أحد مرضى السرطان الذين ينتظرون العلاج في تركيا، من سراقب في إدلب بالشمال السوري- ا ف ب
أحد مرضى السرطان الذين ينتظرون العلاج في تركيا، من سراقب في إدلب بالشمال السوري- ا ف ب

في بقعة جغرافية شبه مُحاصَرة، يعاني سكانها أصلاً من فقر شديد في الخدمات الطبية والتجهيزات الصحية، يعاني المئات من مرضى السرطان في شمال غرب سوريا، وتتكرر المناشدات لحلّ مأساتهم دون طائل.

في الوقت الحالي ثمّة 608 مرضى ينتظرون الإذن بالدخول إلى الأراضي التركية، لتلقي علاجات عاجلة مُنقذة للحياة، وهذه حالات جديدة لم يسبق لها أن تلقّت العلاج في تركيا، سُجلت فقط عقب الزلزال المدمّر، هم: 91 طفلاً وطفلة، و235 رجلاً، و282 امرأة. بينما يبلغ العدد الكلي للمرضى في المنطقة أكثر من 3 آلاف شخص.

وفي الثالث من يونيو الماضي، سمحت السلطات التركية للمرضى الذين سبق لهم أن دخلوا تركيا قبل زلزال كهرمان مرعش، بالدخول مجدداً لتلقي العلاج، في حين ما زالت السلطات تمنع دخول الحالات الجديدة.

وفي بيان لها، قالت اللجنة السورية لحقوق الإنسان، إن طفلاً مصاباً بالسرطان تُوفي في شمال غرب سوريا قبل أيام، لينضم بذلك إلى "عشرات مرضى السرطان الذين تُوفوا خلال الأشهر الماضية لعدم تمكنهم من الحصول على العلاج المناسب في مشافي الشمال السوري، وعدم قدرتهم على دخول الأراضي التركية لتلقّي العلاج في مشافيها".

وأكد البيان وجود أكثر من ثلاثة آلاف مريض بالسرطان مسجّلين لدى الجهات الطبية في شمال غرب سوريا، مضيفاً: "نصف هؤلاء المرضى تقريباً يتوفّر علاجهم في المشفى الوحيد الذي يقدّم خدماته مجاناً، ويعمل بإمكاناته المتواضعة في منطقة ذات كثافة سكانية عالية، ويفتقر لمعظم الجرعات مرتفعة الثمن".

 

إمكانات طبية عاجزة

يعاني مُجمل المرضى في مناطق شمال غرب سوريا من منظومة صحية مُنهكة وغير قادرة على تأمين الأدوية والعلاجات لكثير من الأمراض، وعلى رأسها السرطان، نتيجة "التدمير الممنهج وشبه التام الذي قامت به قوات نظام الأسد والمليشيات الداعمة لها إضافة إلى القوات الروسية والإيرانية، ثم ليأتي الزلزال بعدها على ما تبقّى من تلك المنظومة"، كما أورد بيان اللجنة السورية لحقوق الإنسان.

وقالت: "يجد آلاف المرضى أنفسهم وحيدين أمام فقر مدقع وحرمان من الأمن الطبي والغذائي، لتأتي ثالثة الأثافي بعدم تجديد مجلس الأمن الدولي آلية إدخال المساعدات الطبية والإغاثية إلى شمال غرب سوريا نتيجة للفيتو الروسي".

وطالبت اللجنة المجتمع الدولي بتحمّل "المسؤولية القانونية والأخلاقية عن حياة أولئك المرضى الذين تُركوا وحدهم ليلاقوا مصيرهم"، كما طالبت السلطات التركية بالسماح الفوري بدخول المرضى لمشافيها لتلقي العلاج.

وحثّ البيان منظمة الصحة العالمية و"اليونيسف" والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وغيرها من المنظمات الإنسانية ذات الصلة، على تأمين الأدوية والعلاجات اللازمة لمرضى السرطان شمال غرب سوريا، وبناء مركز أورام متكامل يحوي كافة المعدات الطبية اللازمة وخاصة جهاز المعالجة الشعاعية الضروري لعلاج الكثير من الحالات.

 

حملة دعم للمرضى

قبل أشهر، أطلق ناشطون وإعلاميون وشخصيات مؤثّرة سورية حملة إنسانية بعنوان "أنقذوهم"، للمطالبة بتوفير المعدّات والعلاجات اللازمة لمرضى السرطان، الذين تُضاف إليهم يومياً ثلاث حالات جديدة، بمجموع يصل إلى 1100 حالة جديدة سنوياً، بحسب مصادر طبية في الشمال السوري.

وحالياً كثّف المشاركون بالحملة نشر المناشدات لحل مأساة مرضى السرطان تحت هاشتاغات "#أنقذوا_مرضى_السرطان"، و"#السرطان_لا_ينتظر".

وينشرون بشكل يومي عشرات الصور والمقاطع المصوّرة، التي توثّق أحوال المرضى ومعاناتهم، أو تطالب بإيجاد حلول لوضعهم، من بينها تسهيل إدخالهم إلى الأراضي التركية للعلاج، أو تكفّل منظمات إغاثية دولية بتأمين الأدوية ومتابعة حالتهم الصحية. 

 

وقالت منظمة "الدفاع المدني السوري" (الخوذ البيضاء) في بيان، إن أكثر من ثلاثة آلاف مريض سرطان في شمال غربي سوريا "يواجهون معاناة لا يمكن تصوّرها ويكافحون من أجل الحصول على الرعاية الصحية التي هم في أمسّ الحاجة إليها".

وأضافت: "تخوض هذه الأرواح الشجاعة معركتين في وقت واحد، السرطان وآثاره المدمّرة، وندرة موارد الرعاية الصحية بسبب حرب نظام الأسد وروسيا، وكارثة الزلزال المدمر".

وطالبت المنظمة بـ"اتخاذ إجراءات تضع حداً لمعاناتهم، وتأمين العلاج المناسب والأدوية والمرافق الصحية لهم بشكل عاجل ومستدام".

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".