استخدامت روسيا حقّ النقض (الفيتو) ضد تمديد آلية إيصال المساعدات لـ 12 شهراً- الصورة من معبر باب الهوى
استخدمت روسيا الفيتو ضد تمديد آلية إيصال المساعدات لـ 12 شهراً- الصورة من معبر باب الهوى

جدد "الفيتو" الروسي الرافض لتجديد التفويض الأممي لإرسال المساعدات عبر الحدود إلى سوريا لـ 12 شهراً، النقاش حول تسييس ملف المساعدات الإنسانية التي تلعب دوراً حاسماً في حياة أكثر من أربعة ملايين شخص يعيشون في مناطق الشمال السوري.  

وانتهى التفويض الأممي في 10 يوليو الجاري، الذي شهد عبور قافلة من المساعدات الإغاثية الأممية معبر "باب الهوى" على الحدود التركية السورية، وبعدها علّق دخول القوافل في انتظار صدور قرار من مجلس الأمن بتجديد التفويض الأممي.

عبور آخر قافلة من المساعدات الإغاثية الأممية الواردة بموجب تفويض القرار الأممي 2672 /2023 الخاص بإدخال المساعدات...

Posted by ‎معبر باب الهوى Bab Alhawa Crossing Border‎ on Monday, July 10, 2023

يقول المدير التنفيذي لمنظّمة "شفق" الإنسانية، عارف رزوق: "ملايين الناس سيعانون نقص الاحتياجات الأساسية في انتظار حسم الخلافات السياسية التي أصبحت تتحكم بوصول المساعدات".

ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك"، إلى تكرار ذات السيناريو مع كل عملية تجديد للتفويض الأممي.

وبدأت الآلية الدولية لإيصال المساعدات عبر الحدود في مايو 2014، بقرار مجلس الأمن رقم (2156)، الذي منح "الإذن لوكالات الأمم المتحدة وشركائها باستخدام الطرق عبر خطوط النزاع والمعابر الحدودية ووضعها تحت سيطرة الأمم المتحدة"، على أن تجدد كلّ 12 شهراً.

وتطبيقاً للقرار، جرى اعتماد 4 منافذ حدودية مع العراق والأردن وتركيا لإدخال المساعدات، وهي  "السلام" و"باب الهوى" مع تركيا، و"اليعربية" على الحدود مع العراق، ونقطة على الحدود الأردنية-السورية.

هذه الآلية تعرضت خلال السنوات المتعاقبة للتقليم بفعل الضغوط الروسية في مجلس الأمن، والتلويح المستمر باستخدام حقّ النقض (الفيتو) لتعطيلها بالكامل، حيث تم الإبقاء على معبر واحد هو "باب الهوى"، وأصبحت الآلية تجدد كلّ 6 أشهر، عوضاً عن 12 شهراً.

الخلاف الأخير، تفجر بعد أن طرح مشروع قرار في مجلس الأمن يعيد التمديد إلى سابق عهده (12 شهراً)، وهو ما قوبل برفض روسي تطور إلى استخدام "الفيتو" في الجلسة التي عقدت، الثلاثاء، بعد فشل جميع المفاوضات والمناقشات لحملها على الموافقة.

يُعلق رزوق، على ما شهده مجلس الأمن بالقول "الخلافات السياسية تتقدم على الاحتياجات الإنسانية"، مبيناً أن "تمديد التفويض كل 6 أشهر، الذي فرضته روسيا منذ يوليو 2022، يزيد من معاناة الشمال السوري نتيجة اضطرار منظمات الإغاثة على تصميم مشاريع قصيرة الأمد تغيب عنها الاستدامة".

وكانت منظمات الإغاثة السورية وجهت رسالة لنقل صلاحية تمديد الآلية من مجلس الأمن إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لتلافي "الفيتو" الروسي، دون أن تلاقي الرسالة تجاوباً.

ويؤكد رزوق "إصرار روسيا على حصر صلاحية تمديد التفويض بمجلس الأمن لتواصل تحقيق أهداف سياسية لصالح النظام من خلال ملف المساعدات الإنسانية".

 

التسييس ليس جديداً

تجديد آلية إيصال المساعدات عبر الحدود يمثل النموذج الأوضح على التدخلات السياسية في إدارة الملف الإنساني في سوريا، غير أن هناك العديد من الشواهد على تسييس المساعدات الإنسانية منذ بداية الأزمة، يؤكد مدير منظّمة "أنا إنسان"، مالك أبو الخير، لـ "ارفع صوتك".

يقول: "النظام السوري وبالتعاون مع حليفه الروسي يُخضع ملف المساعدات الإنسانية للكثير من الحسابات السياسية (..) المساعدات الإنسانية بالنسبة للنظام أداة لتمرير ممارساته الإرهابية لإخضاع المعارضين والمناطق الخارجة عن سيطرته".

ويصف الضغوط الروسية في مجلس الأمن فيما يتعلق بآلية إيصال المساعدات بـ "الابتزاز السياسي"، الرامية لتحقيق مكاسب لصالح للنظام في دمشق، عبر سيطرتها على الحصّة الأكبر من المساعدات الداخلة إلى سوريا، إضافة إلى استفادة المناطق الخاضعة لسيطرة النظام من مشاريع التعافي المبكر التي تمولها الأمم المتحدة.

ينتهي تفويض إدخال المساعدات من "باب الهوى" في 10 يناير 2023.
"باب الهوى".. شريان حياة النازحين أمام سيناريوهات الإغلاق
في 10 يناير 2023، ينتهي قرار مجلس المجلس بتفويض بإيصال المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية إلى مناطق شمال غرب سوريا عبر معبر "باب الهوى"، وسط مخاوف النازحين والمنظمات الإغاثية من استخدام روسيا حق النقض "الفيتو" لإنهاء العمل بالآلية الأممية.

ويستعرض أبو الخير جملة من الممارسات التي سيَّس فيها النظام الملف الإنساني، ومنها "رفض إدخال المساعدات الإغاثية إلى المناطق المحاصرة في السنوات الأولى من الصراع تحت مبرر وجود إرهابيين، أو التحكم في كمية ونوعية المساعدات الداخلة بواسطة المنظمات الأممية".

ويدلل على ذلك بحصار الغوطة الشرقية عام 2013، عندما رفض النظام إدخال المساعدات رغم العديد من المناشدات الدولية، إضافة إلى رفضه إدخال العديد من المستلزمات الطبية في المناسبات القليلة التي سمح فيها بإدخال المساعدات إلى المحاصرين.

يوضح أبو الخير: "عمل النظام على ابتزاز المحاصرين بلقمة الأكل والعلاج لإجبارهم على المغادرة (..) غالبية من غادروا نتيجة الجوع جرى اعتقالهم أو قتلهم".

كذلك عمل النظام السوري على وصف المنظمات العاملة في المجال الإنساني بـ "الإرهابية"، كما فعل مع "الدفاع المدني السوري" (الخوذ البيضاء)، بحسب أبو الخير.

ويختم حديثه قائلاً: "كل من عمل في المجال الإنساني والإغاثي بشكل يفضح الممارسات الوحشية للنظام تحول في قاموسه إلى منظمة إرهابية أو تابعة للخارج وذلك لتبرير قصف كوادرهم".

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".