في مفارقة لا تخلو من الغرابة، تكاد سوريا تخلو من سكانها بعد فرار نحو 8 ملايين شخص إلى خارج البلاد منذ عام 2011، وانتظار ملايين آخرين الفرصة المناسبة للهروب مما يسمونها "بلاد الجحيم"، بينما يأتي مواطنون عرب إلى مناطق في سوريا بغرض السياحة، ويتعرضون هناك إلى ما لا تُحمد عُقباه.
منذ أيام ظهر المواطن الأردني عماد إبراهيم الفتياني، في تسجيل مصوّر، يناشد فيه لمعرفة مصير ابنه الذي توجّه بغرض السياحة إلى العاصمة السورية دمشق، وانقطع تواصله مع أهله واختفت آثاره منذ نحو شهر.
الفتياني، أوضح أن ابنه دخل إلى الأراضي السورية في 27 يونيو الماضي، برفقة صديق له من الضفة الغربية، وأرسل رسالة إلى والده يخبره فيها أنه يجلس في مطعم بمنطقة "السبع بحرات" وسط دمشق، ثم اختفى أثره بعد ذلك.
توجّه الأب إلى القنصلية الأردنية في دمشق طلباً للمساعدة، وهناك أبلغه أحد الموظفين بعجزه عن تقديم أي مساعدة، ما دفعه إلى التوجّه لفرع الأمن الجنائي في دمشق، ومن هناك نصحوه بالذهاب إلى قصر العدل، لكتابة "استدعاء" حول قضية خطف.
يروي الفتيانب الذي يُغالب دموعه أنه سعى بين الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري طلباً للمساعدة، دون جدوى، فقفل عائداً إلى الأردن، وهناك طلب مقابلة وزير خارجية بلاده، وفشل بذلك.
سياحة وسط الجحيم
تكررت في الآونة الأخيرة حوادث اختطاف أو اختفاء سياح عرب في مناطق النظام السوري. فمنذ أيام قال صحافي سوري من أصول فلسطينية يُدعى محمود زغموت، إن سائحاً فلسطينياً قدم من الضفة الغربية إلى سوريا بغرض السياحة، مفقود، وقبل ذلك اختُطف سائحان أردنيان.
الخيط الذي يربط بين هذه الحوادث يبدو أوضح من ملابسات اختفاء هؤلاء السياح، وأوضحت وسائل إعلام سورية أن الاختطاف يحصل بغرض طلب الفدية، وأن الذين يقومون بتلك الممارسات أفراد مدعومون من الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري، على اعتبار أن الذي يأتي إلى سوريا بغرض السياحة المفروض أنه "مرتاح مادياً"، ويستطيع ذووه دفع فدية لإعادته إلى بلده.
من جهته، حذر زغموت من "الانسياق وراء دعايات مواقع التواصل التي تروّج للسياحة في سوريا"، ونصح بعدم الذهاب إلى هناك بعبارة "لاتطلعوا على سوريا".
في مطلع العام الحالي كذلك اختُطف المواطن الأردني عبد الكريم قطيش الفاعوري (67 عاماً)، وتواصل خاطفوه مع عائلته وطالبوهم بدفع مبلغ 100 ألف دينار أردني (نحو 141 ألف دولار أميركي) مقابل الإفراج عنه، ثم أكدت عائلته إطلاق سراحه دون دفع أي فدية.
حملات ترويج مُنظّمة
الحوادث السابقة تؤكد أن محاولة الترويج للسياحة في سوريا من قبل بعض مشاهير اليوتيوب و"تك توك"، والتسهيلات التي قام بها النظام نفسه لزائري المناطق الخاضعة لسيطرته، كان آخرها "بطاقة زائر" الخاصة بالدفع المسبق لوقود السيارات، لم تستطع إخفاء الواقع الأمني المضطرب هناك.
ويقوم بعض السياح العرب بالذهاب لزيارة مناطق النظام لعدة أسباب، أبرزها انخفاض قيمة الليرة السورية ما يجعل من العملة التي يحملونها بمثابة "ثروة كبيرة".
"لا يوجد شيء عفوي لدى النظام السوري"، بهذه العبارة يختصر الكاتب والسياسي السوري حافظ قرقوط واقع حملات الترويج للسياحة في سوريا، ويرى أنها حملات "مُنظّمة يديرها مسؤولون أمنيون لعدة غايات، منها توجيه رسائل للرأي العام العربي والدولي بأن سوريا باتت آمنة".
يُضيف لـ"ارفع صوتك": "ثمة مسؤولين أمنيين في دوائر النظام السوري انتقلوا إلى مرحلة الاستثمار بقطاعات السياحة من مطاعم وفنادق ومنشآت، كنوع من وارد مالي جديد يضاف إلى عمليات النهب والابتزاز والسرقة التي يمارسونها على السوريين".
ويرى قرقوط أن النظام السوري "نجح في توظيف واستثمار عدد من المؤثرين على مواقع التواصل للترويج للسياحة في مناطقه"، مستدركاً "هو في الحقيقة ليس ترويجاً للسياحة بمعناها الوطني، إنما ترويج للنظام السوري ورسائله السياسية".
وقبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا ربيع عام 2011، كانت عوائد السياحة تسهم بحوالي 13% في الناتج المحلي للبلاد، وكان متوسط عدد السياح سنوياً يبلغ قرابة خمسة ملايين.
ووفق تقديرات حكومية، بلغت خسائر القطاع السياحي إلى نحو 330 مليار ليرة سورية حتى عام 2022، مع ترجيحات بعدم دخول هذا القطاع مرحلة التعافي لعدة أسباب يأتي على رأسها الوضع الأمني المضطرب في البلاد، وعدم وجود بنية تحتية تلائم غرض السياحة، حيث تعاني مناطق النظام السوري من أزمات حادة في الكهرباء وجودة الطرق والفنادق السياحية وتأمين خدمات الرفاهية.