A nurse prepares a syringe for a patient infected with the coronavirus in the intensive care unit at the Syrian American…
تحاول إيران التحكّم بقطاع يصفه السوريون بـ"الخطير"، لأنه يتعلق بشكل مباشر بحياتهم وصحّتهم- تعبيرية

من خلال سياسة "القوة الناعمة" تواصل إيران سعيها إلى مزيد من التغلغل في مفاصل حيويّة داخل مناطق سيطرة النظام السوري، بعيداً من القطاع العسكري وتجنيد الميليشيات والأطفال، بما يؤسّس لطهران تأثيراً بعيد المدى في حياة السوريين، واستثماراً مادياً ومعنوياً لتمكين جذورها في سوريا.

مفاصل "القوة الناعمة" التي تنتهجها إيران تشمل إنشاء مراكز ثقافية للترويج لإيديولوجيتها، وتوزيع مساعدات غذائية في مناطق نفوذها، ومحاولة استقطاب الطلاب المتفوّقين من خلال "تكريمهم"، وإقامة مهرجانات متعدّدة الفعاليات، وإعادة ترميم حدائق ومنشآت سياحيّة، ومن بينها أيضاً محاولة التحكّم بقطاع يصفه السوريون بـ"الخطير"، لأنه يتعلق بشكل مباشر بحياتهم وصحّتهم، وهو القطاع الطبي والدوائي.

 

مراكز صحّية "مسيّسة"

أوردت شبكة "عين الفرات" المَعنية بتغطية أخبار المنطقة الشرقية، أن المليشيات الإيرانية عيّنت المدعو "الحاج رضا" الإيراني، مديراً لمركز الشفاء الإيراني في قرية حطلة شرقي مدينة دير الزور.

ونقلت الشبكة عن "مصادر خاصة" أن إدارة "مستوصف الشفاء" في حطلة، كانت أوقفت في يوليو الماضي منح المعاينة المجانيّة لغير المنتسبين لمليشيات إيران، في خطوة قالت الشبكة إنها تهدف "إلى الضغط على الأهالي من أجل إجبارهم على ضم أبنائهم إلى صفوف المليشيات"، وسط تجاهل النظام السوري متطلّبات الأهالي بإنشاء مركز صحي متكامل لأهالي القرية.

وفي مارس 2022، قالت مواقع سورية محلّية، إن ما يسمّى "المركز الثقافي الإيراني" في مدينة دير الزور، افتتح "مشفى السلوم الخاص" (أو ما يُعرف بمشفى النور) بعد نحو عام من بدء الترميم، وذلك بدعم مباشر من "منظمة جهاد البناء"(منظّمة إيرانية)، المسؤولة عن المشاريع الإيرانية في المحافظة.

وقال موقع "فرات بوست" المحلّي حينها إن الحرس الثوري الإيراني عمد إلى إنشاء بعض النقاط الطبية التابعة له، أو التي استولى عليها في محافظة دير الزور، ومنها: مشفى "الفرات" في مدينة دير الزور، مشفى "الشفاء" في مدينة الميادين، مشفى "الشفاء" في مدينة العشارة، مشفيا "القدس" و"الشفاء" في مدينة البوكمال، كما حولت الميليشيات الإيرانية مشافي أخرى إلى مقرات ومنعت إعادة ترميمها مثل: المشفى الوطني ومشفى "عائشة" في البوكمال، ومشفى "الحكمة" في العشارة، ومشفى "الطب الحديث" في مدينة الميادين.

يضاف إلى الجهود الإيرانية في توسيع النفوذ عن طريق القطاع الطبي، قيام ما يسمى "لجنة الصداقة الإيرانية السورية"، التي تشرف عليها شخصيات تابعة للحرس الثوري الإيراني، بتوزيع مساعدات طبية في مدن البوكمال والميادين ودير الزور وسواها، وتشمل المساعدات أمصال طبية، وأجهزة تعقيم، ومضادات حيوية ومعقّمات.

مكاسب إيران

الصحفي الاستقصائي مختار الإبراهيم يقول لـ"ارفع صوتك"، إن القطاع الصحّي في أي دولة هو من أشدّ القطاعات حيويّة، وإنه يمسّ شرائح المجتمع وطبقاته وأعماره كلها، وهذا ما يحقّق لإيران في النموذج السوري مثلاً، مجالاً أوسع لزرع وجود طويل الأمد في المجتمع، من خلال أدوات غير عسكرية.   

وحول مكاسب إيران المادّية من الهيمنة على هذا القطاع يقول الإبراهيم إنه "ذو ربحيّة عالية جداً، في حال تمّت خصخصته"، ويشرح الصحفي معنى "الخصخصة" هنا بأن النظام السوري يتواطأ لمنح إيران نفوذاً واسعاً وتشغيل مراكزها الصحية، من خلال التعطيل المتعمّد للمشافي الحكومية، عن طريق التقصير في إمدادها باحتياجاتها، أو عن طريق عدم تلبية الشروط المادّية للأطباء والممرضين، ما يؤدّي إلى استنزاف القطاع الحكومي وعدم قدرته على تلبية احتياجات السكان.

وهذا بالضبط ما يرويه محمد .س (لم يكشف عن هويته لأسباب أمنية)، وهو أحد سكان مدينة دير الزور، حيث يكشف لـ"ارفع صوتك" أن المشفى الحكوميّ الأساسي في المدينة، وهو مشفى "الأسد"، غير قادر على تلبية الاحتياجات الطبية لسكان المدينة، بسبب ضعف الإمكانات والتجهيزات، ولذلك يلجأ السكان إلى المشافي الخاصة التي تشرف عليها وتستثمر فيها أذرع إيران، "لأنها تبقى أقلّ تكلفة من السفر للطبابة إلى دمشق"، وفق تعبيره.

 

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".