يصنع السوري نبيل العمري (55 عاما) مجسمات خشبية، تحمل تفاصيل قريته عين الفيجة في وادي بردى شمال غرب مدينة دمشق، التي هُجّر منها قسراً خلال الحرب، بعد أن فقد كل ما يملك من بيت ومشغل وأعمال فنية بدأ بإنجازها منذ سنين مراهقته.
وصل العمري إلى إدلب تاركا خلفه كل شيء، لكنه كان محملا بالذكريات والحنين والحب لأرضه وبيته وسنوات طفولته في وادي بردى، التي حفرت بذاكرته تفاصيل بيوتها وحاراتها القديمة وأزقتها وشوارعها، فأسقطها على مجسمات خشبية كي يخلدها ولا ينساها وتبقى بذاكرته كما عرفها.
ويجسد العمري في مجسماته أدق التفاصيل للأبنية والأزقة والحارات القديمة والشوارع، دون نسيان التشكيلات الزخرفية والأقواس والأشكال الهندسية المختلفة المرصوفة فوق الأبواب والشبابيك الملونة والزخارف، وتفاصيل النباتات والأزهار والأشجار التي اشتهرت بها حارات دمشق وبيوتها القديمة، بالإضافة إلى الأثاث، والآبار، والطواحين، وسواها.
"إنها تختصر الشوق والحنين لمسقط رأسي، وبدأت بصناعتها رغم ظروف النزوح الصعبة وانعدام الكثير من مقومات العمل"، يقول العمري لـ"ارفع صوتك".
ويبين أن عمل المجسمات الخشبية كانت هواية مارسها منذ كان في السادسة عشرة من عمره: "صنعت أول مجسم بأعواد خشبية تستخدم للمثلجات، فمنذ طفولتي كان الأمر يستهويني، وكنت أعمل قدر المستطاع، وأصنع المجسمات في الطابق السفلي من منزلي الذي كان أصدقائي يطلقون عليه اسم المتحف، صنعت مصغرا للجامع الأموي بمساحة 1.5 متر بالطول ومثله بالعرض، كما صنعت عدة مجسمات لقريتي والشام وحواري البلد، وفقدت كل ذلك نتيجة الحرب التي أفقدتني منزلي، وأجبرتني على الرحيل تاركا روحي وأهلي وكل ما أحب، مع الكثير من الذكريات التي رافقتني لمدة 55 سنة".
وحول أحد أعماله، يروي العمري: "كان عمري سبع سنوات، وكان هناك منزل يتألف من طابقين، الطابق الأرضي عبارة عن دكان فيه مخزن للحبوب، والطابق الأول كان منزلا سكنيا، كنا نقصده ونفتح بابه المغلق لنشتري، وأنا جسدت هذا البيت كما حُفر بذاكرتي، وهو أقرب ما يكون للبيت الذي كنت أذهب إليه واختزلته ذاكرتي بكافة تفاصيله".
ويؤكد أن غايته من أعماله الفنية تذكر قريته عين الفيجة القديمة في السبعينيات، مردفاً "أريدها ألا تنسى، وأن تبقى حاضرة فينا، وفي ذاكرة أولادنا، لأنهم لن يتذكروا البلد والقرية التي دمرت معظم معالمها".
وبالإضافة إلى صنع مجسمات تشبه قريته، يصنع أخرى يحاكي فيها دمشق القديمة، كما يصنع مجسمات بناء على الطلب، من زبائن من مهجّرين من مناطق ومدن سورية أخرى.
مواد بدائية
يعمل العمري بمواد بدائية، كمطرقة صغيرة ومشرط ومنشار، ويعاني من نقص العديد من المواد الأولية في السوق، التي يحتاجها لتكون وسيلة مساعدة يستفيد منها في عمله، كذلك يعاني من صعوبة كبيرة بإيجاد الخشب، وفي حال وجد فهو مرتفع الثمن، بحسب قوله.
ويشبه المجسم الذي يصنعه ببناء مستقل، فيقوم بداية ببناء الهيكلية، ثم يرممه ويضيف التفاصيل الصغيرة مع العناية بالجزئيات، يوضح العمري: "هي مهمة صعبة لكنها شيقة جدا في الوقت ذاته، فأنا أنزل إلى الأسواق وأتجول، وأرى محلات تحوي قطعا صغيرة، فأشتريها وأعدل بها وأصنع منها الأشكال التي أحتاجها في بناء المجسمات".
"أحاول بحكم فرص العمل القليلة أن أطور بعملي وأحسنه ليكون مصدر رزق لي"، يتابع العمري.
ويشير إلى أن ردود الفعل تجاه فنّه متباينة، "فقسم من الناس يراه من الكماليات ولا مبرر لوجود المجسمات بسبب ظروف الحرب والتهجير والأوضاع الأمنية والمعيشية، فيما يرى القسم الآخر، أنه يجب أن يستمر ولا يجوز أن توقفه الظروف، فحتى لو في خيمة يمكن للشخص أن يمارس فنه وهواياته".
وما زال العمري يحلم بالعودة إلى قريته، "حتى لو اضطرني الأمر للعيش في خيمة"، على حدّ تعبيره.
