صورة تعبيرية لمسلحين أكراد في سوريا- ا ف ب
صورة تعبيرية لمسلحين أكراد في سوريا- ا ف ب

في أوائل يوليو الحالي، نشر مركز "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، تقريراً يوثق تجنيد ما لا يقل عن 32 طفلاً وطفلة خلال النصف الأول من العام الجاري 2023، وتورطت حركة "الشبيبة الثورية" بمعظم تلك الحالات، فيما يبدو أنّ "وحدات حماية المرأة" كانت مسؤولة عن تجنيد إحدى القاصرات على الأقل.

بحسب التقرير: "تنقسم الحالات إلى 13 فتاة دون سنّ الثامنة عشر، و19 فتى. متوزعة مناطقياً ، بواقع 10 حالات في مدينة القامشلي، و5 في كوباني، و4 في منبج و5 في الرقة و3 في الحسكة و5 في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب".

يقول المدير التنفيذي لـ"سوريون"، بسام الأحمد: "يجب متابعة قوات الإدارة الذاتية للانتهاكات التي تحصل من قبل حركة الشبيبة الثورية، خاصة أنها مرخصة لديها بشكل رسمي، وبالأخص عمليات تجنيد القاصرين والقاصرات".

ويؤكد في حديثه مع "ارفع صوتك": "يجب ألا تتغاضى قوات الإدارة الذاتية عن هذه الانتهاكات، وأن تخضع للالتزامات التي وقعت عليها مع الأمم المتحدة كقوات سوريا الديمقراطية أو أي أطراف أخرى، أو أن يحاسبوا الناس التي تقوم بهذه الانتهاكات، وإذا لم تقم الإدارة بذلك فهي متواطئة أيضا".

ويشير الأحمد، إلى "وجود تواصل وتنسيق بين قوات الإدارة الذاتية متمثلة بقوات سوريا الديمقراطية، مع الأمم المتحدة، ليكون هناك حماية للأطفال ومنع تجنيدهم، ما أدى لنتائج ملموسة بشكل بطيء على المدى المنظور، وأصبح هناك عدد أقل من الأطفال المجندين".

يستدرك القول "الظاهرة لم تنته، إذ تزايدت مؤخراً لدى حركة الشبيبة الثورية".

وجاء في تقرير المركز الحقوقي: "على العكس من تعهداتها العلنية، لم تقم الإدارة الذاتية أو الأجهزة التابعة لها بمحاولة الحدّ من أعمال الحركة أو حظر نشاطها المكشوف، أو إغلاق مكاتبها ومقراتها المعروفة في مختلف مناطق نفوذها، بل على العكس، يبدو أنّ جهاز الأسايش تورط بـ(21) حالة تجنيد أطفال، بحسب تقرير الأمين العام المعنون (الأطفال والنزاع المسلّح)، الصادر في نهاية شهر حزيران (يونيو) 2023".

وعلى الرغم من تعهد "قسد" والإدارة الذاتية بوقف عمليات التجنيد وإعادة الأطفال المجندين إلى أهاليهم، "لم يكن العمل على معالجة الانتهاكات التي تقوم بها "الشبيبة الثورية"، أو ملاحقة مرتكبيها جاداً، بل على النقيض من ذلك، دأب عدد من المؤسسات الأمنية التابعة للإدارة الذاتية على رفض تسجيل شكاوى لذوي الأطفال المجندين"، وفق التقرير.

"ليس خطفاً" ولكن..

على الرغم من عمليات التجنيد، هناك أطفال لديهم رغبة بالانضمام للحركة بشكل مباشر، بحسب الأحمد، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "أحياناً تكون الأسباب أيديولوجية أو مادية، أو يتعرضون لضغط في الأسرة والتعليم... هناك الكثير من الأسباب لدى الأطفال للانضمام للحركة".

ويقول إن "الشبيبة الثورية لا تقوم بالخطف من الشوارع بشكل مباشر، إنما تعمل على سياسة الترغيب والإقناع، من خلال التمهيد وتقديم أنشطة معينة وغسيل المخ".

يشرح الأحمد: "الأهل يقولون هناك خطف لأن الطفل عمره تحت 18 عاما، وهو قاصر وغير قادر على اتخاذ قراره. لكننا لم نصادف حالة لخطف لطفل وهو يمشي في الشارع".

وبالنسبة للفتيات، يقول الأحمد: "يتم التركيز على الفتيات الصغيرات في السن، إذ لا يوجد مانع اجتماعي بشكل عام، ويتم غسيل أدمغتهن بشكل أيديولوجي وإقناعهن بأشياء معينة، إذ أنه في شمال غرب سوريا لا يوجد فتيات تحارب، أما في الشمال الشرقي فهذا عادي جدا، ويمكن أن يكون هناك ضغوط اجتماعية على الفتيات".

بشكل عام "يتم فرز معظم الأطفال ولا يعودون إلى أهاليهم إلا في حالات ضغط، وعندما يصبح الطفل جزءاً من المنظومة والحركة، يصبح من المستحيل العودة"، وفق الأحمد.

ويتابع: "هناك ضغط من الأهالي على شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام، قد يعود بعض أبنائهم وآخر لا يعود. وقد يتم فرزهم في أماكن أخرى، أو يبقون مع الحركة".

ويشدد الأحمد على أن "الظاهرة خطيرة جدا ويجب الوقوف عليها، لأن موضوع تجنيد الأطفال موجود في معظم المناطق السورية، بالأخص شمال شرق البلاد".

وتُعرف الحركة باللغة الكردية بـ "جوانن شورشكر- Ciwanên Şoreşger"، وهي مجموعة تتألف من شبان وشابات في معظمهم قاصرون، ولا يتبعون بشكل مباشر لقوات الإدارة الذاتية، إنما يتبعون لقيادات وكوادر عسكرية خاصة بهم.

وبحسب مركز "جسور" للدراسات، فإن "الشبيبة الثورية" تنظيم مرتبط بشكل مباشر مع حزب العمال الكردستاني، ومتّهم بشكل رئيس في التورّط في عمليات تجنيد الأطفال في صفوف الحزب وأذرعه العسكريّة من خلال معسكرات وفعّاليّات تدريبيّة عسكريّة وأيديولوجيّة، بالإضافة لانتهاكات حقوقية أخرى، تتمثل في قمع ومواجهة المظاهرات والناشطين المناهضين للإدارة الذاتيّة، والاعتداء المتكرّر على مكاتب وأعضاء "المجلس الوطني الكردي" والفعاليّات التي ينظمها داخل مناطق سيطرة "قسد". 

مواضيع ذات صلة:

تعبيرية

يُعد مشروب المتّة الأرجنتينية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للكثير من السوريين، حيث لا تخلو الجلسات العائلية من هذا المشروب الذي صار تقليديا وشعبياً، تميزه طقوس وأساليب خاصة لتحضيره وتقديمه.

وانتشر هذا المشروب منذ عقود في سوريا، خاصة المحافظات الساحلية ومحافظة السويداء، حتى أصبح منافسًا قويًا للشاي والقهوة، ويتفوق عليهما في الكثير من الأحيان. 

ويَعتبر عشاق المتّة في سوريا أنها جزء من التراث والثقافة الاجتماعية، وترمز إلى الترحيب والكرم وتجمع الناس في الأوقات الجيدة والعصيبة.

وإن زرت في زيارة إلى أحد منازل مدن السويداء، أو طرطوس، أو بانياس، أو اللاذقية، ستجد أصحاب المنزل يقدمون لك  المتة تلقائياً. 

تقول منى مرعي (51 عاما) من السويداء، إن مشروب المتة "علامة على الترحيب بالضيف والسعادة باستقباله، والقيام بواجب تكريمه، والرغبة ببقائه لوقت أطول". 

تاريخها في سوريا

انتقلت المتة إلى سوريا من موطنها الأصلي في أميركا الجنوبية على يد المهاجرين السوريين الذين قصدوا تلك البلاد في القرن التاسع عشر بحثاً عن فرص حياة أفضل خلال الحرب العالمية الثانية وما تلاها من أزمات اقتصادية. 

وبمجرد استقرارهم هناك، بدأوا في التأقلم مع العادات والتقاليد المحلية، كان من بينها تناول من مشروب المتة، الذي صار جزءا من حياتهم اليومية. 

بعد سنوات الهجرة، عاد الكثير من السوريين إلى وطنهم الأم خلال ستينيات القرن الماضي، وحينها جلبوا معهم المتة، التي انتشرت رويداً رويداً ولاقت استحسانا كبيرا لدى السوريين، وأُعجب الناس بطعمها فكثر الطلب عليها. 

وبعد الأزمة السورية واللجوء، نقل السوريون هذا المشروب إلى بلدان أوروبا والعالم، حيث أصبحت المتة تُعرض على رفوف المتاجر، وتباع في أسواق أوروبا وتركيا وأمريكا وبعض الدول العربية. 

يقول المهندس ماجد عكاش من مدينة حماة، إنه وفور وصوله إلى ألمانيا افتقد المتة بشكل كبير وكان دائم البحث عنها في أولى سنوات اللجوء ولكن دون جدوى. اختلف الوضع الآن حيث صارت تُباع في الكثير من المتاجر.

يضيف لـ"ارفع صوتك": "أعتبر المتة جزءا من هويتي السورية، فهي تذكرني بالأوقات الجميلة مع الأصدقاء والعائلة، وتربطني بالوطن، وسعيد جدا لأن السوريين حملوها معهم إلى أوروبا، كما حملها أجدادنا من أميركا الجنوبية إلى سوريا". 

يُعتبر شراب المتة مفضلاً لدى شريحة كبيرة من السوريين، ويتم تحضيره بطريقة خاصة، إذ تُنقع أوراق المتة في الماء البارد لدقيقة أو اثنتين، ثم يُضاف إليها الماء الساخن. 

وتُشرب المتّة في قرعة مخصصة لذلك، والقرعة كأس خاصة مصنوعة من الخشب في الأساس، ولاحقا أصبحت تُصنع من الزجاج والبورسلان، و"البومبيجة" التي يتم الشرب فيها، وهي مصاصة معدنية. 

تتنوع طرق شرب المتة بحسب المناطق في سوريا، ففي  السويداء والقلمون يتم تداول قرعة المتة بعد تعقيمها بالماء الساخن والليمون بين مجموعة من الأشخاص، بينما في كطرطوس واللاذقية وحلب يشرب كل فرد بقرعة مخصصة له. 

يقول ماهر إسماعيل من السويداء، إن المتة من المشروبات الأشهر شعبياً، وفي محافظته "يمكن أن ترى المتة في كل بيت تقريبا، حتى أنها تدخل ضمن جهاز العروس". 

عن طريقة الشرب، يشرح ماهر لـ"ارفع صوتك": "الكثير يتناولونها دون أية إضافات، ولكن يمكن إضافة الهيل لها أو الزنجبيل أو العقدة الصفراء، والبعض يشربها بالحليب بدلا من الماء الساخن، والبعض يفضل إضافة السكر فقط مع الماء". 

هل لها طقس معين في السويداء؟ يقول ماهر "يجلس الحاضرون في حلقة، ويتم تداور جوزة أو قرعة المتة بين الحاضرين بالدور الذي يبدأ من الطرف الأيمن". 

من الأولويات 

خلال السنوات السابقة شهدت المتة ارتفاعا كبيرا في سعرها، كما فُقدت لفترات من الأسواق السورية، وعند عودتها اصطف الناس في طوابير للحصول عليها، واتجهوا لتخزينها بكميات كبيرة كي لا ينقطعوا عن شربها. 

وفي عام ٢٠٢٣ وضعت وزارة التجارة التابعة لحكومة النظام السوري، المتة، على البطاقة الذكية.  

تقول منى  عليان (29 عاما) من مدينة طرطوس: "المتة رفيقتنا في اجتماعاتنا، وهي  مشروب اجتماعي بامتياز، ولازَمَتنا في سوريا ولم نتخلّ عنها رغم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، لأننا نعتبرها من الأولويات التي لا يمكن الاستغناء عنها".

"وحين انتشرت إشاعات عن إمكانية انقطاعها، أصيب بعض الناس بالهلع، واصطفت عائلات بأكملها للحصول على حصتها من المتة"، تضيف منى لـ"ارفع صوتك".

سحر، عاملة في مؤسسة "مياه حلب"، تؤكد لنا "لا أستطيع بدء يومي دون كأس من المتّة، أعددت عدة خاصة للعمل وأخرى للمنزل. وهي تمدني بالنشاط والحيوية". 

من جانبه، يقول علي حيدر، وهو بائع لشركة توزيع المتة في اللاذقية، إن الإقبال على المتة كبير جدًا "فالناس يحبونها ويستهلكونها يوميا، ما يجعل الطلب عليها مستمرا على مدار العام، أما الأصناف الأكثر رواجاً فهي متة الخارطة وبيبوري التي تستورد من الأرجنتين وتُعبأ في معمل يبرود في ريف دمشق، ويفضلها الناس بسبب طعمها الثقيل وسعرها المناسب".  

ما فوائدها؟

يُستخلص مشروب المتة من أوراق نبات ليربا ماتي، وهو نبات مشهور في الأرجنتين والأوروغواي والبرازيل وباراغواي، ويمتاز بطعمه الفريد وخصائصه المنشطة.

يقول طبيب الأعشاب سامر كرامة إن المتّة "من مشروبات الطاقة والتنبيه، وتحتوي على مضادات الأكسدة والكافايين الطبيعي، وتساعد على تعزيز التركيز، كما تحتوي على الفيتامينات والمعادن المفيدة لصحة القلب والجهاز الهضمي". 

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن "مشروب المتّة يفيد في خسارة الوزن، وإذابة دهون البطن، وخفض نسبة السكر في الدم. كما أنه مدر للبول، ومليّن للمعدة والأمعاء، ويساهم في علاج عسر الهضم، والتخفيف من حدة الصداع". 

بسبب الشعبية الكبيرة لمشروب المتة، أصبحت سوريا واحدة من أكبر مستوردي المتة في العالم، حيث تستوردها بكميات كبيرة سنويًا من الأرجنتين لتلبية الطلب المحلي المتزايد.

ووفق بيانات  المعهد الوطني لليرباماتي (INYM) الأرجنتيني، فإن سوريا تعتبر من أكبر مستهلكي المتة في الشرق الأوسط. في عام 2018 حققت الصادرات  نسبة قياسية مع تصدير 43 مليون كيلوغرام من المتة. 

وقال المعهد إنه من المثير للدهشة أن أحد الأسباب الرئيسية لزيادة الصادرات الأرجنتينية هو سوريا، وهي أكبر مستورد أجنبي للمتّة في العالم. 

وأظهرت البيانات أن دول الشرق الأوسط مثل سوريا ولبنان تمثل في المجمل 75 بالمئة من صادرات ليربا ماتي الأرجنتينية، تليهما جمهورية التشيلي التي تعتبر ثاني أكبر وجهة تصدير.