ولا تنتهي هذه المواجهات عادةً إلا بعد سقوط ضحايا مدنيين، من أطراف النزاع أو محايدة- تعبيرية
لا تنتهي هذه المواجهات عادةً إلا بعد سقوط ضحايا مدنيين، من أطراف النزاع أو محايدة- تعبيرية

بشكل شبه يومي، تتكرر أخبار الاقتتالات العشائرية والعائلية في جميع مناطق سوريا على اختلاف السلطات المسيطِرة فيها، ولا تنتهي هذه المواجهات عادةً إلا بعد سقوط ضحايا مدنيين، سواء من أطراف النزاع أو من أطراف محايدة، ويشمل ذلك قضايا الثأر الشخصي أو العائلي. 

تتصدر محافظات شرق سوريا (دير الزور، الرقة، الحسكة) حوادث سقوط القتلى والجرحى في اقتتالات عشائرية وعائلية، تليها مناطق الشمال السوري الخاضعة لسيطرة المعارضة السورية (الجيش الوطني)، ثم بدرجات أقل مناطق إدلب الخاضعة لسيطرة "هيئة تحرير الشام"، فمناطق النظام السوري. 

"لا خيار أمامنا سوى المشاركة في اقتتالات العشيرة، لأن العشيرة أصبحت هي الحكومة بالنسبة لنا، ولا نستطيع ترك أقاربنا يواجهون قضاياهم وحدهم"، بهذه الكلمات اختصر الشاب السوري محمد. ع، وهو أحد سكان منطقة شرق الفرات التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، واقع الحال إزاء الصراعات العائلية والعشائرية، التي تُستخدم فيها عادةً الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، ويجد الشباب أنفسهم مشاركين فيها ليس لأن لهم يداً فيها، بل فقط لأن أقاربهم انخرطوا فيها.

 

غياب الدولة

يَظهر مصطلح "غياب الدولة" على أنه السبب الرئيس الذي يُذكي نيران الصراعات العشائرية في القرى والبلدات وأحياناً المدن، حيث تتعدد أسباب الخلافات المجتمعية لأسباب كثيرة، كالخلافات على الأراضي أو حصص المياه أو حتى الثأر، وفي هذه الحالة يُفترض أن القضاء المستقل وقوات إنفاذ القانون هي التي تحلّ الخلافات وتقضي بها وتمنع الصِّدامات الناتجة عنها.

لكن في الحالة السورية فإن "غياب الدولة يؤدّي إلى ارتفاع أسهم العشيرة والقبيلة، ما يؤدي إلى الانفلات الأمني"، بحسب ما يقول الشيخ مضر حماد الأسعد، المنسق العام للمجلس الأعلى للقبائل والعشائر السورية.

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "لأن كل عشيرة تريد أن تحكم بقوانينها هي من خلال فرض عاداتها وتقاليدها، ما يؤدّي إلى الصِّدام مع العشائر الأخرى أو القوميات الطوائف الأخرى".

ولا يقف الأمر فقط عند غياب الدولة وسلطات إنفاذ القانون في كثير من المناطق السورية التي بات الاحتكام فيها خاضعاً لمنطق القوة والسلاح والأعراف العشائرية القديمة، إنما تدعم بعض سلطات الأمر الواقع سياسة الصراعات العشائرية لمراعاة مصالحها وتحقيق غاياتها في السيطرة على المجتمع، وهذا ما يحصل عادة في المناطق التي تسيطر عليها "قسد" والنظام السوري والميليشيات الإيرانية، بحسب الأسعد.

ويرى أن هذه القوات تتبع سياسة "فرّق تسُد" للسيطرة على المجتمعات التي تحكمها، وضمان عدم اجتماع صف السكان على موقف واحد، مع دعم بعض شيوخ القبائل على حساب آخرين.

 

فوضى السلاح

ينتج عن غياب الدولة وعدم وجود قوات لإنفاذ القانون تضمن حقوق السكان وتقضي في نزاعاتهم، انتشار السلاح كنتيجة طبيعية، حيث يشعر المواطنون في مناطق غياب القانون بأن السلاح هو القوة الوحيدة التي يمكن أن تضمن حقّه، كما يقول أبو محمد، وهو أحد سكان ريف الحسكة الشمالي.

ويؤكد لـ"ارفع صوتك" أن "الحاكم الفعلي في مناطق سيطرة قسد والجيش الوطني السوري هو السلاح"، مستدركاً "لا أحد يرغب بالقتال للحصول على حقوقه، لكن عندما تعجز السلطات عن أخذ حقوقنا فنحن نقوم بذلك بأنفسنا".

ومما يثير فوضى انتشار السلاح كذلك ملف التجنيد، واستقواء كل عائلة أو قبيلة بفصيل مسلّح ينتمي أفرادها إليه، وهذا ما يحصل في جميع المناطق السورية تقريباً، وفق الإعلامي ف. ع (تحفظ على ذكر اسمه)، وهو من سكان قرى شرق السويداء.

يقول: "العائلة أو العشيرة تقوى مكانتها بحسب قوتها، وتأتي قوتها من وجود أكبر قدر ممكن من السلاح، وبوجود أفراد وعناصر ينتمون منها ينتمون لتشكلات مسلحة".

يوضح الأسعد، أن أسباباً أخرى تسهم في انتشار مناطق الصّدامات العشائرية، أبرزها "سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في كافة المناطق السورية، وانتشار الفقر والبطالة، وتسرّب مئات الآلاف من الطلاب من التعليم، الأمر الذي يجعلهم أداة يسهل التحكّم بها وإثارتها وتوجيه رأيها بعيداً عن منطق القانون والاحتكام لأعراف الصُّلح".

 ويتابع: "لا يمكن إيقاف الاقتتال العشائري إلا بوجود سلطة قوية وعادلة لا تفرق بين مكونات السكّان وانتماءاتهم العشائرية أو العرقية".

في نفس الوقت، يستبعد الأسعد "وجود مثل هذه السلطة حالياً، وسط غياب أي أفق للحل السياسي في سوريا واستمرار الفوضى"، مردفاً "فوضى الاقتتالات العشائرية في نهاية المطاف هي صورة عن مشهد الفوضى الكلّي في سوريا".

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".