هيئة تحرير الشام
صورة أرشيفية لأحد مسلحي هيئة تحرير الشام

أخذت الخلافات بين "هيئة تحرير الشام" التي تفرض سيطرتها على محافظة إدلب منذ سنوات وبين معارضيها، منعطفاً جديداً، بظهور مجموعة مسلحة جديدة تطلق على نفسها "سرايا درع الثورة".

وفي بيان تأسيس "السرايا"، توعدت بالعمل على  تصفية قيادات ومنتسبي "هيئة تحرير الشام". ويأتي ظهورها في سياق ملتهب طَبَعته احتجاجات أغلبها نسائية تطالب بإطلاق سراح المعتقلين في سجون الهيئة.

 

"سرايا درع الثورة"

في منتصف يونيو الماضي، انتشر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يُظهر مجموعةً من المسلحين الملثمين، تعلن تشكيل "سرايا درع الثورة".

طالبت المجموعة في خطاب تلاه أحد عناصرها، قيادة "هيئة تحرير الشام" بـ"إطلاق سراح جميع المعتقلين والحرائر، على رأسهم وجهاء المناطق وأعيانها"، مهدداً "وإلا ستكون جميع مصالحهم هدفا مشروعا لنا متضمنة جميع المنتسبين لها".

وأضاف "نقسم بالله العظيم، أننا سنرّد إدلب إلى حضن الثورة السورية، بعد أن سرقها مجاهيل النسب"، ممهلةً قيادة الهيئة ثلاثة أيام لتنفيذ مطالبها.

وفي 30 من الشهر نفسه، شنت "السرايا" هجومها الأول مستهدفة ما قالت إنه مقر أمني تابع للهيئة في منطقة حزرة، أسفر عن مقتل ستة أمنيين، بحسب بيان صادر عن المجموعة. 

وفي منتصف يوليو الجاري، نصبت المجموعة حاجزاً وهمياً على الطريق الرابط بين إدلب ومعبر باب الهوى الحدودي مع تركيا، وتمكنت من توقيف سيارة يستقلها أبو صهيب سرمدا أحد المسؤولين في "جهاز الأمن العام" التابع للهيئة.

وبعد استنطاق دام بضعة دقائق نفذت المجموعة إعداما ميدانيا بحقه، وتحفظت على أغراضه الشخصية.

ونُشر مقطع فيديو لهذه الواقعة، يحوي مناشدات سرمدا الأخيرة وتوسله للخاطفين قبل أن يتم قتله بوابل من الرصاص.

تواصل الظهور العلني لـ"السرايا" في إدلب، حيث نصبت حاجزا وهميا آخر على طريق "M4"، وشرعت في فحص هويات العابرين بحثاً عن منتسبين للهيئة. كما هاجمت مقرا أمنياً تابعاً لها في معرة مصرين، أسفر عن مقتل قيادي أمني يدعى أبو سعد المغربي، وفق بيان مقتضب لها.

التطور الأبرز، عندما أسفر حادث أمني تضاربت الأنباء حول ملابساته عن إصابة نجلي أبو جابر الشيخ، الزعيم السابق لهيئة تحرير الشام أحدهما فارق الحياة. 

الصفحات المقربة من "سرايا درع الثورة"، تقول إن الحادث حصل عندما اشتبكت سيارة عسكرية تابعة للهيئة عن طريق الخطأ مع حاجز أمني تابع للهيئة أيضا، بعدما ظنوا أن الحاجز يتبع "السرايا"، وهي الرواية التي نفتها صفحات موالية لهيئة تحرير الشام، دون أن تعطي تفسيرا لما حدث.

وظهر أبو جابر الشيخ إلى جانب جثمان ابنه، وخلال مراسم دفنه.

 

استنفار الهيئة

شددت "هيئة تحرير الشام" قبضتها الأمنية على مدينة إدلب والمناطق المتاخمة لها، سعياً منها للوصول إلى طرف خيط يقودها إلى عناصر سرايا درع الثورة.

وقد رصد ناشطون إقامة الهيئة حواجز طيارة (مؤقتة) في عدد من طرق ومحاور إدلب، ضمن استنفارها الأمني، وقامت بتثبيت حواجز أخرى في 8 محاور مختلفة حسب بلاغ للإدارة العامة للحواجز.

في ذات السياق توعد عبد الرحمن الإدريسي، القيادي في "هيئة تحرير الشام"، بـ"استئصال سرايا درع الثورة"، واعتبرها "آخر مسمار في نعش الخوارج والمداخلة في الشام".

وقال الإدريسي "بإذن الله هذه المرة الاقتلاع سيكون من جذور الجذور وكل من أيدهم بكلمة واحدة". 

من جانبه، نعى أبو ماريا القحطاني، القائد البارز في الهيئة، المسؤول الأمني الذي أعدمته "السرايا"،  ووصفه بأنه " قشعم من قشاعمنا الذين مرغوا أنوف الخوارج وطاردوا فلولهم في كل مكان"، متوعداً بأن "يكون مصير درع الثورة كمصير الدواعش (تنظيم داعش) الذين حاولوا اجتياح المدينة وباءت محاولاتهم بالفشل".

في تطور آخر، أقدم مسلحون في وقت متزامن على خطف كل من المحامي عصام الخطيب وأبي شعيب المصري، أثناء خروجهما من أداء صلاة الجمعة ،في مدينة إعزاز بريف حلب الشمالي، الأسبوع الماضي.

المخطوفان كانا عضوين سابقين في "هيئة تحرير الشام"، لكنهما انشقا عنها لاحقا، وركزا نشاطهما كله في الهجوم عليها وانتقاد قياداتها.

اتهم ناشطون وقادة في مدينة إعزاز، "هيئة تحرير الشام" بالوقوف وراء اختطاف الخطيب والمصري، وقال أبو العلاء الشامي مدير إحدى الصفحات المقربة من المخطوفين، إنه تلقى اتصالا من مسؤولين في الهيئة أشعراه أن "أبا شعيب المصري وعصام الخطيب تم خطفهما واعتقالهما من قبل الجهاز الأمني التابع للجولاني".

وأكدت صفحة "مزمجر الثورة السورية" أن المختطفين حالياً "في سجن سرمدا التابع للهيئة في محافظة إدلب"، أما صفحة "إدلب بوست"، فأكدت أن "الاختطاف تم بأوامر تركية، والمختطفين مطلوبون لتركيا نتيجة اعترافات أدلى بها صديقهما أبو العبد أشداء، المعتقل في تركيا الشهر الماضي وهو في طريقه إلى السعودية لأداء مناسك الحج".

يصدر المخطوفان بمعية آخرين مجلة دورية معارضة لسياسات الهيئة، كما دأب أبو شعيب المصري على نشر فتاوى تحرّم الانضمام إليها، آخرها فتوى تتهم "جهاز الأمن العام التابع للهيئة بالتخابر مع التحالف الدولي". 

 

احتقان مستمر

لليوم الثمانين على التوالي، وثقت قنوات وصفحات محلية على مواقع التواصل الاجتماعي وقفات احتجاجية لمجموعة من النساء في مناطق متفرقة من إدلب وأرياف حلب يطالبن بإطلاق سراح أقاربهن المعتقلين في سجون الجهاز الأمني لهيئة تحرير الشام.

ورفعت النسوة شعارات ولافتات منددة بسياسات ما وصفنه بـ"كذاب الشام" في إشارة إلى المدعو "أبو محمد الجولاني".

يقول الإعلام الرديف للهيئة، إن من يقف خلف الاحتجاجات المستمرة "حزب التحرير الإسلامي"، وكل المعتقلين لديها "لهم علاقة بداعش والقاعدة و خلايا النظام".

وصرح ضياء العمر، الناطق الرسمي باسم جهاز الأمن العام، أن  "حزب التحرير عدو الثورة ويختبئ خلف النساء".

وتمثل نشاطات "حزب التحرير" إلى جانب ظهور مجموعة "درع الثورة"، أحدث تحدٍ لسلطة "هيئة تحرير الشام"، التي تفرض سيطرتها على إدلب وتشرف أيضاً على حكومة موازية في المدينة، بعد أن تمكنت في السنوات الماضية من تفكيك جماعات منافسة أهمها "جند الأقصى" و"حراس الدين" وحركة "نور الدين زنكي" وغيرها.

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".