها عن أحبائها لفترة طويلة جدا"، مشيرا إلى أن هذه "المؤسسة ضرورة إنسانية وتكمل الجهود نحو تحقيق المساءلة". 

ماذا يقول الحقوقيون؟ 

ومن خلال إنشاء مؤسسة تركز على قضية المفقودين بالذات، يمكن للأمم المتحدة مساعدة عائلاتهم في العثور على بعض الإجابات التي يستحقونها، وخاصة من داخل غياهب معتقلات النظام السوري. 

ومع ذلك وبينما رحّب حقوقيون سوريون بهذه المساعي، إلا أنهم في المقابل حذّروا من "رفع سقف التوقعات"، ولاسيما أن الكثير من الخطوات الشبيهة سابقا لم تصل إلى الحد الذي يضمن للضحايا وعائلاتهم العدالة. 

وقالت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" في بيان وصل لموقع "الحرة" إنها تعتقد بأهمية دور وعمل الآلية المشكلة حديثا، وبأنّ لديها الكثير لتعمل عليه، ولتدعم وتناصر ملف المفقودين في سوريا، ولتضعه كملف أساسي ضمن أجندة جميع الدول كقضية مركزية تمس الملايين من الشعب السوري. 

لكنها أضافت في المقابل: "نحذّر من خطورة رفع سقف التوقعات من هذه الآلية على أهالي المفقودين والمختفين قسريا". 

وأوضح بيانها: "يجب علينا أن نشير إلى المهام التي بإمكانها القيام بها والمهام التي لا يمكنها أن تقوم بها معا، وألاّ يتم التركيز فقط على ما يمكنها القيام به". 

"إنَّ الآلية المشكلة سوف تقوم دون شك بحشد الجهود الحقوقية السورية والدولية لدعم ملف المفقودين، وربما تتمكن من بناء قاعدة بيانات مركزية، وسوف تشكل منصة يمكن لعشرات الآلاف من أهالي المفقودين التواصل معها، لكن دورها لن يكون الإفراج عن المعتقلين تعسفيا". 

وتابع بيان الشبكة الحقوقية: "نعتقد بشكل جازم أن النظام السوري وبقية أطراف النزاع لن يتعاونوا معها، مما يعقد من مهامها في الكشف عن مصير المفقودين، كما أن ولايتها لن تنص على محاسبة مرتكبي الانتهاكات". 

ويؤكد على ذلك مدير رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، دياب سرية، متحدثا عن تحديات تعترض آلية عمل "المؤسسة المستقلة"، سواء في داخل البلاد أو من الخارج. 

ويوضح سرية لموقع "الحرة" أن "التحدي الداخلي يتعلق بمدى إمكانية دخولها لسوريا من أجل البدء بالمهام، مع رفض النظام السوري لها وهو ما بدا على لسان مندوبه في الأمم المتحدة، بسام صباغ". 

المؤسسة ستوفر وسيلة واحدة لتسجيل القضايا وتوحيد المعلومات المتوفرة والتنسيق مع الآليات القائمة الأخرى

وكان صباغ قد اعتبر أن القرار "يعكس بوضوح تدخلا سافرا في شؤون سوريا الداخلية، ويشكل دليلا إضافيا على استمرار النهج العدائي لبعض الدول الغربية"، مشيرا بالخصوص إلى الولايات المتحدة. 

كما ندد بـ"إنشاء آلية غريبة غامضة المعالم، لا تورد أي تعريف محدد لمصطلح المفقودين، مجهولة الأطر الزمنية والحدود الجغرافية"، وحذر من أن ذلك يشكل "سابقة" قد تتكرر مستقبلا في شأن دول أخرى، لا سيما النامية منها. 

وقد يدفع موقف النظام "المؤسسة" للعمل من الخارج، وهو ما يراه سرية تحديا آخر، و"يجعلنا حذرين من رفع سقف التوقعات". 

لكنه يضيف: "يمكن للمؤسسة أن تعمل خارجيا من خلال تجميع البيانات والتوثيق وتحديد مواقع المقابر الجماعية". 

وما سبق سيكون مبنيا بالأساس على "عمل المنظمات الحقوقية السورية النشطة في ملف المفقودين والمختفين قسريا". 

ويشير الحقوقي السوري إلى أن الجمعية العامة أعطت 80 يوما من أجل وضع "الإطار المرجعي ومهام المؤسسة المنشأة حديثا".

ومن المرجح أن يعتمد "الإطار المرجعي" بشكل أساسي على "دراسة وضعها مجلس حقوق الإنسان قبل قرابة عامين، وعلى المشاورات مع بعض الضحايا والدول، ومع النظام السوري نفسه". 

ويتابع سرية: "سيكون من مهام المؤسسة الدخول إلى سوريا، لكن هذه الخطوة مربوطة بموافقة النظام السوري بنفسه، ولا أظن أن الأخير سيتعامل معها، كونه غير قادر على الهرب من الآليات التي قد تستهدف انتهاكاته وجرائمه". 

"لن تطلق سراح المعتقلين" 

في غضون ذلك يؤكد مدير "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، فضل عبد الغني أنه "يجب ذكر ما يجب أن تقوم به المؤسسة المستقلة وما ستعجز عنه، كي لا يشعر السوريون بأمل زائف". 

ويقول لموقع "الحرة": "نرى مبالغة في دور الآلية وهي كارثة وقعنا فيها خلال السنوات الماضية. هذا الأمر يضر بالقضية أكثر ما يفيدها".

"المؤسسة المستقلة لن تتمكن من إطلاق سراح المعتقلين وهذا ليس دورها، والنظام غالبا لن يتعاون معها، وكذلك الأمر بالنسبة لبقية أطراف النزاع". 

ويضيف عبد الغني: "يجب ذكر ما سبق كي لا يتولد لدى الناس أمل بإطلاق سراح المعتقلين"، لافتا إلى وجود آليات أممية ولايتها أعلى من المؤسسة الحالية. 

ومن هذه الآلية "لجنة التحقيق الدولية التي لم تتمكن من فعل شيء لقضية المعتقلين خلال السنوات الماضية"، حسب الحقوقي السوري. 

"هناك إيجابيات" 

ولا يزال الاعتقال التعسفي في سوريا يجري ضمن سياسة مركزية من قبل النظام السوري، الذي يقوم بإخفاء الغالبية العظمى منهم بشكل منهجي ومدروس. 

ويشكل الاختفاء القسري الممارس من قبل النظام جريمة ضد الإنسانية ما زالت تُمارس حتى اللحظة، و"يجب على الدول التي قامت بإعادة علاقاتها مع النظام السوري المتورط بإخفاء 96 ألف مواطنٍ سوري مراجعة حساباتها والتبرؤ منه في أسرع وقت ممكن لأنه نظام متعفن غير قابل للإصلاح"، حسب بيان "الشبكة السورية لحقوق الإنسان".

وكانت قصة "المؤسسة المستقلة" قد بدأت منذ أكثر من عامين بطرح أولي بين السوريين نفسهم والمنظمات الحقوقية المعنية بقضيتهم ومجموعة "ميثاق العدالة والحقيقة". 

وحظيت هذه المنظمات بدعم للفكرة من جمعيات ومؤسسات أوروبية، بحسب سرية وهو معتقل سابق في سجن صيدنايا سيئ السمعة.

سجن صيدنايا العسكري حيث قتل آلاف السوريين تحت التعذيب

ورغم أن الحقوقي السوري لا يعول كثيرا على "المخرجات التي قد يفرضها عمل المؤسسة المستقلة"، إلا أنه يرى الخطوة تصب في صالح إبقاء "قضية المفقودين في سوريا حاضرة. بمعنى تدويلها". 

ويقول: "هي سابقة تاريخية بالفعل ولأول مرة تقول الجمعية العامة يجب أن يكون هناك هيئة للمفقودين. هذا الأمر بمثابة اعتراف سياسي عن وجود أزمة مفقودين في سوريا وتتطلب الحل". 

"عندما تتبنى قضية المفقودين هيئة أممية يعني وجود تدويل لهذا الأمر وهي نقطة إيجابية". 

ويتابع سرية: "الموضوع بالأساس سياسي وأزمة المفقودين والمختفين قسرا هي أزمة سياسية بحتة صرفة، والجميع في سوريا استغلها من جنيف إلى الدستورية وأستانة". 

وقد يسحب إنشاء "المؤسسة المستقلة" استغلال الأطراف لملف المفقودين والمختفين قسرا من المنصات والمسارات السياسية التي لم تقدم أي شيء يذكر، منذ سنوات، وفق ذات المتحدث. 

ويشير إلى ما سبق الحقوقي عبد الغني بقوله إنه "من المتوقع أن تناصر الآلية الجديد ملف المفقودين والمختفين قسريا وتضعه على طاولة الحل السياسي". 

ومن المتوقع أيضا أن تتمكن الآلية من "جمع البيانات عن المختفين، والتواصل مع عائلاتهم وإبلاغهم، وأن تلعب دورا تنسيقا مع المؤسسات الحقوقية الدولية والسورية". 

بدوره يشير الزميل الحالي عن سوريا في المركز الدولي للعدالة الانتقالية، قتيبة إدلبي إلى أن "العمل على القرار تبنته الحكومة الأميركية قبل سنوات، نتيجة جهود المناصرة الطويلة والحثيثة من مجموعات العائلات والضحايا". 

وقادت الحكومة الأميركية عملية كتابة مسودة القرار، وحشد الأصوات وضمان تمويل ميزانية الآلية، دون أن تعلن عن ذلك كي تضمن أكبر مساحة تأييد للمشروع ضمن الجمعية العامة للأمم المتحدة. 

ويضيف إدلبي أن "مساحات العمل ما زالت موجودة لمن يبحث عنها ولا تغلق أبدا، وأننا في ميزان القوة السياسية كسوريين هزمنا هذا النظام عشرات المرات، وأن معركتنا الرابحة هذه مستمرة طالما نضخ فيها جهودنا وإخلاصنا"، حسب تعبيره.

مواضيع ذات صلة:

تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة
تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة

تضيف عملية قتل أبو عبد الرحمن المكي على يد "القيادة المركزية الأميركية" اسما جديدا على قائمة القادة الذين خسرهم تنظيم "حراس الدين" في سوريا، وبينما يعتبر ما وقع قبل يومين ليس بالجديد، تسلط الحادثة، بتوقيتها وحيثياتها، الضوء على حالة لها تفسيران، وفق ما يتحدث خبراء في شؤون الجماعات المتشددة لموقع "الحرة".

ويعتبر المكي من القادة البارزين في "حراس الدين"، وكان يشغل قبل مقتله منصب عضو مجلس شورى التنظيم، كما جاء في بيان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في 24 أغسطس الحالي.

وتم تنفيذ عملية قتله بضربة جوية أميركية استهدفته أثناء مروره على إحدى طرقات محافظة إدلب، بذات الطريقة التي أسفرت خلال السنوات الماضية عن مقتل عدد من قادة "حراس الدين"، وآخرهم المسؤولان العسكريان: "أبو حمزة اليمني"، و"أبو البراء التونسي".

ويوضح الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، أن مقتل "المكّي" يعطي مؤشرا على وجود خشية أميركية من "إعادة بناء تنظيم القاعدة في سوريا"، رغم أن تنظيم "حراس الدين" بات في أضعف حالاته.

وبدوره يقول الباحث السوري في شؤون الجماعات المتشددة، عرابي عرابي، إن التنظيم، وهو فرع "القاعدة" بسوريا، لم يعد لديه أي قوة أو حضور، بعد الإعلان عن تصفية "المكّي".

ويضيف عرابي لموقع "الحرة" أن "قادة الحراس المتبقين إما معتقلين في سجون هيئة تحرير الشام" أو متوارين عن الأنظار، كما حال القائد العام للتنظيم "فارق السوري"، الذي يعرف بأسماء عدة بينها "أبو همام الشامي"، وسامي العريدي، الرجل الثاني، الذي يشغل منصب الشرعي العام.

ما هو "حراس الدين"؟

تأسس تنظيم "حراس الدين"، في أواخر فبراير 2018، وقبل ذلك كانت فصيلا ضمن "هيئة تحرير الشام".

و"تحرير الشام" تهيمن عليها قوة مركزية كانت تعرف في السابق باسم "جبهة النصرة" التي كانت الجناح الرسمي لتنظيم القاعدة حتى عام 2016.

وبعد أن أعلن زعيمها، أبو محمد الجولاني فك ارتباطها عن القاعدة في يوليو 2016، انفصلت جماعة "حراس الدين" عنها.

وفيما بعد انضمت الجماعة لتشكيل سمي بـ"غرفة عمليات وحرض المؤمنين"، لكن الأمر لم يدم طويلا، إذ بدأت "تحرير الشام" سلسلة حملات أمنية واعتقالات بحق قادة وعناصر فيها، في تطورات قرأها باحثون على أنها تندرج في سياق "حب السيطرة والاستحواذ على النفوذ الكامل" في شمال غربي سوريا.

وكان "المكّي" من بين المعتقلين الذين احتجزتهم "تحرير الشام" في سجونها في 2020، وبعد دعوات عدة، أطلقها قادة متشددون، أفرجت عنه بشكل غير معلن في 2022.

ومنذ تلك الفترة لم يعرف عن تحركاته أي شيء كحال بقية أفراد "حراس الدين".

وبينما بقي اسمه في إطار تلك الحالة (الغياب عن المشهد)، عاد ليتردد في تقرير "القيادة المركزية الأميركية"، وعندما أعلن رسميا عن مقتله، قبل يومين.

ماذا بقي لـ"الحراس" في سوريا؟

لم تكن الضربات الأميركية المتواترة التي قضت على قادة بارزين في "حراس الدين" الوحيدة التي شكّلت عامل ضعف كبير بالنسبة للتنظيم ككل، بل كان في مقابلها حملة واسعة على الأرض قادتها "تحرير الشام" منذ عام 2020.

وتصنف الولايات المتحدة "تحرير الشام" منظمة إرهابية، وتنضم إليها دول كثيرة.

وكانت قد عرضت لأكثر من مرة مكافآت مالية لتقديم معلومات عن قائدها "أبو محمد الجولاني" وقائد "الحراس"، أبو همام الشامي.

وعلى مدى السنوات الماضية اعتقلت "تحرير الشام" عددا كبيرا من قادة "حراس الدين"، وذهبت بجزء من الحملة التي أطلقتها باتجاه مداهمة المواقع التي يتحصنون فيها مع الأفراد والخلايا النائمة.

ولا يزال الكثير من القادة في السجون، ومن أبرزهم كما ذكرهم الباحثون في حديثهم لموقع "الحرة"، "أبو بصير الديري"، وخلاد الجوفي، و"أبو مصعب التركي"، و"أبو عبد الله السوري"، وهو ابن أبو فراس السوري أحد أبرز رجالات "القاعدة".

ومن ناحية أخرى يشير الباحث السوري، عرابي عرابي إلى أن القائد العام "أبو همام الشامي"، والرجل الثاني وهو الشرعي "سامي العريدي" لا يعرف أين مكانهم في الوقت الحالي.

ويرجح عرابي أن يكونا قد خرجا من سوريا إلى وجهة محتملة مثل "اليمن أو الصومال أو أفغانستان".

وعدا عن ذلك، لا يعتقد الباحث السوري أن لـ"حراس الدين" حضورا كبيرا في الوقت الحالي بسوريا، ويوضح أن التنظيم "يفتقد للمجموعات المهيكلة التي يمكن أن تنفذ عمليات كبيرة على الأرض".

وفي حين لا يستبعد الباحث أن يكون هناك العديد من "الأفراد المتعاطفين" مع "حراس الدين" يؤكد أنه نشاطهم المرتبط "بأمر من قيادات معينة وبخطط واضحة"، يبدو أنه بات غير موجودا.

"ظل لما كان عليه"

وفي غضون ذلك يشرح الباحث أبو هنية أن "حراس الدين" شهد حالة من الإضعاف الكبير بعد الإعلان عن تشكيله في 2018، وارتبط ذلك بسببين، الأول هو الضربات الأميركية من الجو، والثاني هو الحملة التي بدأتها "تحرير الشام" ضده.

ويوضح أنه، وبعد مقتل "المكّي"، يتبين أنه لم يعد هناك أي هيكل تنظيمي واضح للتنظيم المرتبط بـ"القاعدة".

ومع ذلك، يقول أبو هنية في المقابل إن "حراس الدين" "لم ينكفئ وما زال موجودا على الأرض، وتثار المخاوف من استغلاله للظروف الحاصلة الآن من أجل إعادة البناء".

وتحمل العملية التي نفذتها القيادة المركزية الأميركية قبل يومين "دلالات ومؤشرات" عن وجود خشية، وقد لا تنفصل أهدافها عن التحركات واسعة النطاق التي رأيناها على صعيد تنظيم "القاعدة"، كما يضيف أبو هنية.

ويشير الباحث إلى أنه، وفيما يتعلق بالفرع السوري، يمكن القول إن "حراس الدين" لا يزال له قيادات "مثل أبو همام الشامي وسامي العريدي"، لكنهم "في حالة كمون وكالظل لما كانوا عليه سابقا".

ويزعم التنظيم (حراس الدين) أنه شن حوالي 200 هجوم منذ إنشائه. ووقعت هذه الهجمات في مجموعة متنوعة من المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، بما فيها محافظة حلب وحماة وإدلب واللاذقية، وذلك بحسب بيان سابق أصدره قبل 3 أعوام.

وفي الحادي عشر من سبتمبر 2021 نشر تنظيم "القاعدة" كلمة لزعيمه السابق أيمن الظواهري تحدث خلالها عن تطورات كثيرة "سياسية وعسكرية"، كان اللافت بينها تلك الخاصة بسوريا.

وأشاد الظواهري، الذي خَلفه سيف العدل، بهجوم استهدف موقعا للقوات الروسية في منطقة تل السمن بريف الرقة، مطلع 2021، وأضاف حينها أن "إنهاك العدو واجب المرحلة"، متحدثا عن "عمليات استنزاف خلف الخطوط".

"فقد ثلاثة أرباع قوته"

ويعتقد الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي، أن "حراس الدين" بات ينتهج استراتيجية تقوم على "الحفاظ على بقية القيادات".

لكنه يواجه حملة مضادة من الجو وعلى الأرض، مما أسفر عن مقتل العديد من قادته، آخرهم أبو عبد الرحمن المكي.

ويقول فرغلي لموقع "الحرة": "التنظيم في أضعف حالاته لكنه موجود ولديه إصدارات وبيانات وقنوات إعلامية ويحاول أن يظل موجودا، لكن بعيدا عن الصدام المباشر".

ويضيف أن التقديرات تذهب باتجاه أن "حراس الدين" فقد ثلاثة أرباع قوته بشكل تقريبي، لكنه ما زال موجودا ولم ينته تماما.

ومن جانبه يلفت الباحث أبو هنية إلى "وجود مخاوف دائمة من إعادة بناء القاعدة، لاسيما أن نشاط التنظيم بات أمنيا بامتياز".

ويوضح أنه ومع الظروف الحالية التي تعيشها المنطقة "قد يجد مساحة استغلال"، وهو ما ينطبق مع التحذيرات الأخيرة التي أعرب عنها مسؤولون أميركيون بشأن الحالة التي بات عليها تنظيم "داعش" في سوريا.

ويؤكد أبو هنية أن "حلم تنظيم القاعدة، منذ تأسيسه على يد بن لادن، كان يذهب باتجاه تأسيس فرع لبلاد الشام".

ويعتقد أن "سيف العدل الموجود في إيران لا يزال يرى أولوية في ذلك"، معتبرا أن "القاعدة لن تتخلى عن وجود حراس الدين وقد يكون هناك نوع من محاولة إحياء التنظيم في مثل هذه الظروف".