تتسبب "الجلوة" في تشريد عائلات بكاملها بسبب قرابتها من شخص تورط في جريمة قتل.
تتسبب "الجلوة" في تشريد عائلات بكاملها بسبب قرابتها من شخص تورط في جريمة قتل.

لا يزال المجتمع العشائري في سوريا والأردن يحتفظ، حتى اليوم، بعادات قديمة تُواجَه بنقد ورفض متصاعدين. من تلك العادات، عرف عشائري يطلق عليه: "الجلوة".

في ريف السويداء بجنوب غرب سوريا، اهتزت المنطقة قبل شهرين على وقع جريمة قتلٍ راح ضحيتها أحد أفراد عشيرة محلية. لكن بدلا من اللجوء إلى القضاء، تم تشريد 31 عائلة من قرية الدارة، تطبيقاً لعرف "الجلوة"، بحسب ما أوردته مواقع سورية محلية.

ففي شهر مايو الماضي، نشب نزاع بين عدد من الشبان في قرية الدارة، التي تقطنها عشائر من بدو السويداء، قبل أن يتطوّر الأمر إلى اشتباكات مسلّحة قُتل خلالها شخص واحد.

بعد الجريمة مباشرة، هاجم أقارب القتيل منازل عائلة الجاني، وأحرقوا بعضها، مهددين بقتل أفراد العائلة، قبل  أن تتدخل وساطات عشائرية سمحت لأقارب القتيل بمغادرة القرية.

سلاح العشائر
رصاصة بالرأس بسبب وليمة عشاء.. سلاح العشائر المنفلت خطر يهدد المجتمع العراقي
لا يزال ه.خ (57 عاماً)، يرقد في مستشفى الجملة العصبية بالعاصمة بغداد، نتيجة تعرضه لإصابة بطلق نار في منطقة الرأس بسبب دعوة عشاء، لتكون حادثته على لسان جميع مرضى ومراجعي المستشفى وأهالي منطقة البلديات التي وقعت فيها الحادثة.

في العراق، يسقط المئات بين قتيل وجريح سنوياً، بسبب النزاعات المسلحة الشخصية والعشائرية
 
 

عُرف يتجاوز القانون

 

ترحيل عوائل أقارب القاتل جاء تطبيقاً لعرف عشائري، تسبّب بمغادرة 31 عائلة من أقارب القاتل. وشمل ذلك كل من يرتبط مع المتّهم بصلة قرابة، من الدرجات الأولى والثانية والثالثة، في سيناريو أشبه بعقاب جماعي وترحيل قسري.

وينصّ "عُرف الجلوة"، المتوارَث منذ عشرات السنين، في محافظات جنوب غرب سوريا و الأردن المجاورة، على ابتعاد عشيرة القاتل عن مناطق سكن عشيرة المقتول، بكامل رجالها وذويها وحتى ماشيتها.

وحسب موقع "السويداء 24" السوري، فإن العرف ينص محليا على أن يرحل من المنطقة أقارب الجاني حتى الدرجة الخامسة، أو "خامس جد" كما يطلق عليها في المنطقة.

منظمة "هيومن رايتس ووتش" هاجمت هذا العرف المنتشر في سوريا والأردن، واصفة إياه بأنه "عقاب تعسفي جماعي" خارج إطار القانون.

وفي عام 2019، دفعت السلطات الأردنية نحو 200 شخص من محافظة مادبا إلى مغادرة منازلهم، عقب تنفيذ شخص قريب لهم لجريمة قتل.

وانتقدت "رايتس ووتش" حينها تصرف الحكومة الأردنية، قائلةً إنّ "على السلطات الأردنية أن تمنع الهجمات الانتقامية". وشددت على أن "إجلاء الأبرياء قسرا عن منازلهم ليس هو السبيل".

وقالت المنظمة الحقوقية، نقلا عن قناة "المملكة" المملوكة للحكومة، إن هناك 36 حالة جلوة حصلت بين 2010 و2012، مضيفة أنه "لا يعود في كثير من الأحيان هؤلاء المرحَّلون من بيوتهم، إلاّ بعد الوصول إلى تسوية بين العائلتين".

واعتبرت هيومن رايتس ووتش أن الجلوة تشكل "عقابا تعسفيا وتخالف دستور الأردن والتزاماته الحقوقية"، داعية السلطات الأردنية "أن تتوقف فورا عن استخدام وتطبيق الجلوة لإجلاء أفراد الأسر بالقوة".

وألغى المشرعون الأردنيون الجلوة رسميا من النظام القانوني في 1976 عندما ألغي "قانون محاكم العشائر". لكن في أغسطس 2016، أقرت لجنة قانونية وزارية تعديلات على "قانون منع الجرائم" لإضفاء الشرعية على الجلوة، حسب هيومن رايتس ووتش، لكن مع حصر تطبيقها على الشخص الذي يُزعم أنه ارتكب الجريمة وأطفاله ووالده، على ألا يتجاوز الترحيل عاما واحدا.

أما في سوريا، فيخرق عرف الجلوة مبادئ أساسية في الدستور، وتحديداً المادة 51 التي تنصّ على أن "العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بالقانون".

لكن، "في الواقع لا يوجد في قانون العقوبات السوري مادة تجرّم عُرف الجلوة بشكل صريح، وغيره من الأعراف التي تفرض عقوبات جماعية"، يقول الصحفي السوري ريان معروف مسؤول تحرير موقع "السويداء 24"، لموقع "ارفع صوتك".

ويرى معروف أن هذه الأعراف سارية لدى العشائر في سوريا حتى قبل عام 2011، دون إسهام واضح من الدولة في ترسيخ ثقافة القانون ودمج المجتمعات العشائرية بالحياة المدنية.

ويتابع: "هذه المسألة تحتاج جهوداً كبيرة، من زيادة مستوى التعليم والثقافة، وتحسين الخدمات والظروف الاقتصادية، وأنماط الإنتاج والاقتصاد. ترسيخ ثقافة القانون، وسيادته، هما السبيلان الوحيدان للتخلّص من هذه الأعراف. والسلطات في سوريا كانت بعيدة عن هذا المجال".

أما بعد اندلاع التظاهرات في سوريا، فيعتقد معروف أن فرض القانون هو آخر ما باتت تفكّر فيه الدولة، حيث إن الأعراف القبلية "ترفع بعض الأعباء عنها. لذلك نرى أحياناً ممثلين للحكومة أو أعضاء في مجلس الشعب يشاركون في محافل الصلح العشائري وغيره، وكأنها رسالة منهم إلى المجتمع: تدبّروا أموركم بأنفسكم".

هذا في سوريا التي تطحنها حرب متواصلة منذ 12 عاماً. لكن معروف يرى أن الأمر لا يتعلق فقط بظروف البلد الأمنية، فالأردن الذي ينتشر فيه هذا العُرف "لا يزال حتى اليوم يواجه صعوبات بالغة في فصل المزاوجة بين القانون المدني والقانون العشائري فيما يتعلق بالأعراف، كعرف الجلوة".

 

كيف ينظر المجتمع لعرف "الجلوة"؟

 

يوجد تفاوت واضح في نظرة المجتمع إلى هذا العرف. فقسم كبير من سكان مناطق جنوب سوريا والأردن يعدّونه جريمة تهجير قسري خارجة عن القانون، يقول ريان معروف مسؤول تحرير "السويداء 24".

في المقابل، يرى قسم آخر أن عرف الجلوة يشكّل رادعاً لجرائم القتل، ولا سيما في الظروف التي يتلاشى فيها دور أجهزة إنفاذ القانون، ويتزايد معدّل العنف والفلتان الأمني.

وترى وجهة النظر هذه أن العرف "يحمي من ردود الفعل العشوائية من أهل القتيل، ضد أقارب وعائلة القاتل، ويكون مخرجاً مؤقتاً إلى حين هدوء أقارب القتيل، وعقد صلح عشائري لاحقاً، كما أنهم يعتبرونه عرفاً مستمداً من عادات وتقاليد يتمسكون فيها، وخصوصاً عشائر البدو، الذين لا زالوا يحتكمون إلى القضاء العشائري في حلّ نزاعاتهم ومشاكلهم"، يقول الصحافي السوري.

ويضيف أن هذا العرف كان سائداً لدى عموم المجتمع في جنوب سوريا، حتى عند الدروز، حيث كانت عائلات كاملة تجلى من قراها إذا تورّط أحد أفرادها بجريمة قتل في مطلع القرن الماضي.

لكن، تراجع تطبيق هذا العرف عند الدروز منذ نحو خمسين عاماً، لظروف عديدة، منها ارتفاع نسبة التعليم في المجتمع، وتغيّر الأنماط الإنتاجية والاقتصادية، حتى بات هذا العرف عند الدروز ينطبق فقط على الجاني، وفي بعض الحالات على أقاربه من الدرجة الأولى، يوضح معروف.

 

 

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".