FILE - A Syrian national flag waves as vehicles move slowly on a bridge during rush hour, in Damascus, Syria, on Feb. 28, 2016…
جانب من مدينة دمشق- تعبيرية

ينوي السوري طاهر بكداش (41 عاما)، المقيم في مدينة جدة السعودية، زيارة وطنه هذا العام بعد انقطاع دام ثلاث سنوات، آملاً بأن تكون موفقة أكثر من سابقتها، خصوصاً مع الإصدار الحكومي الجديد "بطاقة زائر".

 يوضح لـ"ارفع صوتك": "زيارتي الأخيرة كانت سيئة جدا، والسبب ليس الوضع الاقتصادي السيء والضغوطات اليومية التي يعيشها أهلي في سوريا، ولا انقطاع الماء والكهرباء، بل اضطراري لاستهلاك وقت طويل في البحث عن الوقود وصعوبة توفره، وإن توفر، كان علي الانتظار على محطات البنزين لوقت طويل، ما اضطرني للجوء للسوق السوداء في كثير من الأحيان".

"أما اليوم مع إصدار بطاقة زائر، تشجعت للزيارة على أمل أن تسهل البطاقة لي ولأمثالي من المغتربين والسياح الحصول على الوقود وتخفف الانتظار الطويل"، يضيف طاهر.

وأعلنت وزارةالنفط والثروة المعدنية التابعة لحكومة النظام السوري، قبل أيام، بدء العمل بخدمة "بطاقة زائر" مسبقة الدفع بالعملة الأجنبية، تمكن السوريين المغتربين والزوّار العرب والأجانب القادمين إلى سوريا من تعبئة البنزين (أوكتان 90) لآلياتهم، من كافة محطات الوقود العاملة العامة والخاصة، و(أوكتان 95) من محطات الوقود التي تبيعه في المحافظات وعلى الطرق العامة.

وبيّن موقع "رئاسة الوزراء" للنظام، أنه "يمكن شراء هذه البطاقة من جميع منافذ البيع العائدة للمصرف التجاري السوري بكل فروعه في المحافظات والكوات المتواجدة على المنافذ الحدودية، وهي بكمية 200 لتر صالحة لمدة ثلاثة أشهر، يتم تفعيلها بمجرد الدخول إلى النافذة الإلكترونية وإدخال رقم البطاقة".

ويبلغ سعر اللتر الواحد دولار وعشرة سنتات (أوكتان 90) ودولار، و20 سنتا (لأوكتان 95) وهو أقل بنسبة بسيطة من متوسط سعر بيع البنزين عالميًا، والبالغ نحو 1.29 دولار أميركي.

 

"مشروع دعائي"

يقول الخبير الاقتصادي يونس كريم، في حديثه مع "ارفع صوتك"، إن للمشروع "أهمية كبيرة بالنسبة للنظام، فهو أولاً دعائي لتشجيع السياحة في مناطقه، وأن الاقتصاد يتحسن، حيث يهدف إلى إخبار المغتربين والسياح أن مشكلة المحروقات التي يقرؤون عنها على مواقع التواصل الاجتماعي لن تواجههم، لأن لهم معاملة خاصة، بالتالي، يُعتبر دعمًا وتشجيعا ضمنيًا للسياحة".

"وثانياً، أسعار المحروقات في البطاقة أقل من أسعارها في الدول المجاورة، ما يعني أنهم يحاولون إعادة مقولة أنالسياحة رخيصة في سوريا، بالإضافة لتأمين العملة الأجنبية عن طريق بيع المحروقات، على الرغم من كونها قليلة، وأن النظام يسعى لإدارة الملف الاقتصادي بشتى الطرق"، يضيف كريم.

ويتابع: "الإعلان عن بيع المحروقات بالقطع الأجنبي للمغترب والسائح هو إعلان عن نظامين اقتصاديين في سوريا، سيُطبقان في آن واحد. الأول على السوريين الخاضعين لسيطرة النظام في المناطق التابعة له، حيث منع الحصول على الدولار وفرض التداول بالليرة السورية، بالإضافة إلى الكثير من التعقيدات الاقتصادية والحياتية بحجة العقوبات والحصار، وهو حجة للحصول على مساعدات دولية والبقاء على القبضة الأمنية دون أي إصلاح أو تغيير. والثاني على الأجانب والمستثمرين الذين سيتمكنون من التداول بالدولار والعمل بكل يسر، ولكن وفقا لقنوات النظام التي ينشئها، ويهدف أيضا إلى منع المغتربين من شراء المحروقات من السوق السوداء، ويجبرهم على الحصول عليها عبر الأقنية التي يفرضها النظام الاقتصادي لحكومة النظام".

وعن كيفية الاستفادة من هذه البطاقة، يقول كريم: "ستكون استفادة مؤقتة وظرفية، فعند شراء البطاقة، هناك مشكلتان تواجهان الزائر، أنه سيضطر إلى صرفها خلال فترة محددة، بالإضافة إلى مشكلة توفر المحروقات في المحطات التي يقصدها، أما من الناحية المالية، فسيستفيد الزائر والمغترب السوري والأجنبي بتقليل كمية الدولارات التي يحتاج إلى تحويلها للعملة السورية، بالتالي تجنب المساءلة للتداول بالدولار، وهذه نقطة مهمة جدا".

ويوضح أن القوانين التي يصدرها النظام في هذا الصدد "تسعى إلى تأكيد أن من يدخل الدولارات لن يستطيع الخروج بها، إذ عليه التصريح بالدخول والخروج وكيف وأين أنفقها، وهي عملية مرهقة للزائر وغير واضحة للجمارك". 

وبحسب كريم، فإن حكومة النظام "تمنع السوري سواء كان مقيما أم مغتربا من التعامل بالدولار وصرفه داخل مناطق النظام بعيدا عن قنواته، وهي أقل من سعر السوق بـ20% إلى 25%، فالمكتب السري المسؤول عن متابعة هذه الأمور سيكون له بالمرصاد> لذا فشراء هذه البطاقة سوف يحميه إلى حد ما من المساءلة القانونية للمكتب السري".

 

تأثر المقيمين 

هل dمكن أن يتأثر السوريون من بطاقة زائر؟ يجيب الخبير الاقتصادي: "طبعا سيتأثر السوريون المقيمون في مناطق النظام، لأن كمية المحروقات التي تستورد محدودة، ,ترتبط بعمليات تهريب معقدة، تبدو الآن أكثر صعوبة وتعقيدا، سواء كان الاستيراد من مناطق قسد، حيث بات هناك حصار حقيقي على عملية تهريب النفط إلى مناطق النظام نتيجة العقوبات الأميركية، أو الاستيراد من قبل إيران وروسيا ودول أخرى، وإمكانية النظام دفع تكلفة هذه العملية".

ويضيف أن النظام "سيفاضل على كمية المحروقات التي تقدم للسوريين بين المقيمين والمغتربين، وسيرجّح الكفة لصالح المغتربين، لذلك كلما زاد عدد مشتري بطاقة زائر، نقصت حصص المقيمين،  وزادت الطوابير".

ويعتقد كريم، أن النظام من خلال هذا الإصدار، يريد أن "يستخدم الزوّار والمغتربين كوسائل إعلامية لنشر دعايته والقول إن المناطق آمنة. وكلما قلت العقبات التي يصادفها المغترب أو السائح داخل سوريا، ستكون الصورة التي ينقلها لبلاده أفضل، وهذا يشكل لوبي اجتماعياً ضاغطاً على هذه دول الخارج".

ويذهب إلى ما وراء ذلك، بالتحليل: "سيركز النظام على السائحين أكثر من المغتربين للإعلان بأن الأمور في سوريا بدأت تعود إلى نصابها، وأن الأمر يحتاج إلى وقت، بالتالي لا مشكلة من إعادة اللاجئين وفق آلية تفاوض معينة، يطلبها النظام دائما من خلال اجتماعاته مع الدول العربية المطبعة معه".

 

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب

للمرة الثانية خلال أقلّ من عام، أعلنت حكومة النظام السوري رفع أجور نقل الركاب بين المحافظات الخاضعة لسيطرته من جهة، وبينها والتابعة لقوى أخرى في بقية أرجاء سوريا.

ونقل موقع إعلامي محلّي، عن مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام أن القرار "صدر بناءً على ارتفاع تكاليف التشغيل للبولمانات، بما في ذلك الزيوت المعدنية، وأجور الصيانة والإصلاح، وقطع الغيار، والرواتب، وغيرها من التكاليف التي طلبت شركات النقل تغطيتها".

القرار الذي صدر في أغسطس الفائت، لم يكن الأول من نوعه، فقبل عام وفي نفس الشهر، تم رفع أجور النقل بنسب قياسية لما هو معتاد للمواطنين، وذلك بعد أيام من رفع الدعم الحكومي عن المحروقات الرئيسية وغلاء أثمانها ثلاثة أضعاف.

آنذاك، بلغ سعر الليتر الواحد من البنزين في السوق السوداء نحو 20 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر ليتر الديزل (المازوت) إلى 15 ليرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حادّ في أسعار البضائع والمواد الاستهلاكية وأجور النقل.

يقول سوريون استطلع موقع "ارفع صوتك" آراءهم، إن شركات النقل المرخّصة من قبل حكومة النظام "لا تلتزم أصلاً بالتسعيرة الرسمية رغم ارتفاع أجورها بشكل باهظ"، بينما أفادت مواقع إعلامية محلية أن زيادة أجور النقل تتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف ليرة عما كان سائداً في السابق، خصوصاً شركات النقل الكبرى المعروفة.

أجور النقل بين المحافظات السورية

Posted by Q Business on Saturday, August 3, 2024

هذه الزيادة في أسعار أجور النقل أثّرت بشكل خاص على الحركة بين المحافظات، حيث أصبح من الصعب على الكثيرين السفر لإنجاز معاملات أو التداوي أو للزيارة العائلية بسبب التكلفة المرتفعة، حتى بات السفر بين محافظة وأخرى "من الرفاهيات" كما يقول عماد حاجي (56 عاماً)، وهو من سكّان مدينة حلب.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن ابنته الوحيدة تسكن في ريف دمشق، ويُضطرّ بين الحين والآخر لزيارتها، بسبب سفر زوجها للعمل في لبنان. 

ويرى عماد أن تكلفة النقل بين المحافظتين "تفوق الواقع بمراحل"، مردفاً "أقلّ تذكرة لا يمكن الحصول عليها إلا بدفع مبلغ 65 ألف ليرة سورية، بينما في آب (أغسطس) سنة 2023 كانت نفس الرحلة تكلفني 20 ألف ليرة تقريباً".

 

من هم الأكثر تضرراً؟

عبر وسائل التواصل والمواقع المحلية، رفع سوريون مطالبهم لحكومة النظام بإعادة النظر في الأجور الجديدة.

وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حيزة إن الموظف بات ينفق راتبه الشهري على أجور النقل، لافتاً إلى أن تكاليف نقل الأفراد بين دمشق وريفها، أصبحت عبئاً على الموظفين وطلبة الجامعات.

واقترح تسيير حافلات حكومية على غرار حافلات النقل الداخلي وتزويدها بالمحروقات، أو إنشاء شركات نقل مشترك بين القطاعين الخاص والعام.

كما حذر حيزة من تضرّر عدد كبير من الشرائح الاجتماعية، بينهم المرضى الذين يقصدون المشافي في المحافظات، والمسافرون باتجاه المطارات والمحافظات الشمالية. 

وتبدو شريحة المرضى الذين يقصدون خدمات المشافي العامة أو الاستطباب الخاص، هي الأكثر تضرّراً من هذا القرار في ظل التكلفة المرتفعة أصلاً للمعاينات الطبية والأدوية.

وداد ملحم (59 عاماً)، من سكان مدينة دير الزور شرق سوريا، تقول إنها تحتاج للسفر بشكل شهري تقريباً إلى مدينة دمشق، لمراجعة قسم القلبية في مشفى "المواساة" نتيجة لإصابتها بمرض "نقص التروية".

تبين لـ"ارفع صوتك" أن الخدمات الطبية -لا سيّما القلبية- في مدينتها "متهالكة تماماً"، ولذلك تسافر لدمشق منذ ثلاث سنوات للحصول على الرعاية اللازمة.

وتؤكد وداد أن تذكرة السفر بين دير الزور ودمشق (يبعدان عن بعضهما نحو 450 كيلومترا) وفق الأسعار الجديدة صارت نحو 80 ألف ليرة سورية، هذا عدا عن دفع أجور الاستشفاء والأدوية التي قد تحتاج شراءها.

هذه التكاليف التي ترهق كاهل وداد، تدفعها لمطالبة سلطات النظام بوضع "اعتبارات خاصة لبعض الفئات كالمرضى والطلاب، ومنحهم بطاقات تخفيض تراعي حاجتهم للسفر المتكرر".

أزمة وقود سوريا
الحكومة السورية ترفع سعر الخبز والمازوت رغم تفاقم الأزمة
بدأت الحكومة السورية الأحد العمل بسعر جديد لمادتي الخبز والمازوت بعد رفع ثمنهما مرة جديدة وتزامناً مع قرار رئاسي برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة رواتب العاملين في الدولة بنسبة 50 في المئة، وسط أزمة اقتصادية خانقة متسارعة تثقل كاهل مواطنين في بلد يشهد نزاعاً دامياً منذ أكثر من عشر سنوات.
وهذه ليست المرة الأولى التي ترفع فيها

"إتاوات" الحواجز الأمنية          

لا تتوقف معضلة السفر بين المحافظات السورية على أجور النقل المرتفعة، إنما تدخل في التكاليف ما يسمّيها السوريون "إتاوات التشليح"، التي يدفعونها عند  الحواجز العسكرية التابعة لجيش النظام، خصوصا "الفرقة الرابعة" المسؤولة عن معظم الحواجز بين المحافظات.

يقول مرهف الراعي، من سكان مدينة الرقة، إن هذه الحواجز "تتقاضى مبالغ مُتباينة من أجل السماح بمرور الحافلات دون تفتيش، وفي حال عدم الدفع يضطر ركاب الحافلة للبقاء ساعات بذريعة الإجراءات الأمنية".

يدرس مرهف في كلية الآداب بجامعة الفرات (مقرّها الرئيسي مدينة دير الزور)، ولأن مدينته واقعة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فإنه يُضطر للسفر كل ثلاثة أشهر لتقديم الامتحانات.

يبين لـ"ارفع صوتك" أن حواجز "الفرقة الرابعة" المنتشرة بين المحافظتين "تزيد صعوبة وتكاليف السفر، وتشكل سرقة موصوفة لجيوب المسافرين" على حد تعبيره.

ويشير إلى أن الحافلة بين الرقة ودير الزور تقابلها حواجز "الرابعة" بتدقيق خاص، بسبب اختلاف جهات السيطرة بين المنطقتين، مردفاً  "يقولونها بشكل علني (ادفعوا كي تمرّوا أو انتظروا ساعات لنقوم بالتدقيق الأمني والتفتيش)".

"لذلك، فإن غلاء الأسعار ليس الشبح الوحيد الذي يطاردنا في سوريا، فبقاء مظاهر الحرب والحواجز العسكرية تعطي للسلطات في كل المناطق ذرائع مبرّرة لتزيد  الطين بلّة"، يتابع مرهف.