لا يزال المجتمع العشائري في سوريا والأردن يحتفظ، حتى اليوم، بعادات قديمة تُواجَه بنقد ورفض متصاعدين. من تلك العادات، عرف عشائري يطلق عليه: "الجلوة".
في ريف السويداء بجنوب غرب سوريا، اهتزت المنطقة قبل شهرين على وقع جريمة قتلٍ راح ضحيتها أحد أفراد عشيرة محلية. لكن بدلا من اللجوء إلى القضاء، تم تشريد 31 عائلة من قرية الدارة، تطبيقاً لعرف "الجلوة"، بحسب ما أوردته مواقع سورية محلية.
ففي شهر مايو الماضي، نشب نزاع بين عدد من الشبان في قرية الدارة، التي تقطنها عشائر من بدو السويداء، قبل أن يتطوّر الأمر إلى اشتباكات مسلّحة قُتل خلالها شخص واحد.
بعد الجريمة مباشرة، هاجم أقارب القتيل منازل عائلة الجاني، وأحرقوا بعضها، مهددين بقتل أفراد العائلة، قبل أن تتدخل وساطات عشائرية سمحت لأقارب القتيل بمغادرة القرية.
في العراق، يسقط المئات بين قتيل وجريح سنوياً، بسبب النزاعات المسلحة الشخصية والعشائرية
عُرف يتجاوز القانون
ترحيل عوائل أقارب القاتل جاء تطبيقاً لعرف عشائري، تسبّب بمغادرة 31 عائلة من أقارب القاتل. وشمل ذلك كل من يرتبط مع المتّهم بصلة قرابة، من الدرجات الأولى والثانية والثالثة، في سيناريو أشبه بعقاب جماعي وترحيل قسري.
وينصّ "عُرف الجلوة"، المتوارَث منذ عشرات السنين، في محافظات جنوب غرب سوريا و الأردن المجاورة، على ابتعاد عشيرة القاتل عن مناطق سكن عشيرة المقتول، بكامل رجالها وذويها وحتى ماشيتها.
وحسب موقع "السويداء 24" السوري، فإن العرف ينص محليا على أن يرحل من المنطقة أقارب الجاني حتى الدرجة الخامسة، أو "خامس جد" كما يطلق عليها في المنطقة.
منظمة "هيومن رايتس ووتش" هاجمت هذا العرف المنتشر في سوريا والأردن، واصفة إياه بأنه "عقاب تعسفي جماعي" خارج إطار القانون.
وفي عام 2019، دفعت السلطات الأردنية نحو 200 شخص من محافظة مادبا إلى مغادرة منازلهم، عقب تنفيذ شخص قريب لهم لجريمة قتل.
وانتقدت "رايتس ووتش" حينها تصرف الحكومة الأردنية، قائلةً إنّ "على السلطات الأردنية أن تمنع الهجمات الانتقامية". وشددت على أن "إجلاء الأبرياء قسرا عن منازلهم ليس هو السبيل".
وقالت المنظمة الحقوقية، نقلا عن قناة "المملكة" المملوكة للحكومة، إن هناك 36 حالة جلوة حصلت بين 2010 و2012، مضيفة أنه "لا يعود في كثير من الأحيان هؤلاء المرحَّلون من بيوتهم، إلاّ بعد الوصول إلى تسوية بين العائلتين".
واعتبرت هيومن رايتس ووتش أن الجلوة تشكل "عقابا تعسفيا وتخالف دستور الأردن والتزاماته الحقوقية"، داعية السلطات الأردنية "أن تتوقف فورا عن استخدام وتطبيق الجلوة لإجلاء أفراد الأسر بالقوة".
وألغى المشرعون الأردنيون الجلوة رسميا من النظام القانوني في 1976 عندما ألغي "قانون محاكم العشائر". لكن في أغسطس 2016، أقرت لجنة قانونية وزارية تعديلات على "قانون منع الجرائم" لإضفاء الشرعية على الجلوة، حسب هيومن رايتس ووتش، لكن مع حصر تطبيقها على الشخص الذي يُزعم أنه ارتكب الجريمة وأطفاله ووالده، على ألا يتجاوز الترحيل عاما واحدا.
أما في سوريا، فيخرق عرف الجلوة مبادئ أساسية في الدستور، وتحديداً المادة 51 التي تنصّ على أن "العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بالقانون".
لكن، "في الواقع لا يوجد في قانون العقوبات السوري مادة تجرّم عُرف الجلوة بشكل صريح، وغيره من الأعراف التي تفرض عقوبات جماعية"، يقول الصحفي السوري ريان معروف مسؤول تحرير موقع "السويداء 24"، لموقع "ارفع صوتك".
ويرى معروف أن هذه الأعراف سارية لدى العشائر في سوريا حتى قبل عام 2011، دون إسهام واضح من الدولة في ترسيخ ثقافة القانون ودمج المجتمعات العشائرية بالحياة المدنية.
ويتابع: "هذه المسألة تحتاج جهوداً كبيرة، من زيادة مستوى التعليم والثقافة، وتحسين الخدمات والظروف الاقتصادية، وأنماط الإنتاج والاقتصاد. ترسيخ ثقافة القانون، وسيادته، هما السبيلان الوحيدان للتخلّص من هذه الأعراف. والسلطات في سوريا كانت بعيدة عن هذا المجال".
أما بعد اندلاع التظاهرات في سوريا، فيعتقد معروف أن فرض القانون هو آخر ما باتت تفكّر فيه الدولة، حيث إن الأعراف القبلية "ترفع بعض الأعباء عنها. لذلك نرى أحياناً ممثلين للحكومة أو أعضاء في مجلس الشعب يشاركون في محافل الصلح العشائري وغيره، وكأنها رسالة منهم إلى المجتمع: تدبّروا أموركم بأنفسكم".
هذا في سوريا التي تطحنها حرب متواصلة منذ 12 عاماً. لكن معروف يرى أن الأمر لا يتعلق فقط بظروف البلد الأمنية، فالأردن الذي ينتشر فيه هذا العُرف "لا يزال حتى اليوم يواجه صعوبات بالغة في فصل المزاوجة بين القانون المدني والقانون العشائري فيما يتعلق بالأعراف، كعرف الجلوة".
كيف ينظر المجتمع لعرف "الجلوة"؟
يوجد تفاوت واضح في نظرة المجتمع إلى هذا العرف. فقسم كبير من سكان مناطق جنوب سوريا والأردن يعدّونه جريمة تهجير قسري خارجة عن القانون، يقول ريان معروف مسؤول تحرير "السويداء 24".
في المقابل، يرى قسم آخر أن عرف الجلوة يشكّل رادعاً لجرائم القتل، ولا سيما في الظروف التي يتلاشى فيها دور أجهزة إنفاذ القانون، ويتزايد معدّل العنف والفلتان الأمني.
وترى وجهة النظر هذه أن العرف "يحمي من ردود الفعل العشوائية من أهل القتيل، ضد أقارب وعائلة القاتل، ويكون مخرجاً مؤقتاً إلى حين هدوء أقارب القتيل، وعقد صلح عشائري لاحقاً، كما أنهم يعتبرونه عرفاً مستمداً من عادات وتقاليد يتمسكون فيها، وخصوصاً عشائر البدو، الذين لا زالوا يحتكمون إلى القضاء العشائري في حلّ نزاعاتهم ومشاكلهم"، يقول الصحافي السوري.
ويضيف أن هذا العرف كان سائداً لدى عموم المجتمع في جنوب سوريا، حتى عند الدروز، حيث كانت عائلات كاملة تجلى من قراها إذا تورّط أحد أفرادها بجريمة قتل في مطلع القرن الماضي.
لكن، تراجع تطبيق هذا العرف عند الدروز منذ نحو خمسين عاماً، لظروف عديدة، منها ارتفاع نسبة التعليم في المجتمع، وتغيّر الأنماط الإنتاجية والاقتصادية، حتى بات هذا العرف عند الدروز ينطبق فقط على الجاني، وفي بعض الحالات على أقاربه من الدرجة الأولى، يوضح معروف.
