فتح "معبر باب الهوى" سيسمح للمساعدات بالوصول إلى ملايين الأشخاص ـ صورة أرشيفية
فتح "معبر باب الهوى" سيسمح للمساعدات بالوصول إلى ملايين الأشخاص ـ صورة أرشيفية

رغم أن "التفاهم" المعلن بين الأمم المتحدة والنظام السوري، أعاد فتح الحدود أمام المساعدات الإنسانية إلى شمالي البلاد بعد تعليق إيصالها لأسابيع، ولّد الغموض المرتبط بتفاصيله حالة من التوجس لدى نشطاء وعمال إغاثة ومعارضين، إذ باتوا يعتقدون أن "الملف الحساس" المرتبط بحياة الملايين "دخل مرحلة جديدة".

وخلال الأشهر الستة المقبلة، سيكون "معبر باب الهوى" الحدودي متاحا بموجب "التفاهم"، وسيسمح للمساعدات التي تشتد الحاجة إليها بالوصول إلى ملايين الأشخاص في شمال غرب سوريا، حسب بيان للأمم المتحدة.

كما تضمن ما توصلت إليه الأمم المتحدة مع النظام السوري استخدام معبري باب السلام والراعي الحدوديين لمدة ثلاثة أشهر إضافية، بعدما افتتحا في الأصل في وقت سابق من هذا العام، كجزء من الاستجابة الطارئة لكارثة زلزال فبراير المدمّر.

وقال نائب الناطق الرسمي باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، في بيان رسمي، الأربعاء، إن إعادة فتح المعابر جاء بعد "تفاهم تم التوصل إليه مع الحكومة السورية، وفي أعقاب محادثات أجراها مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية".

وأضاف حق أن "الخطوة تأتي لأغراض السعي إلى وصول المساعدات الإنسانية بطريقة تحمي الاستقلال التشغيلي للأمم المتحدة".

ولم تكشف الأمم المتحدة عن تفاصيل "التفاهم" الحاصل، وكذلك الأمر بالنسبة لـ"الشرطين"، اللذان وضعهما النظام السوري مؤخرا أمام السماح بأي عملية إيصال للمساعدات عبر الحدود.

وشملت الشروط التي وضعها النظام، في يوليو الماضي، منع الأمم المتحدة من التعامل مع ما تسميه "المنظمات الإرهابية" في المنطقة التي تسيطر عليها فصائل المعارضة في شمال غرب سوريا.

كما حدد في رسالة سبق وأن نشرت تفاصيلها وكالات غربية من يمكنه الإشراف على عمليات التسليم، وتسهيلها إلى "الهلال الأحمر العربي السوري" (SARC) و"اللجنة الدولية للصليب الأحمر" (ICRC).

"رسائل متبادلة"

وسبق أن تمت عرقلة دخول المساعدات الإنسانية إلى شمال غرب سوريا لأيام في السنوات الماضية، ليتم استئناف دخولها لاحقا. ومع ذلك يعتبر الحال القائم الذي تم التوصل إليه "استثنائيا".

وهذه الحالة من الاستثناء ترتبط بدخول النظام السوري على الخط، وانتظار الأمم المتحدة للحصول على موافقته، بعدما كان استئناف آلية الإيصال يتم بالتصويت داخل أروقة مجلس الأمن.

ولطالما نسقت منظمات غير حكومية ودول بمفردها إرسال قوافل مساعدات من طرف واحد إلى الشمال الغربي، لكن منظمات الأمم المتحدة لا تستطيع اجتياز المعبر دون موافقة النظام في دمشق، أو مجلس الأمن.

وانعكست إشكالية الحصول على موافقات على مناطق شمال سوريا خلال الزلزال المدمّر الذي ضربها، إذ استغرق إيصال المساعدات إليها أسبوعا حتى حصلت الأمم المتحدة على موافقة من رئيس النظام السوري، بشار الأسد.

وورد في رسالة، يوم الخامس من أغسطس الجاري، بعثها منسق الإغاثة الطارئة في الأمم المتحدة، مارتن غريفيث، إلى سفير سوريا لدى الأمم المتحدة، بسام صباغ، واطلعت عليها "رويترز" أن الأمم المتحدة "قد تحتاج إلى التعامل مع جهات فاعلة مختلفة في شمال غرب سوريا" أثناء قيامها بعمليات إغاثة.

كما قال إن مكتبه وليس "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" و"الهلال الأحمر العربي السوري"، هو المسؤول عن الإشراف على العمليات في شمال غرب سوريا، وأن الجهتين المذكورتين ليس لهما حضور كاف في تلك المنطقة لتولي مثل هذا العمل الإنساني.

بعد ذلك، وفي رسالة بتاريخ، 6 أغسطس، شكر الصباغ غريفيث على "التوضيحات المتعلقة ببعض الإجراءات العملية الأساسية"، وقال إن سوريا "تتطلع إلى مشاركة اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر العربي السوري عندما تسمح الظروف بذلك"، دون الإشارة إلى الشروط السابقة.

وورد في رسالة صباغ، حسب نسخة حصل عليها موقع "الحرة" أن دمشق وافقت على تمديد إيصال المساعدات من "باب الهوى" لمدة ستة أشهر اعتبارا من 13 يوليو 2023.

أما عملية الإيصال من "الراعي" و"باب السلامة" حددتها دمشق لثلاثة أشهر، تنتهي في الثالث عشر من ديسمبر المقبل.

ووافق النظام السوري على استخدام معبري سرمدا وسراقب للمساعدات المتجهة من الداخل "عبر الخطوط" لمدة سنة أشهر تنتهي في فبراير 2024، وأضاف في رسالته: "نأخذ علما برغبة الأمم المتحدة باستخدام نسخة من ترتيبات الرقابة الصارمة والمستقلة لشحنات المساعدات عبر الحدود".

"مرحلة جديدة"

ومن غير الواضح حتى الآن ماهية التغيّر الذي طرأ حتى وافق النظام السوري على استئناف إيصال المساعدات عبر الحدود، ومن خلال المعابر الثلاثة التي لا يسيطر عليها بالأساس، إذ تخضع لفصائل معارضة مختلفة.

وكذلك الأمر بالنسبة لتفاصيل آلية الإيصال الجديدة، وما إذا كان قد طرأ عليها أي اختلاف قياسا بمسارها السابق، والممتد منذ عام 2014.

ويعتبر الطبيب السوري، محمد كتوب، أن "ملف المساعدات العابرة للحدود إلى سوريا دخل في مرحلة جديدة"، وأن "الأمم المتحدة باتت تعمل تحت موافقة النظام، وبالتالي سيكون له نفوذ أكبر وسيصبح له تدخل أكبر".

ويقول كتوب المطلّع على الآلية الإنسانية الدولية المتعلقة بسوريا لموقع "الحرة": "من غير المتوقع تدخّل مجلس الأمن طالما هناك موافقة من النظام، وبالتالي الأمم المتحدة أصبحت تحت ضغط النظام".

ومن المفترض "إيجاد حلول مع المانحين لاستمرار الأمم المتحدة بالعمل عبر الحدود دون انتظار موافقة النظام وشروطه كل 6 أشهر"، بحسب كتوب.

ويضيف الطبيب السوري: "كما يجب على المدى الطويل رفع قدرات وموارد المنظمات السورية، لتكون قادرة على إدارة العمليات الإنسانية باعتمادية أقل على المنظمات الدولية".

ويرى المحلل المستقل لشؤون سوريا، سام هيلر، أن "بعض التفاصيل للتفاهم الحاصل بين الحكومة السورية والأمم المتحدة وآلية العمل الجديدة التي ستتبعه لم تتضح بعد".

ومع ذلك يرى هيلر في حديثه لموقع "الحرة" أن "التفاهم يمثل أساسا ومنطلقا للعمل لوضع تفاصيل هذه الآلية الجديدة، ولإعادة العمل الإغاثي الأممي عبر باب الهوى بطريقة تتطابق مع المبادئ الإنسانية".

ومن جانب الباحث "يجب الانتظار لرؤية التفاصيل العملية للآلية الجديدة، والتي قد تشبه إلى حد كبير الآلية القديمة التي سبقت جلسة مجلس الأمن والفيتو الروسي في شهر يوليو الماضي".

ويوضح أنه "على ما يبدو ووفقا للرسائل المتبادلة فقد أبدت دمشق نوعا من المرونة وتراجعت عن بعض الشروط التي وضعتها في رسالتها السابقة، وذلك بعد لقاءات وحوار مع المسؤولين الأمميين، وإيضاح الأخيرين لطريقة عمل الوكالات الأممية وفقا للمبادئ الإنسانية".

ماذا يريد النظام؟

وتم استخدام "باب الهوى" منذ عام 2014، عندما أجاز مجلس الأمن الدولي تسليم شحنات الإغاثة عبر الحدود. ومنذ ذلك الحين، مرت حوالي 85 في المئة من شحنات المساعدات عبر هذا المنفذ من تركيا، وفق الأمم المتحدة.

لكن شحنات المساعدات كانت قد توقفت، في يوليو الماضي، عندما فشلت القوى الغربية وروسيا الحليف الرئيسي للنظام السوري في الاتفاق على تمديد تفويض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للعملية.

بعد ذلك أعطى النظام في دمشق موافقة أحادية الجانب ولكن بشروط رفضتها الأمم المتحدة باعتبارها "غير مقبولة"، لتعلن قبل يومين عن "التفاهم الحاصل".

وأثار التفاهم مخاوف منظمات إغاثية وإنسانية، إذ قال "الدفاع المدني السوري" في بيان، الأربعاء، إن "الأمم المتحدة تجاهلت مطالب السوريين ومناشداتهم، وسمحت لنظام الأسد بالتحكم بالملف الإنساني والمساعدات عبر الحدود إلى شمال غربي سوريا".

وأعاد "الدفاع المدني" التذكير بوجود مستند قانوني يمكّن الأمم المتحدة من إدخال المساعدات دون موافقة الدولة المعنية أو مجلس الأمن.

وأضاف بيانه أن "الرضوخ الأممي للنظام وهو الذي قتل وهجر السوريين واستخدم الأسلحة الكيميائية ولديه تاريخ حافل باستغلال المساعدات وتسييس توزيعها والتلاعب بها هو إهانة وخذلان للسوريين ولتضحياتهم".

من جهته اعتبر "فريق منسقو الاستجابة في الشمال السوري" أن "ترحيب الأمم المتحدة بتفويض النظام السوري يعني تواطؤها معه من أجل تحقيق مصالحه على حساب المدنيين".

وجاء في بيان له: "نرفض دخول مؤسسات النظام السوري (الهلال الأحمر السوري) وشريكها الدولي (اللجنة الدولية للصليب الأحمر)"، وأن "كل جهة تتعامل معها سيتم اعتبارها شريكا في دعم الأسد".

ويوضح الدبلوماسي السوري السابق، بسام بربندي أن "النظام السوري لم يتخل عن مطالبه في الرسالة التي بعثها للأمم المتحدة في السادس من أغسطس، لكنه خففها بشكل أو بآخر تحت عبارات من قبيل (عندما تسمح الظروف)".

ويقول بربندي لموقع "الحرة": "هدف النظام هو إلغاء تفويض مجلس الأمن، وصولا إلى اختصار مسار المساعدات الدولية ضمن علاقة ثنائية تربطه مع الأمم المتحدة بشكل مباشر، وبالتالي قد يعمل على ابتزازهم طول العمر".

وحتى الآن لا يعرف الكثير من التفاصيل بشأن الآلية الجديدة أو "التفاهم"، وكذلك الأمر بالنسبة لموقف الولايات المتحدة الأميركية.

ويضيف بربندي مستدركا: "هل سيوافقون على رسالة النظام؟ ولا سيما أنها تسحب الكارت منهم بالتدريج ومن يد المجتمع الغربي".

"تحركات بالتدريج"

ومنذ حلول كارثة الزلزال المدمّر، في فبراير الماضي، بدا لافتا سلسلة الزيارات التي أجراها المسؤولون الأمميون إلى العاصمة دمشق، إذ كانوا يلتقون في الغالب رئيس النظام السوري، بشار الأسد، ووزير خارجيته، فيصل المقداد.

ولم تنسحب الزيارات على وكالة أممية دون غيرها، بل شملت غالبيتها.

ويوضح الطبيب السوري كتوب أن "العمل والتنسيق بين النظام السوري والأمم المتحدة يسير على قدم وساق"، بعدما سلكت دمشق "استراتيجية مختلفة".

"ما نراه اليوم بإعطاء الموافقة من جانب النظام هو سلسلة من الإجراءات التي يتخذها الأخير لتغيير التعامل مع الآليات الأممية جميعها وليس فقط المتعلقة بالمساعدات العابرة للحدود".

ويقول كتوب: "منذ فترة أراد النظام الانخراط في الآليات، وسعى لتعيين ممثل له في منظمة الصحة العالمية، في وقت تجاوب مع مجلس حقوق الإنسان وحاول وضع صوت له في الإطار الاستراتيجي للأمم المتحدة".

ويعتبر كتوب أن "النظام السوري فهم اللعبة بأن يكون منخرطا في الآليات الأممية بدلا من أن يفرض الموضوع عليه فرضا".

وأمام "المرحلة الجديدة" التي دخل فيها ملف المساعدات إلى سوريا يشير الطبيب السوري إلى "ضرورة وجود دور للمانحين الدوليين، إذ بإمكانهم الضغط على صعيد تمويلاتهم المقدمة للأمم المتحدة، وأن لا تخضع لسيطرة النظام السوري".

ولا تتعلق المساعدات عبر الحدود بشاحنات الإغاثة فحسب، بل "هي أبعد من ذلك"، وتشمل حسب حديث الطبيب: "إدارة العمليات الإنسانية والمشاكل المتعلقة بالبرمجية ومشاركة المعلومات".

"لا تتطلب إذنا"

وسبق وأن أوضحت منظمات حقوق إنسان دولية أن المساعدات إلى شمال غرب سوريا يمكن أن تمر دون إذن من مجلس الأمن أو حتى موافقة النظام السوري، وبشكل قانوني.

ووفقا لتحليل قانوني نشرته منظمة "العفو الدولية"، في مايو الماضي، فإن تسليم المساعدات الإنسانية غير المتحيزة عبر الحدود السورية إلى المدنيين الذين هم في حاجة ماسة إليها دون تصريح من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو موافقة الحكومة السورية أمر قانوني، بموجب القانون الدولي.

وذلك "بسبب عدم توفر بدائل أخرى ونظرا لضرورة عمليات الإغاثة عبر الحدود التي تقوم بها الأمم المتحدة للحد من معاناة السكان المدنيين، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في شمال غرب سوريا".

وقالت شيرين تادروس، نائبة مدير برنامج أنشطة كسب التأييد وممثلة منظمة العفو الدولية لدى الأمم المتحدة في مايو: "تدعو منظمة العفو الدولية الأمم المتحدة إلى مواصلة إيصال المساعدات عبر الحدود عبر جميع المعابر الحدودية المتاحة، بغض النظر عن موافقة الحكومة السورية أو عدمها".

"حياة أكثر من أربعة ملايين شخص على المحك، والقانون الدولي واضح في أن حقوقهم يجب أن تكون ذات أولوية قصوى"، وفقا لتادروس.

وأضافت تادروس: "يجب ألا يعتمد مصير الملايين على تصريح من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو موافقة الحكومة السورية. لقد حالت الألاعيب السياسية السامة دون وصول المساعدات إلى أولئك الذين تعتمد حياتهم عليها".

مواضيع ذات صلة:

بشار الأسد متهم بارتكاب جرائم حرب ضد السوريين
عدة مصالح تجمع موسكو وطهران منها تثبيت نظام الأسد

خلال تهنئته بمنصبه الجديد أبلغ وزير الدفاع في حكومة النظام السوري، علي محمود عباس، نظيره الإيراني العميد عزيز نصير زاده بأن "سوريا مع إيران على نفس الجبهة، وأن أمن البلدين واحد، لأن الإخوة في محور المقاومة على نفس القارب"، على حد تعبيره، وكما نقلت وكالات إيرانية.

ورغم أن هذه اللهجة الخارجة من دمشق ليست جديدة على صعيد العلاقة مع طهران، المتشكلة منذ عقود، فإنها تبدو لافتة عندما تقاس بالتوقيت الذي جاءت فيه، وبالتحركات والمشروع الذي يحاول تكريسه الحليف الثاني لبشار الأسد على الأرض، المتمثل في روسيا.

وترعى روسيا في الوقت الحالي مسار التقارب بين تركيا والنظام السوري، في مسعى منها لفرض حالة من "التهدئة والاستقرار" على الأرض، ولاعتبارات تتعلق بإنعاش الأسد اقتصاديا وفي مجالات أخرى، كما يقول خبراء ومراقبون، تحدث معهم موقع "الحرة".

وكانت موسكو قد اتبعت سياسة "هادئة" فيما يتعلق بالحرب المندلعة في غزة، وسعت لإبعاد نفسها عن دائرة المواجهة، بمواقف ترجمتها على الأرض وبالتصريحات.

وفي المقابل لا تزال إيران تؤكد على "هوية سوريا كدولة مقاومة".

وبينما شدد على ذلك المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، قبل ثلاثة أشهر عاد وزير دفاع الأسد، محمود عباس، ليثير ذات الفكرة مع نظيره الإيراني، يوم الأحد، مستخدما مصطلحات من قبيل: "مواجهة قوى الشر والمحور المتغطرس"، في إشارة منه لإسرائيل والولايات المتحدة.

ولروسيا قوات وقواعد عسكرية في سوريا، أبرزها "حميميم"، ويأخذ وجودها هناك طابع الجيش الرسمي المتمركز في مواقع استراتيجية ومعروفة في اللاذقية والعاصمة السورية دمشق.

وكان تدخلها عسكريا عام 2015 قد حرف دفة الصراع في البلاد لصالح النظام السوري ورئيسه بشار الأسد، وجاء ذلك بعدما زجت إيران بالكثير من الميليشيات على الأرض لمساندة قوات الأخير ضد فصائل المعارضة.

وفي حين أن كلا الدولتين تدعمان الأسد على الأرض وفي الأروقة الدبلوماسية لا يعني ذلك أنهما تشتركان وتتقاطعان بكامل المصالح في سوريا، دون أن يعني ذلك التضارب الكامل الذي قد يؤدي للتصادم بصورته العامة، كما يقول الخبير في الشؤون السورية بمؤسسة القرن، آرون لوند.

"يختلفان.. ولكن"

ووفقا للخبير لوند من الواضح أن إيران وروسيا لديهما أولويات مختلفة في الشرق الأوسط، بما في ذلك وإلى حد ما في سوريا، ويطرح مثالا على ذلك، بقوله إن لديهما مواقف مختلفة للغاية تجاه إسرائيل.

وتحاول روسيا تجنب الصراع مع إسرائيل، بينما تخوض إيران "حربا فعلية" ضدها. كما تختلف كل من موسكو وطهران في موقفهما من تورط دول الخليج العربية في سوريا حيث يسيطر النظام السوري.

ومع ذلك، يضيف لوند أنهما "متوافقان جيدا فيما يتعلق بالقضايا السورية الأكثر أهمية، وقد تعاونا بشكل فعال لسنوات، كما يريد كلاهما ضمان بقاء بشار الأسد وإدارة الصراع لصالحه".

وغالبا ما تتكهن المعارضة السورية بوجود منافسة خطيرة مستمرة بين روسيا وإيران، وأن التحالف الروسي الإيراني سوف ينهار، مما يقوض موقف الأسد، لكن وحتى الآن لم نشهد حدوث ذلك أبدا، وفق لوند.

ويشير من ناحية أخرى إلى أنه، وبينما سيكون هناك "بعض الاحتكاك" بين موسكو وطهران، إلا أن كلاهما "يستفيد من استمرار التعاون بشأن القضايا الرئيسية".

ويتوقع لوند أن يظل الوضع على هذا النحو، "ما لم يحدث شيء استثنائي".

وكانت العلاقة بين روسيا وإيران قد أخذت منحا تصاعديا بعدما بدأت موسكو حربها ضد أوكرانيا، ومن هذا المطلق يوضح الباحث في مركز "الحوار السوري"، أحمد القربي، أن "دائرة التعاون والمصالح بينهما أكبر من نطاق سوريا".

ويقول القربي لموقع "الحرة": "هناك أوجه تعاون كثيرة ما بين إيران وروسيا تدعمها نقاط كثيرة، يرتبط جزء منها بتطورات سياسية وعسكرية والآخر بسياقات إقليمية ودولية".

ولا يمكن القول في الوقت الحالي إنه يوجد "تنافس بين روسيا وإيران في سوريا"، ويشير الباحث السوري إلى "عدة مصالح تجمعهما منها تثبيت نظام الأسد".

وانعكس ذاك المشهد المتعلق بحماية الأسد من السقوط، منذ عام 2015، حيث دائما ما كان الروس ينفذون الغارات الداعمة له من الجو بينما ينتشر ويقاتل الإيرانيون وميليشياتهم على الأرض.

ماذا عن "نموذج الدولة"؟

ومن مصلحة روسيا في الوقت الحالي أن يستعيد النظام السوري كل أراضيه وأن تكون سوريا مركزا مهما باعتبارها دولة عربية "مستقرة"، مما يزيد من نقاط موسكو ويعزز من مصالحها، كما يرى المحلل السياسي السوري، محمود الفندي.

ويقول الفندي المقيم في موسكو لموقع "الحرة" إنه في المقابل "تريد طهران أن تظّل الحكومة السورية ضعيفة، وأن تبقى في إطار ما يعرف بمحور المقاومة والممانعة".

وحتى الآن لا ترى إيران مصلحة في "إعادة القوة" لسوريا، وأن تعود إلى الحضن العربي أو تعيد علاقاتها كاملة مع تركيا، وفق الفندي.

ويعتبر أن تحقيق ذلك "سيؤدي إلى فقدان إيران لأسهمها في سوريا"، مردفا أن "مصلحة إيران في سوريا الآن كما عمل النظام السوري في لبنان قبل سنوات. كان يريده ضعيفا بشكل دائم".

ومن جهته يشير الباحث السوري القربي إلى أن وجهة نظر إيران في سوريا تقوم على "تشكيل ميليشيات خارج مؤسسات الدولة"، وتختلف بذلك عن روسيا التي تدعم "نموذج الدولة المركزية".

لكن القربي لا يرى أن ما سبق يعني أن موسكو وطهران بينهما الكثير من المشاكل والتنافس.

ويضيف أنه "توجد مصلحة استراتيجية للطرفين في الحفاظ على نظام الأسد"، والتصدي للنفوذ الأميركي في شرق سوريا والحد منه، فضلا عن موقفهما المشترك ضد المعارضة السورية ورفض "قضية الثورة".

"القارب" روسي أم إيراني؟

ولا يعرف حتى الآن الشكل الذي ستكون عليه سوريا المقسمة بين 4 مناطق تشرف عليها جهات تتضارب فيما بينها بالكثير من القضايا العسكرية والسياسية والاقتصادية ونماذج الحكم.

وتتجه الأنظار في الوقت الحالي إلى ما ستؤول إليه التطورات المتعلقة بخط التطبيع ما بين أنقرة والنظام السوري، الذي تدعمه روسيا على نحو كبير.

وتشترك تركيا وروسيا وإيران في مسار "أستانة"، وتضبط هذه الدول الثلاث منذ سنوات خطوط الجبهة التي تفصل بين مناطق الصراع.

ويعتقد الباحث السوري القربي أن "الاختبار المرتبط بالتطبيع بين الأسد وتركيا سيقدم مؤشرا جيدا بشأن إلى أي مدى يمكن أن تتخلى موسكو وطهران عن بعضهما في سوريا".

ويؤكد في المقابل أن جملة المصالح السياسية الاستراتيجية بين إيران وروسيا لا تعني أن حليفي الأسد "يتوافقان في جميع المجالات"، خاصة الجانب الاقتصادي وتركيبة النظام السوري ككل.

ويعتقد المحلل السياسي الفندي أن "إيران تحاول عرقلة مسار التطبيع السوري التركي"، ولذلك تحرض من الخلف بشأن مسألة انسحاب القوات التركية من سوريا.

ويقول من ناحية أخرى، إن "الوجود الإيراني كميليشيات يرتبط بضعف سوريا، وعندما يكون هناك جيش فلا داعي لبقاء الميليشيات والحرس الثوري".

لكن الفندي يستبعد أن يكون هناك تصادم كبير بين الروس والإيرانيين في سوريا، ويضيف أن موسكو تحاول إدارة علاقتها مع طهران بالتوازي مع "تقوية سوريا من خلف الستار على صعيد المؤسسات والجيش".

ومن المستبعد أن يضحي النظام السوري بعلاقاته الاستراتيجية والعضوية مع إيران في المستقبل القريب، كما يرجح الباحث السوري، أحمد القربي، وذلك لأن الأمر "خارج إرادته"، وهو ما بدا واضحا بعد التطبيع العربي مع دمشق.

ويوضح الباحث أن "كل المؤشرات تذهب باتجاه أن نظام الأسد لا يمتلك الإرادة في التخلي عن إيران.. ولو كانت هناك ضغوط روسية".