صورة من حريق سوق ساروجة الأثري في قلب العاصمة السورية دمشق- تعبيرية
صورة من حريق سوق ساروجة الأثري في قلب العاصمة السورية دمشق- تعبيرية

في الساعة الثالثة فجراً، الأحد الماضي، استفاق أهالي دمشق القديمة على حدث جلل ليس بالجديد، حيث طالت ألسنة اللهب مناطق أثرية ذات قيمة تاريخية كبيرة.

واندلع حريق كبير في سوق "ساروجة" وسط العاصمة السورية، خلف مبنى المصالح العقارية، ليمتدّ إلى بيوت ومحال تجارية وورشات أحذية مجاورة، وسط تضارب الروايات حول الحريق وعدم تحديد سبب مباشر لاندلاعه.

ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، عن قائد فوج إطفاء دمشق، داود عميري، أن 21 سيارة إطفاء وأربعة صهاريج مياه وثلاث سيارات دفاع مدني شاركت في إخماد الحريق.

وبحسب الفوج نفسه، عبر صفحته في فيسبوك، لم يسفر الحريق عن إصابات وتمت السيطرة عليه، دون ذكر أسبابه.

وسائل إعلام موالية للنظام السوري، قالت إن عمليات إطفاء الحريق استمرت ثلاث ساعات، وأدت إلى انهيار جزء من منزل عربي قديم، بالإضافة إلى أضرار مادية كبيرة في المنازل التي طالتها ألسنة اللهب.

ولم تَصدُر عن مسؤولي النظام أي تصريحات تحدّد سبب اندلاع الحريق، بينما أشارت صحيفة "الوطن" الموالية، إلى أن "التحقيقات جارية من أجل هذه القضية".

 

حرائق تلتهم التاريخ

خلال السنوات الماضية، شهد قلب دمشق عدة حرائق في مناطق تجارية وأثرية قديمة، حتى أن فوج الإطفاء طالب السكان قبل ثلاثة أيام من الحريق، في 13 يوليو الحالي، بعدم ترك المشروبات الغازية والبطاريات والعطورات داخل السيارات، نظراً لارتفاع درجات الحرارة، وعدم وضع أسطوانات الغاز والمواد البترولية في الشمس، وعدم ملء خزان وقود السيارة بالكامل، وتعبئة الوقود في المساء.

وفي الرابع من يونيو الماضي، تُوفّي طفلان بسبب احتراق منزل ذويهما في منطقة الحميدية الشهيرة خلف الجامع الأموي.

وفي سبتمبر 2021، تُوفّي أحد عناصر الإطفاء خلال مكافحة حريق اندلع قرب مدخل سوق "مدحت باشا" المجاور لسوق الحميدية. 

وفي يوليو 2017، نشب حريق أحدث أضراراً مادية بمنطقة باب الجابية (سوق الصوف).

كما التهم حريق هائل، في أبريل 2016، أكثر من 80 محلاً تجارياً بجانب قلعة دمشق التاريخية الملاصقة لسوق الحميدية أيضاً، وقُدّرت قيمة الخسائر المادية بأكثر من ملياري ليرة سورية، وحينها قالت حكومة النظام إن سبب الحريق تماسّ كهربائي في أحد المتاجر، امتدّ إلى المحالّ المجاورة.

 

خسائر لا تُعوّض!

ألسنة اللهب التي اندلعت في سوق ساروجة، التهمت عدة منازل أثرية، ونقلت صحيفة "الوطن" عن محافظ دمشق، محمد طارق كريشاتي، أن "الخسائر والقيمة الحقيقية للأضرار تُعتبر تاريخية أكثر منها مادية"، مؤكداً أن ما خلّفه الحريق "لا يُقدّر برقم مادي على الإطلاق، لا سيما أن المنازل العربية القديمة هي حضارتنا وثقافتنا وتراثنا".

وممّا التهمته ألسنة اللهب في الحريق أكثر من 15 موقعاً تاريخياً، تُعدّ من أبرز المعالم الأثرية والسياحية في العاصمة السورية، من بينها قصر "عبد الرحمن باشا اليوسف" أمير الحج في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، وجزء من منزل "خالد العظم" الذي يُعد من أشهر الشخصيات السياسية في تاريخ الدولة السورية الحديثة، بالإضافة إلى دار المجلدات والمخطوطات الأثرية والخرائط التاريخية السورية.

ويعود تاريخ حي ساروجة إلى عهد الأمير المملوكي سيف الدين تنكز، ويرجع اسم الحي إلى أحد قادته العسكريين (صارم الدين ساروجة).

ويضم الحي مدارس وجوامع وحمامات مملوكية بعضها لا يزال قائماً، منها جامع الورد وحمام الورد والمدرسة المرادية ومسجد الوزير وغيرها.

وفي العهد العثماني، أبدى العثمانيون اهتماماً خاصاً بالحي، وأنشأوا فيه سوقاً كبيرة ومنازل واسعة وحمامات ومساجد فخمة، حتى أن الحي اشتُهر في ذاك العهد باسم "إسطنبول الصغرى"، نسبة للأرستقراطية العثمانية التي سكنت الحي.

ويُعد قصر عبد الرحمن باشا اليوسف "تحفة معمارية تاريخية فريدة من نوعها في مدينة دمشق"، بحسب ما نقلت صحيفة "الشرق الأوسط" عن المؤرخ والباحث السوري، عبد الرزاق معاذ،  حيث تم بناؤه في عهد السلطات العثماني عبد العزيز خان في عام 1866.

وهو أحد أجمل الدور الدمشقية في العصر العثماني، ويمتد على مساحة تصل إلى 2000 متر مربع.

ويتميز القصره الذي التهمته ألسنة النيران، بجماله وتفاصيله المعمارية الرائعة، لاسيما أن باشا اليوسف قدم الكثير من الجهود لتزيينه وتوسيعه، وأصبح مركزاً للجمال والفن المعماري في قلب العاصمة دمشق.

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".