صورة لافتة المركز الثقافي الإيراني، نشرت على صفحته الرسمية في فيسبوك
صورة لافتة المركز الثقافي الإيراني، نشرت على صفحته الرسمية في فيسبوك

قالت وسائل إعلام سورية محلية، إن المركز الثقافي الإيراني (مركز كشاف اللجنة الشعبية للصداقة السورية الإيرانية) في مدينة دير الزور شرق سوريا، أقام فعالية ترفيهية يوم الجمعة الماضي، وجّه فيها دعوات استهدفت أطفال المدينة وعوائلهم، بإشراف مباشر من المدعو "الحاج رسول" مدير المركز.

وأوضحت شبكة "عين الفرات" في خبرها، أن الفعالية تضمّنت مسرحية مخصّصة للأطفال، بالإضافة إلى مسابقة تضمّنت أسئلة عن شخصيات إيرانية مثل "قاسم سليماني" و"الخميني".

وأضافت أنه على الرغم من الدعوات الكثيرة التي وجّهها المركز لأطفال دير الزور وذويهم، إلا أن الحضور كان قليلاً بسبب رفض غالبية أهالي المدينة محاولات المركز الثقافي التقرّب منهم.

 

"غسيل أدمغة"

تقول شبكة "عين الفرات" إن الميليشيات الإيرانية المنتشرة في دير الزور، "تعمل على زرع الثقافة الشيعية في عقول أطفال المدينة من خلال تنظيم فعاليات ثقافية وترفيهية"، علماً بأن الغالبية العظمى من سكان دير الزور يتبعون المذهب السني.

وتتابع: "إضافة إلى استغلال فئة الشباب في ظل الأوضاع الاقتصادية السيّئة لتجنيدهم ضمن صفوف ميليشياتها، تعمل إيران على استهداف فئة الأطفال بشكل خاص، في عملية ممنهجة تستهدف فيها الأجيال الجديدة لغسل عقولهم، ونشر فكر التشيّع لدى هذه الفئة، التي لا تحتاج إلى ضخّ أموال كثيرة أو إنشاء معسكرات خاصة، إنما تحتاج فقط إلى نشاطات وفعاليات ترفيهية تمرّر من خلالها أذرع إيران رسائلها وثقافتها للأطفال واليافعين". 

ويُعدّ المركز، أحد أهم المؤسسات الإيرانية التي تنشط داخل محافظة دير الزور ريفاً ومدينة، تحت شعارات إنسانية وترفيهية.

يقول أحمد ناموسة من مدينة دير الزور، لـ"ارفع صوتك"، إن "إيران تدرك أنها لا تستطيع إنشاء حاضنة شعبية عن طريق التجنيد في ميليشياتها أو عن طريق المشاريع الاقتصادية، لأن هذه الطرق أثبتت فشلها في حال حصول سيناريوهات تجبر الميليشيات الإيرانية على الانسحاب من مناطق سيطرتها شرق سوريا، ولذلك تقوم بالتركيز على فئة الأطفال واليافعين كخطوة بعيدة الأمد".

ويرى أحمد العطرة، وهو صحافي مختص بشؤون المنطقة الشرقية في سوريا، إن نشاطات المركز الثقافي الإيراني "تجري بدعم من النظام السوري"، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "يسهّل مسؤولو النظام للمركز الدخول في نشاطات منظمتي طلائع البعث والشبيبة، اللتين تحويان كافة الطلاب في المرحلتين الإعدادية والثانوية، ويقوم المركز بشكل دائم بتنظيم نشاطات تستهدف الطلاب، إما عبر حفلات التكريم أو الندوات الثقافية والترفيهية، من باب الدعم والاهتمام بهم".

ويضيف أن الحالة الاقتصادي "المُزرية" التي يعاني منها سكان دير الزور، تدفع بعض الأهالي إلى الموافقة على إرسال أبنائهم للمشاركة في هذه النشاطات، رغم حذرهم وتوجّسهم من هذه الخطوة، مقابل حصولهم على مبالغ مالية هي في الغالب رمزية وليست ذات قيمة كبيرة.

"هذا بالإضافة إلى أن نشاط المركز لا يقتصر على الندوات الثقافية والترفيهية، إنما ينظّم مبادرات تحت شعارات إنسانية كتوزيع سلال غذائية على الأهالي، أو تقديم الدعم المادي لإنشاء وتجهيز مستشفيات ومراكز طبية"، يتابع العطرة.

  

خطوة "إستراتيجية"

من وجهة نظر العطرة، "لا يريد المسؤولون في المركز الثقافي الإيراني قطف ثمار نشاطاتهم على المدى القريب، فخطوتهم إستراتيجية تحتاج سنوات طويلة، وتستطيع إيران من خلالها عبر القوة الناعمة التأثير الواسع في جيل نشأ بعد الثورة الشعبية في سوريا، ووجد نفسه في مجتمع تسيطر إيران على معظم مفاصله العسكرية والاقتصادية".

"بينما لا يمكن لأهالي الأطفال أو اليافعين سوى رفض إرسال أبنائهم"، يقول العطرة، مبيناً أن الأهالي أيضاً "يعجزون بشكل كلّي عن مواجهة هذه المشاريع التي فرضتها سياسة المُنتصر، أي  النظام السوري وحلفاؤه، بينما اختار الحليف الروسي السيطرة على مفاصل عسكرية وحيوية غرب البلاد، كانت حصة إيران المنطقة الشرقية إضافة إلى مدينة حلب وبعض أريافها الجنوبية والشرقية".   

يُشار إلى أن الميليشيات الإيرانية سيطرت على مدينة دير الزور وريفها الشرقي من جهة غرب الفرات في المحافظة، بعد طرد تنظيم داعش من تلك المناطق عام 2017.

 وتأسّس المركز الثقافي الإيراني منتصف عام 2018. ويعد أحد الأذرع الإيرانية "غير العسكرية" التي تحاول من خلالها طهران تأسيس وجود طويل الأمد في المنطقة الجغرافية المُحاذية للعراق، الغنية بثرواتها الطبيعية والنفطية. 

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".