طفلة سورية تبيع بقوليات ومواد غذائية أخرى في أحد أسواق دير الزور- تعبيرية
طفلة سورية تبيع بقوليات ومواد غذائية أخرى في أحد أسواق دير الزور- تعبيرية

أثرت الأزمة الاقتصادية على هدايا الأفراح والأعياد والمناسبات في سوريا، وتغيرت الكثير من العادات الاجتماعية المرتبطة بالتهنئة وأساليب الإهداء، لتحل الهدايا الاستهلاكية والغذائية محل التقليدية، مثل القهوة والشاي والمتة والزيت .

وأصبحت الملابس والمجوهرات والإكسسوارات والأدوات المنزلية من الهدايا باهظة الثمن، وتمثل تحديًا بالنسبة للكثير من السوريين، ولا تناسب أوضاعهم المادية والمعيشية.

تقول رجاء ديوب (50 عاماً)، المقيمة في حي ساروجة بالعاصمة السورية دمشق: "مع صدور نتائج امتحانات الثانوية العامة واجهنا مشكلة تقديم الهدايا بسبب ارتفاع تكاليفها، فالكثير من الأقارب والجيران من الناجحين، وسبق لهم أن أهدونا بمناسبة نجاح أبنائي مبالغ نقدية ووروداً وملابس".

"لكن اليوم، لا أستطيع رد الهدية، لذا قررت وزوجي إهداء مواد استهلاكية مثل زيت للقلي، ومنظفات وأدوات العناية الشخصية ودجاجاً"،  تضيفرجاء لـ"ارفع صوتك".

ومن حرستا في ريف دمشق، تبيّن علياء الصالح: "كنت أتمنى لو يتم إهداؤنا مروحة في هذا الجو الحار بمناسبة نجاح أختي، لكنها تلقت هدايا من الأقارب والجيران عبارة عن مرطبان شوكولاتة، وبسكويت وفواكه، وهي هدايا أفرحتها جدا، إذ تبقى الهدية على بساطتها أفضل من لا شيء".

بالنسبة لهند ديوب، فإن الهدايا البسيطة تعني أن الناس "اختارت الإبقاء على العلاقات الاجتماعية، بدلاً من إلغاء التواصل بسبب الغلاء".

 

"شيبس وشامبو"

تقول المدرّسة سمر الشامي (47 عاما)، لـ"ارفع صوتك"، إن مشهدية الاحتفالات "تغيرت" بسبب انعكاس الأزمة الاقتصادية على العادات الاجتماعية.

وتشير إلى أن "تقديم الهدايا من ساعات ومجوهرات ودعوات إلى المطاعم وغيرها، أصبح عادة قديمة، فسعرها يفوق الراتب الشهري للموظف".

"كما اختفت هذه الأفكار أو تكاد تختفي، وأصبح الناس يبحثون عن طريقة ولو رمزية للهدية، حتى أن البعض يكتفي بالاتصال الهاتفي للتهنئة، أو تقديم هدايا استهلاكية تعتبر حلاً جيدا للمتلقي ولمقدم الهدية على السواء"، تتابع سمر.

وممن تلقى الهدايا،  الطالبة غنى سلمان (19 عاما)، التي نجحت مؤخرا في امتحانات الثانوية العامة، تقول لـ"ارفع صوتك":  "بالطبع لم أكن أتوقع هدايا ثمينة، لأن أوضاع الناس سيئة جداً كما هو معروف للجميع، وما تلقيته جميل وأسعدني، وهو عبارة عن أكياس شيبس من النوع المفضل لدي،  وشامبو وقهوة".

ميس اليوسف (39 عاما)، اتبعت أسلوب الهدايا الاستهلاكية أيضاً في الهدايا، تقول: "نفكر في إهداء الناجحين أشياء تفيدهم وتخفف عن كاهل أهلهم، فنبحث عمّا يحتاجه الشخص ويفيده دون أن يشكل إرهاقا مالياً لنا، فإذا كان من الأقارب نقدم له مبلغا من المال مهما كان بسيطا، أو نستبدله بعلبة بن أو متة أو سكر".

وتتابع في حديثها مع "ارفع صوتك": "تلقيت بمناسبة نجاح ابني من أحد الأقارب كيساً يحتوي على مسحوق تنظيف الغسيل، وبعض علب المتة من قريبة أخرى، وأنا نفسي أهديت آخرين أكياس محارم ورقية، ومنظفاً للجلي وبعض أصناف البهارات". 

 

وهدايا المغتربين أيضاً

عملت سمية الدبس كمسؤولة عن إدارة بعض صفحات الهدايا في مواقع التواصل الاجتماعي، التي تتكفل بتقديم وتوصيل الهدايا في سوريا. تقول لـ:"ارفع صوتك"، إن أكثر الطلبات كانت تأتي من المغتربين، وهناك "ندرة" على الطلب من داخل سوريا.

وتؤكد أن "المغتربين أيضاً تأثروا وتغيرت هداياهم لأقاربهم"، مردفةً "أحيانا نتلقى طلبات لإرسال منتجات غذائية، أو طبخة معينة، أو أكياس القهوة وعلب المتة أو وجبات، أو مكملات غذائية أو دواء، بالإضافة إلى الخضار والفواكه والمنظفات".

"كذلك يرسل المغتربون هدايا قيمة كالشوكولاتة والمبالغ النقدية والورود والحلوى، كما يُطلب منا دمج منتج استهلاكي بالورود والشوكولاتة أيضا"، تتابع سمية.

في السياق نفسه، تعتبر الباحثة الاجتماعية إيفا عطفة، أن "ظاهرة تقديم الهدايا الغذائية والاستهلاكية في سوريا، نوع من أنواع الدعم الاجتماعي والاقتصادي بين الناس".

ورغم أن الاعتماد على المنتجات الغذائية والاستهلاكية في الهدايا كان موجودا في سوريا من قبل، لكنه حاليا "أكثر انتشارا"، بحسب عطفة، مضيفةً "أصبحت معظم هدايا النجاح وهدايا الزيارات للاطمئنان عن مريض مثلا، متعلقة باحتياجات البيت من متة ورز وسكر، وشاي، وبقوليات، وسواها".

وتقول الباحثة لـ"ارفع صوتك": "أصبحت الكثير من العائلات في حاجة دائمة، وتغيرت أولوياتها. وأصبحنا حين نقدم الهدايا، نختار الأولويات، أي أن نغطي النقص الذي يعيشه هذا الشخص (المُهدى إليه)، فليس للجميع القدرة على شراء المنتجات الاستهلاكية، وهذا نوع من أنواع الدعم الاجتماعي لبعضنا البعض".

وتزيد عطفة، أن أسعار الهدايا "ارتفعت كثيرا، فإذا أردت شراء هدية ربما يكون سعرها أعلى بعدة أضعاف عن سعر المواد الغذائية التي ستقدم كهدية، وهكذا تكون الهدية أوفر لمقدمها، ويحتاجها متلقيها في الوقت ذاته".

وتلفت إلى قيام بعض الأشخاص بتقديم نفس القيمة المادية لما يرغبون بإهدائه، كأن يقدم بدل السكر والرز نفس القيمة المادية لهذا الشخص، فربما لديه هذا المنتج وينقصه منتجات أخرى.

مواضيع ذات صلة:

تعبيرية

يُعد مشروب المتّة الأرجنتينية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للكثير من السوريين، حيث لا تخلو الجلسات العائلية من هذا المشروب الذي صار تقليديا وشعبياً، تميزه طقوس وأساليب خاصة لتحضيره وتقديمه.

وانتشر هذا المشروب منذ عقود في سوريا، خاصة المحافظات الساحلية ومحافظة السويداء، حتى أصبح منافسًا قويًا للشاي والقهوة، ويتفوق عليهما في الكثير من الأحيان. 

ويَعتبر عشاق المتّة في سوريا أنها جزء من التراث والثقافة الاجتماعية، وترمز إلى الترحيب والكرم وتجمع الناس في الأوقات الجيدة والعصيبة.

وإن زرت في زيارة إلى أحد منازل مدن السويداء، أو طرطوس، أو بانياس، أو اللاذقية، ستجد أصحاب المنزل يقدمون لك  المتة تلقائياً. 

تقول منى مرعي (51 عاما) من السويداء، إن مشروب المتة "علامة على الترحيب بالضيف والسعادة باستقباله، والقيام بواجب تكريمه، والرغبة ببقائه لوقت أطول". 

تاريخها في سوريا

انتقلت المتة إلى سوريا من موطنها الأصلي في أميركا الجنوبية على يد المهاجرين السوريين الذين قصدوا تلك البلاد في القرن التاسع عشر بحثاً عن فرص حياة أفضل خلال الحرب العالمية الثانية وما تلاها من أزمات اقتصادية. 

وبمجرد استقرارهم هناك، بدأوا في التأقلم مع العادات والتقاليد المحلية، كان من بينها تناول من مشروب المتة، الذي صار جزءا من حياتهم اليومية. 

بعد سنوات الهجرة، عاد الكثير من السوريين إلى وطنهم الأم خلال ستينيات القرن الماضي، وحينها جلبوا معهم المتة، التي انتشرت رويداً رويداً ولاقت استحسانا كبيرا لدى السوريين، وأُعجب الناس بطعمها فكثر الطلب عليها. 

وبعد الأزمة السورية واللجوء، نقل السوريون هذا المشروب إلى بلدان أوروبا والعالم، حيث أصبحت المتة تُعرض على رفوف المتاجر، وتباع في أسواق أوروبا وتركيا وأمريكا وبعض الدول العربية. 

يقول المهندس ماجد عكاش من مدينة حماة، إنه وفور وصوله إلى ألمانيا افتقد المتة بشكل كبير وكان دائم البحث عنها في أولى سنوات اللجوء ولكن دون جدوى. اختلف الوضع الآن حيث صارت تُباع في الكثير من المتاجر.

يضيف لـ"ارفع صوتك": "أعتبر المتة جزءا من هويتي السورية، فهي تذكرني بالأوقات الجميلة مع الأصدقاء والعائلة، وتربطني بالوطن، وسعيد جدا لأن السوريين حملوها معهم إلى أوروبا، كما حملها أجدادنا من أميركا الجنوبية إلى سوريا". 

يُعتبر شراب المتة مفضلاً لدى شريحة كبيرة من السوريين، ويتم تحضيره بطريقة خاصة، إذ تُنقع أوراق المتة في الماء البارد لدقيقة أو اثنتين، ثم يُضاف إليها الماء الساخن. 

وتُشرب المتّة في قرعة مخصصة لذلك، والقرعة كأس خاصة مصنوعة من الخشب في الأساس، ولاحقا أصبحت تُصنع من الزجاج والبورسلان، و"البومبيجة" التي يتم الشرب فيها، وهي مصاصة معدنية. 

تتنوع طرق شرب المتة بحسب المناطق في سوريا، ففي  السويداء والقلمون يتم تداول قرعة المتة بعد تعقيمها بالماء الساخن والليمون بين مجموعة من الأشخاص، بينما في كطرطوس واللاذقية وحلب يشرب كل فرد بقرعة مخصصة له. 

يقول ماهر إسماعيل من السويداء، إن المتة من المشروبات الأشهر شعبياً، وفي محافظته "يمكن أن ترى المتة في كل بيت تقريبا، حتى أنها تدخل ضمن جهاز العروس". 

عن طريقة الشرب، يشرح ماهر لـ"ارفع صوتك": "الكثير يتناولونها دون أية إضافات، ولكن يمكن إضافة الهيل لها أو الزنجبيل أو العقدة الصفراء، والبعض يشربها بالحليب بدلا من الماء الساخن، والبعض يفضل إضافة السكر فقط مع الماء". 

هل لها طقس معين في السويداء؟ يقول ماهر "يجلس الحاضرون في حلقة، ويتم تداور جوزة أو قرعة المتة بين الحاضرين بالدور الذي يبدأ من الطرف الأيمن". 

من الأولويات 

خلال السنوات السابقة شهدت المتة ارتفاعا كبيرا في سعرها، كما فُقدت لفترات من الأسواق السورية، وعند عودتها اصطف الناس في طوابير للحصول عليها، واتجهوا لتخزينها بكميات كبيرة كي لا ينقطعوا عن شربها. 

وفي عام ٢٠٢٣ وضعت وزارة التجارة التابعة لحكومة النظام السوري، المتة، على البطاقة الذكية.  

تقول منى  عليان (29 عاما) من مدينة طرطوس: "المتة رفيقتنا في اجتماعاتنا، وهي  مشروب اجتماعي بامتياز، ولازَمَتنا في سوريا ولم نتخلّ عنها رغم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، لأننا نعتبرها من الأولويات التي لا يمكن الاستغناء عنها".

"وحين انتشرت إشاعات عن إمكانية انقطاعها، أصيب بعض الناس بالهلع، واصطفت عائلات بأكملها للحصول على حصتها من المتة"، تضيف منى لـ"ارفع صوتك".

سحر، عاملة في مؤسسة "مياه حلب"، تؤكد لنا "لا أستطيع بدء يومي دون كأس من المتّة، أعددت عدة خاصة للعمل وأخرى للمنزل. وهي تمدني بالنشاط والحيوية". 

من جانبه، يقول علي حيدر، وهو بائع لشركة توزيع المتة في اللاذقية، إن الإقبال على المتة كبير جدًا "فالناس يحبونها ويستهلكونها يوميا، ما يجعل الطلب عليها مستمرا على مدار العام، أما الأصناف الأكثر رواجاً فهي متة الخارطة وبيبوري التي تستورد من الأرجنتين وتُعبأ في معمل يبرود في ريف دمشق، ويفضلها الناس بسبب طعمها الثقيل وسعرها المناسب".  

ما فوائدها؟

يُستخلص مشروب المتة من أوراق نبات ليربا ماتي، وهو نبات مشهور في الأرجنتين والأوروغواي والبرازيل وباراغواي، ويمتاز بطعمه الفريد وخصائصه المنشطة.

يقول طبيب الأعشاب سامر كرامة إن المتّة "من مشروبات الطاقة والتنبيه، وتحتوي على مضادات الأكسدة والكافايين الطبيعي، وتساعد على تعزيز التركيز، كما تحتوي على الفيتامينات والمعادن المفيدة لصحة القلب والجهاز الهضمي". 

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن "مشروب المتّة يفيد في خسارة الوزن، وإذابة دهون البطن، وخفض نسبة السكر في الدم. كما أنه مدر للبول، ومليّن للمعدة والأمعاء، ويساهم في علاج عسر الهضم، والتخفيف من حدة الصداع". 

بسبب الشعبية الكبيرة لمشروب المتة، أصبحت سوريا واحدة من أكبر مستوردي المتة في العالم، حيث تستوردها بكميات كبيرة سنويًا من الأرجنتين لتلبية الطلب المحلي المتزايد.

ووفق بيانات  المعهد الوطني لليرباماتي (INYM) الأرجنتيني، فإن سوريا تعتبر من أكبر مستهلكي المتة في الشرق الأوسط. في عام 2018 حققت الصادرات  نسبة قياسية مع تصدير 43 مليون كيلوغرام من المتة. 

وقال المعهد إنه من المثير للدهشة أن أحد الأسباب الرئيسية لزيادة الصادرات الأرجنتينية هو سوريا، وهي أكبر مستورد أجنبي للمتّة في العالم. 

وأظهرت البيانات أن دول الشرق الأوسط مثل سوريا ولبنان تمثل في المجمل 75 بالمئة من صادرات ليربا ماتي الأرجنتينية، تليهما جمهورية التشيلي التي تعتبر ثاني أكبر وجهة تصدير.