تعبيرية

لا تتعلق أزمة المحروقات وانقطاع الكهرباء بالنسبة لغالبية السوريين على مقاساة البرد في فصل الشتاء، ولا على مشاكل النقل والمواصلات التي باتت عصيّة على الحلول، فقط، بل أيضاً بحرمانهم من أبسط الاحتياجات كل صيف، وهو شرب الماء البارد.

"أصبح شرب الماء البارد أشبه بالحلم، نحن نشرب ماء دافئاً حقاً، يزيد الظمأ بدلاً من إطفاء لهيب العطش"، يصف عبد القادر. ج (فضل عدم ذكر كنيته)، من العاصمة دمشق، حاله هو وعائلته في أغسطس، الذي يلقبّه السوريون "طبّاخ التين"، بسبب الارتفاع القياسي بدرجات الحرارة.

يقول عبد القادر لـ"ارفع صوتك"، إن "نظام تقنين الكهرباء يصل إلى 5 ساعات قطع ونصف ساعة وصل في أحسن الأحيان، وهذا ما يجعل وجود الثلاجة مثل عدمه، لأن الماء بحاجة إلى نحو ساعتين حتى يصل إلى درجة برودة يستطيع فيها الإنسان بلّ ريقه الملتهب في درجات حرارة متوحّشة، تزيد لهيب الأسعار وحاجات الناس"، على حدّ تعبيره.

 

تجارة ألواح الثلج

أمام أزمة الكهرباء والوضع القائم، يصبح الماء البارد رفاهية صعبة المنالبالنسبة لسكان مناطق النظام السوري، الذين يعتادون مع كل أزمة على ظهور خدمات تجارية خاصة تعوّض الخدمات المفقودة، حيث ينشط عمل "معامل الثلج" الخاصة، التي يبيع بعضها الثلج للمستهلك مباشرة، بينما يفضّل بعضها التعامل مع تجار يعيديون بيعها للمواطنين بأسعار مضاعفة.

خالد السيد من دمشق، يقول إنه "لم يعد يتابع أسعار ألواح الثلج، لأنها صارت في الصيف الحالي أشبه ببورصة الذهب".

"وكلما زادت الحرارة درجة واحدة يرفع التجار أسعار لوح الثلج، وكأن الأمر سباق مع الحرارة للقضاء على الدخل القليل أصلاً"، يضيف خالد.

ويوضح محمد خليل الذي يعمل بائعاً متجوّلاً، أن لوح الثلج الكامل يصل سعر مبيعه من المعمل مباشرة إلى 15 ألف ليرة سورية (أقل من دولارين)، لكن مسألة الحصول على هذا اللوح تُعد إنجازاً غير متوقع الحدوث، ليس لأن المبلغ عالٍ جداً مقارنة بالدخل، إنما بسبب أن معظم المعامل باتت لا تفضل التعامل مع الزبائن بشكل مباشر".

يقول: "يأتي تجار الأزمات، ومعظمهم مدعومون من الأفرع الأمنية، ويأخذون الإنتاج، ثم يضعون أسعاراً خاصة تتراوح بين 20 و 25 ألف ليرة سورية (2 دولار- 2.5 دولار) للّوح الواحد".

ولا يتعلق الأمر فقط باستغلال معامل الثلج، حيث باتت أزمة الحرّ ميداناً لظهور تجارات جديدة لبيع الماء البارد، حيث يعمد بعض التجار على تعبئة عبوات العصائر والمشروبات بالماء، وبيعها للناس بأسعار مرتفعة، ويحصل البعض على عبوة بسعة 2 ليتر بمبلغ يتراوح بين 5 و 8 آلاف ليرة سورية (أقل من دولار)، من أجل أن يشرب الماء البارد لمدة ساعة أو ساعة ونصف فقط.

في السياق، نشرت صحيفة "الوطن" الموالية للنظام السوري، تقريراً حول أزمة ألواح الثلج، بيّن أن "الثلج يباع في بعض المحال المخصصة لبيع الأسماك وفي محال الشواء، كما يعتمد بعض أصحاب البقاليات على وضع بسطات أمام محالهم لبيع ألواح الثلج الكبيرة التي وصل سعر اللوح منها إلى 20 ألف ليرة، أما الأكياس الصغيرة المعبّأة بعدد قليل من مكعبات الثلج فوصل سعر الكيس الواحد منها إلى 2500 ليرة".

وأشار إلى أن "هذه الأكياس شفافة لا تحمل اسم أي معمل أو شركة لصناعة الثلج، أي أنها تبقى مجهولة المصدر، ففي منطقة التضامن مثلاً اشتكت بعض الأسر من وجود شوائب في ألواح الثلج، بالتالي فهي غير آمنة صحياً".   

ونقلت الصحيفة عن مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة لحكومة النظام، تصريحاً يتعلق بألواح الثلج، قال إن الوزارة "تقوم بشكل دائم بجولات على معامل الثلج بالتعاون مع وزارة الصحة ومديريات الشؤون الصحية في المحافظات... وتم ضبط ألواح ثلج فيها صدأ بمحافظة حماة".

"إضافة إلى أن الأسعار المحددة في الأسواق مبالغ بها بشكل كبير بسبب فصل الصيف، فالأسعار التي حدّدتها الوزارة تتراوح بين 9-11 ألف ليرة للقالب الواحد"، كما أورد التقرير.

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".