أثارت السيارات الفارهة وحديثة الصنع المنتشرة في العاصمة السورية دمشق، استياء وسخط السكان الذين يعيش غالبيتهم تحت خط الفقر، ويعانون نقص المواد الأساسية للحياة، ويواجهون صعوبة لتوفير احتياجاتهم اليومية، وسط تزايد الأزمات المعيشية والخدمية في مناطق سيطرة النظام.
وتساءل العديد عن كيفية دخول هذه السيارات إلى البلاد، ووصولها للمعارض وإعلانات بيعها بمزادات علنية، رغم العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، من ضمنها قانون قيصر.
ومؤخرا أثار إعلان "المؤسسة العامة للتجارة الخارجية" في سوريا، عن مزاد علني لبيع سيارات موديل 2023 في دمشق، استياء المواطنين.
وأورد موقع "صاحبة الجلالة" الموالي للنظام، إعلانا على صفحته في فيسبوك، يفيد بأنه سيتم بيع سيارات موديل العام 2023 بالمزاد العلني، مرفقا صورا لبعض السيارات الفاخرة المشاركة في المزاد، لتأتي التعليقات الساخرة والساخطة على القرار.
فيما رأى البعض أن "العقوبات على سوريا لا تطبق على الجميع"، وآخرون تساءلوا عن كيفية دخول هذه السيارات، بينما لا تصل أنواع كثيرة من الأدوية نتيجة العقوبات.
#سيارات موديل السنة.. تعرض في مزاد علني للبيع صور من بعض الآليات المشاركة في المزاد العلني رقم ٧٠ / ف م.س لبيع سيارات...
Posted by صاحبة الجلالة - الاحتياطية on Wednesday, July 19, 2023
يقول منير اليوسف (32 عاما)، وهو من سكان جرمانا في ريف دمشق: "نستغرب وجود هذه السيارات، في الوقت الذي تتذرع الحكومة السورية بالعقوبات الدولية لمواجهة تململ المواطنين من نقص الأدوية والمعدات الطبية ومعدات تشغيل الطاقة الكهربائية والمائية، وتلقي بالتبعات على الحصار المفروض عليها للتهرب من سوء الخدمات المقدمة للمواطنين".
ويضيف لـ"ارفع صوتك": "يعيش السواد الأعظم من السوريين تحت خط الفقر ولا يتجاوز راتب الموظف مئتي ألف ليرة، ولكن في الوقت نفسه، تقام المزادات العلنية على السيارات الفارهة التي تتراوح أسعارها بين مئات الملايين والمليار ونصف مليار ليرة".
ومن دمشق أيضاً، يعرب ماجد علبي، عن "استيائه الشديد" بعدما رأى إعلان المزاد، مؤكداً "يعاني الناس من صعوبة تأمين أبسط مقومات الحياة من طعام وشراب وطبابة، والمسؤولون أوهموا الشعب بأن الأزمات التي يعيشها المواطن مرتبطة بالعقوبات والحصار، في وقت يعيشون هم حياة بذخ وترف".
"كيف دخلت هذه السيارات؟ وهل هناك استثناءات خاصة؟ ومن المستفيد؟ ولم لا تؤمن الحاجات الملحة للمواطن من أدوية ومعدات طبية وجراحية وقطع غيار لشبكات الماء الذي أصبح ملوثا، ولمعامل الكهرباء بالطريقة نفسها التي تم إدخال السيارات الفخمة عن طريقها؟" عدة أسئلة يطرحها ماجد.
فايزة الأحمد (60 عاماً)، تعبّر لـ"ارفع صوتها" عن شعورها بالغضب إزاء هذه المظاهر، قائلة "هناك فئة تعيش حياة بذخ ورفاهية على كوكب آخر، وفئة تعيش الفقر والحاجة لأبسط مقومات الحياة، وعندما نطالب بأبسط حقوقنا من بنية تحية وكهرباء وماء نظيفة، يحدثوننا عن العقوبات والحصار الذي يمنع كل ذلك، ويُطلب منا الصمود والمواجهة".
"فلمَ لا تصبر هذه الفئة معنا أيضاً، وكيف يتمكنون في ظل العقوبات من إدخال سيارات فاخرة وحديثة، ولا يمكنهم إدخال الوقود والمواد الأولية؟!"، تتابع فايزة.
وترى أن "العقوبات تقع على المواطنين البسطاء والضعفاء فقط، الذين يموتون من الجوع"، على حدّ تعبيرها.
مواطن آخر من دمشق، فضل ذكر اسمه الأول فقط (يوسف)، يؤكد أن "مظاهر الثراء الفاحش تترك علامات استفهام كبيرة لديه وغيره من المواطنين"، مردفاً "هناك من يتنعم بأحدث منتجات الرفاهية ويحمل أحدث موبايل آيفون، كما تعرض شركة (إيما تيل) المملوكة لأحد المسؤولين الذين طالتهم عقوبات دولية أحدث الموبايلات والمنتجات الفاخرة".
"يبلغ سعر الآيفون قيمة راتبي الشهري لخمس سنوات، وتجد المراهقين من أبناء المسؤولين يحملونه، بينما علي أن أعمل لخمس سنوات دون أن أصرف من راتبي شيئاً لأحصل عليه، رغم كوني خريج كلية الطب وطبيباً متدرباً! فعن أي عقوبات يتحدثون ونحن محرمون من كل شيء بينما هم يعيشون حياتهم بالطول والعرض؟"، يبيّن يوسف لـ"ارفع صوتك".
"سوء إدارة وفساد"
تعليقاً على الموضوع، يؤكد الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، أن العقوبات المفروضة على سوريا "هي عقوبات على أفراد من النظام والميليشيات التابعة له ومن التجار المحسوبين عليه، وليست على مؤسسات الدولة".
ويبين شعبو في حديثه لـ"ارفع صوتك": "النظام يقوم بالتسويق بأن المشكلة في البلاد هي مشكلة عقوبات، والحقيقة غير ذلك، فالمشكلة هي سوء إدارة وفساد، وهناك ثلة من الأشخاص الذين يتحكمون في الاقتصاد السوري".
"فمثلا في موضوع السيارات وأجهزة الآيفون والأجهزة الإلكترونية التي تدخل سوريا، إضافة إلى أحدث المعدات والتكنولوجيا الموجودة في العالم تدخل سوريا أيضا، فكيف لا تتوافر الأمور الأخرى؟مثلاً استيراد القمح والأدوية متاح ولا يوجد عقوبات، ولكن هم يتحججون بالعقوبات لأن النظام ليست لديه القدرة المالية لاستيراد وتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين"، يتابع شعبو.
وعن طريقة إدخال المنتجات الفاخرة والسيارات والموبايلات الحديثة، يرى شعبو أن "العملية برمتها اتفاق، وهي عبارة عن مافيا تدير الموضوع من تجار وموظفي الدولة، سواء من الجمارك أو من المؤسسات الحكومية الأخرى، ويتم إدخالها إما عن طريق التهريب أو عن طريق الضابطة الجمركية".
ويقول: "تدخل هذه المنتجات عبر جلبها إلى سوريا فتسيطر عليها الجمارك، ثم تقوم بعرضها في مزادات ويتم شراؤها هناك، أي أنها لا تدخل بشكل مباشر إلى البلد، بل تضع الضابطة الجمركية يدها عليها، وتقوم بعرضها في المزادات العلنية، ويتم شراؤها من خلال المزاد".
"أما عن تهريب الموبايلات فهو أمر منتشر بشكل كبير جدا في سوريا"، بحسب شعبو، موضحاً "على سبيل المثال في العام الماضي قام منتخب سوريا لكرة القدم الذي كان يلعب في الإمارات، بإحضار الكثير من أجهزة الآيفون، وكانت الطائرة ممتلئة تماما بموبايلات الآيفون الحديثة، وحصلت مشكلة حينها، ومنع اللاعبون من حمل حقائبهم بسبب أوزانها المرتفعة لامتلائها بصناديق الآيفون".
ويعتقد أن "الحال لن يتغير فيما لو رفعت العقوبات، لأن المشكلة مشكلة فئة حاكمة لا في العقوبات"، لافتاً إلى أن "هناك جزءاً كبيراً من الشعب يعرف أنه يعيش في ظل منظومة فاسدة، وجزءاً كبيراً أيضاً مؤمن أن القيادة حكيمة ومن يطوف حول القيادة هو فاسد ومرتشٍ وهو الذي أوصل البلد إلى ما نحن عليه".
وتشير تقارير دولية وأممية إلى أن أكثر من 90% من السوريين يقبعون تحت خط الفقر، ومنذ عام 2011 تم فرض العديد من العقوبات الدولية كرد على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها الحكومة السورية والكيانات والأفراد المرتبطين بها.
وشملت هذه العقوبات، العقوبات المالية مثل تجميد الأموال والأصول وحظر التمويل، والعقوبات الاقتصادية مثل القيود المفروضة على استيراد أو تصدير سلع وخدمات معينة، إضافة إلى العقوبات المتعلقة بحركة الأشخاص مثل فرض حظر سفر على العديد من المسؤولين ورجال الأعمال السوريين ومنعهم من دخول العديد من الدول، والعقوبات الدبلوماسية كقيام العديد من الدول بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع سوريا.
