جدد "الفيتو" الروسي الرافض لتجديد التفويض الأممي لإرسال المساعدات عبر الحدود إلى سوريا لـ 12 شهراً، النقاش حول تسييس ملف المساعدات الإنسانية التي تلعب دوراً حاسماً في حياة أكثر من أربعة ملايين شخص يعيشون في مناطق الشمال السوري.
وانتهى التفويض الأممي في 10 يوليو الجاري، الذي شهد عبور قافلة من المساعدات الإغاثية الأممية معبر "باب الهوى" على الحدود التركية السورية، وبعدها علّق دخول القوافل في انتظار صدور قرار من مجلس الأمن بتجديد التفويض الأممي.
يقول المدير التنفيذي لمنظّمة "شفق" الإنسانية، عارف رزوق: "ملايين الناس سيعانون نقص الاحتياجات الأساسية في انتظار حسم الخلافات السياسية التي أصبحت تتحكم بوصول المساعدات".
ويشير في حديثه لـ "ارفع صوتك"، إلى تكرار ذات السيناريو مع كل عملية تجديد للتفويض الأممي.
وبدأت الآلية الدولية لإيصال المساعدات عبر الحدود في مايو 2014، بقرار مجلس الأمن رقم (2156)، الذي منح "الإذن لوكالات الأمم المتحدة وشركائها باستخدام الطرق عبر خطوط النزاع والمعابر الحدودية ووضعها تحت سيطرة الأمم المتحدة"، على أن تجدد كلّ 12 شهراً.
وتطبيقاً للقرار، جرى اعتماد 4 منافذ حدودية مع العراق والأردن وتركيا لإدخال المساعدات، وهي "السلام" و"باب الهوى" مع تركيا، و"اليعربية" على الحدود مع العراق، ونقطة على الحدود الأردنية-السورية.
هذه الآلية تعرضت خلال السنوات المتعاقبة للتقليم بفعل الضغوط الروسية في مجلس الأمن، والتلويح المستمر باستخدام حقّ النقض (الفيتو) لتعطيلها بالكامل، حيث تم الإبقاء على معبر واحد هو "باب الهوى"، وأصبحت الآلية تجدد كلّ 6 أشهر، عوضاً عن 12 شهراً.
الخلاف الأخير، تفجر بعد أن طرح مشروع قرار في مجلس الأمن يعيد التمديد إلى سابق عهده (12 شهراً)، وهو ما قوبل برفض روسي تطور إلى استخدام "الفيتو" في الجلسة التي عقدت، الثلاثاء، بعد فشل جميع المفاوضات والمناقشات لحملها على الموافقة.
يُعلق رزوق، على ما شهده مجلس الأمن بالقول "الخلافات السياسية تتقدم على الاحتياجات الإنسانية"، مبيناً أن "تمديد التفويض كل 6 أشهر، الذي فرضته روسيا منذ يوليو 2022، يزيد من معاناة الشمال السوري نتيجة اضطرار منظمات الإغاثة على تصميم مشاريع قصيرة الأمد تغيب عنها الاستدامة".
وكانت منظمات الإغاثة السورية وجهت رسالة لنقل صلاحية تمديد الآلية من مجلس الأمن إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لتلافي "الفيتو" الروسي، دون أن تلاقي الرسالة تجاوباً.
ويؤكد رزوق "إصرار روسيا على حصر صلاحية تمديد التفويض بمجلس الأمن لتواصل تحقيق أهداف سياسية لصالح النظام من خلال ملف المساعدات الإنسانية".
التسييس ليس جديداً
تجديد آلية إيصال المساعدات عبر الحدود يمثل النموذج الأوضح على التدخلات السياسية في إدارة الملف الإنساني في سوريا، غير أن هناك العديد من الشواهد على تسييس المساعدات الإنسانية منذ بداية الأزمة، يؤكد مدير منظّمة "أنا إنسان"، مالك أبو الخير، لـ "ارفع صوتك".
يقول: "النظام السوري وبالتعاون مع حليفه الروسي يُخضع ملف المساعدات الإنسانية للكثير من الحسابات السياسية (..) المساعدات الإنسانية بالنسبة للنظام أداة لتمرير ممارساته الإرهابية لإخضاع المعارضين والمناطق الخارجة عن سيطرته".
ويصف الضغوط الروسية في مجلس الأمن فيما يتعلق بآلية إيصال المساعدات بـ "الابتزاز السياسي"، الرامية لتحقيق مكاسب لصالح للنظام في دمشق، عبر سيطرتها على الحصّة الأكبر من المساعدات الداخلة إلى سوريا، إضافة إلى استفادة المناطق الخاضعة لسيطرة النظام من مشاريع التعافي المبكر التي تمولها الأمم المتحدة.
ويستعرض أبو الخير جملة من الممارسات التي سيَّس فيها النظام الملف الإنساني، ومنها "رفض إدخال المساعدات الإغاثية إلى المناطق المحاصرة في السنوات الأولى من الصراع تحت مبرر وجود إرهابيين، أو التحكم في كمية ونوعية المساعدات الداخلة بواسطة المنظمات الأممية".
ويدلل على ذلك بحصار الغوطة الشرقية عام 2013، عندما رفض النظام إدخال المساعدات رغم العديد من المناشدات الدولية، إضافة إلى رفضه إدخال العديد من المستلزمات الطبية في المناسبات القليلة التي سمح فيها بإدخال المساعدات إلى المحاصرين.
يوضح أبو الخير: "عمل النظام على ابتزاز المحاصرين بلقمة الأكل والعلاج لإجبارهم على المغادرة (..) غالبية من غادروا نتيجة الجوع جرى اعتقالهم أو قتلهم".
كذلك عمل النظام السوري على وصف المنظمات العاملة في المجال الإنساني بـ "الإرهابية"، كما فعل مع "الدفاع المدني السوري" (الخوذ البيضاء)، بحسب أبو الخير.
ويختم حديثه قائلاً: "كل من عمل في المجال الإنساني والإغاثي بشكل يفضح الممارسات الوحشية للنظام تحول في قاموسه إلى منظمة إرهابية أو تابعة للخارج وذلك لتبرير قصف كوادرهم".