صورة ملتقطة من مقابلة عماد الفتياني مع قناة أردنية، بخصوص ابنه المفقود في دمشق- يوتيوب
صورة ملتقطة من مقابلة عماد الفتياني مع قناة أردنية، بخصوص ابنه المفقود في دمشق- يوتيوب

في مفارقة لا تخلو من الغرابة، تكاد سوريا تخلو من سكانها بعد فرار نحو 8 ملايين شخص إلى خارج البلاد منذ عام 2011، وانتظار ملايين آخرين الفرصة المناسبة للهروب مما يسمونها "بلاد الجحيم"، بينما يأتي مواطنون عرب إلى مناطق في سوريا بغرض السياحة، ويتعرضون هناك إلى ما لا تُحمد عُقباه.

منذ أيام ظهر المواطن الأردني عماد إبراهيم الفتياني، في تسجيل مصوّر، يناشد فيه لمعرفة مصير ابنه الذي توجّه بغرض السياحة إلى العاصمة السورية دمشق، وانقطع تواصله مع أهله واختفت آثاره منذ نحو شهر. 

الفتياني، أوضح أن ابنه دخل إلى الأراضي السورية في 27 يونيو الماضي، برفقة صديق له من الضفة الغربية، وأرسل رسالة إلى والده يخبره فيها أنه يجلس في مطعم بمنطقة "السبع بحرات" وسط دمشق، ثم اختفى أثره بعد ذلك. 

توجّه الأب إلى القنصلية الأردنية في دمشق طلباً للمساعدة، وهناك أبلغه أحد الموظفين بعجزه عن تقديم أي مساعدة، ما دفعه إلى التوجّه لفرع الأمن الجنائي في دمشق، ومن هناك نصحوه بالذهاب إلى قصر العدل، لكتابة "استدعاء" حول قضية خطف.

يروي الفتيانب الذي يُغالب دموعه أنه سعى بين الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري طلباً للمساعدة، دون جدوى، فقفل عائداً إلى الأردن، وهناك طلب مقابلة وزير خارجية بلاده، وفشل بذلك.

 

سياحة وسط الجحيم

تكررت في الآونة الأخيرة حوادث اختطاف أو اختفاء سياح عرب في مناطق النظام السوري. فمنذ أيام قال صحافي سوري من أصول فلسطينية يُدعى محمود زغموت، إن سائحاً فلسطينياً قدم من الضفة الغربية إلى سوريا بغرض السياحة، مفقود، وقبل ذلك اختُطف سائحان أردنيان.

الخيط الذي يربط بين هذه الحوادث يبدو أوضح من ملابسات اختفاء هؤلاء السياح، وأوضحت وسائل إعلام سورية أن الاختطاف يحصل بغرض طلب الفدية، وأن الذين يقومون بتلك الممارسات أفراد مدعومون من الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري، على اعتبار أن الذي يأتي إلى سوريا بغرض السياحة المفروض أنه "مرتاح مادياً"، ويستطيع ذووه دفع فدية لإعادته إلى بلده. 

من جهته، حذر زغموت من "الانسياق وراء دعايات مواقع التواصل التي تروّج للسياحة في سوريا"، ونصح بعدم الذهاب إلى هناك بعبارة "لاتطلعوا على سوريا".

في مطلع العام الحالي كذلك اختُطف المواطن الأردني عبد الكريم قطيش الفاعوري (67 عاماً)، وتواصل خاطفوه مع عائلته وطالبوهم بدفع مبلغ 100 ألف دينار أردني (نحو 141 ألف دولار أميركي) مقابل الإفراج عنه، ثم أكدت عائلته إطلاق سراحه دون دفع أي فدية.

 

حملات ترويج مُنظّمة

الحوادث السابقة تؤكد أن محاولة الترويج للسياحة في سوريا من قبل بعض مشاهير اليوتيوب و"تك توك"، والتسهيلات التي قام بها النظام نفسه لزائري المناطق الخاضعة لسيطرته، كان آخرها "بطاقة زائر" الخاصة بالدفع المسبق لوقود السيارات، لم تستطع إخفاء الواقع الأمني المضطرب هناك.

ويقوم بعض السياح العرب بالذهاب لزيارة مناطق النظام لعدة أسباب، أبرزها انخفاض قيمة الليرة السورية ما يجعل من العملة التي يحملونها بمثابة "ثروة كبيرة".

"لا يوجد شيء عفوي لدى النظام السوري"، بهذه العبارة يختصر الكاتب والسياسي السوري حافظ قرقوط واقع حملات الترويج للسياحة في سوريا، ويرى أنها حملات "مُنظّمة يديرها مسؤولون أمنيون لعدة غايات، منها توجيه رسائل للرأي العام العربي والدولي بأن سوريا باتت آمنة".

يُضيف لـ"ارفع صوتك": "ثمة مسؤولين أمنيين في دوائر النظام السوري انتقلوا إلى مرحلة الاستثمار بقطاعات السياحة من مطاعم وفنادق ومنشآت، كنوع من وارد مالي جديد يضاف إلى عمليات النهب والابتزاز والسرقة التي يمارسونها على السوريين". 

ويرى قرقوط أن النظام السوري "نجح في توظيف واستثمار عدد من المؤثرين على مواقع التواصل للترويج للسياحة في مناطقه"، مستدركاً "هو في الحقيقة ليس ترويجاً للسياحة بمعناها الوطني، إنما ترويج للنظام السوري ورسائله السياسية".

وقبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا ربيع عام 2011، كانت عوائد السياحة تسهم بحوالي 13% في الناتج المحلي للبلاد، وكان متوسط عدد السياح سنوياً يبلغ قرابة خمسة ملايين.

ووفق تقديرات حكومية، بلغت خسائر القطاع السياحي إلى نحو 330 مليار ليرة سورية حتى عام 2022، مع ترجيحات بعدم دخول هذا القطاع مرحلة التعافي لعدة أسباب يأتي على رأسها الوضع الأمني المضطرب في البلاد، وعدم وجود بنية تحتية تلائم غرض السياحة، حيث تعاني مناطق النظام السوري من أزمات حادة في الكهرباء وجودة الطرق والفنادق السياحية وتأمين خدمات الرفاهية.

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".