منذ أواخر 2022 تشهد المناطق السورية الخاضعة لسيطرة النظام أزمة كبيرة في المحروقات- تعبيرية
منذ أواخر 2022 تشهد المناطق السورية الخاضعة لسيطرة النظام أزمة كبيرة في المحروقات- تعبيرية

ما إن قلّصت حكومة النظام السوري الدعم عن المحروقات وما تبع ذلك من إصدار مرسوم رئاسي بزيادة رواتب العاملين بنسبة 100 بالمئة حتى خيمّت حالة من "الإرباك الشديد والشلل" على عموم المحافظات السورية، وعلى عكس "تطمينات" الرواية الرسمية يرى محللون اقتصاديون أن "الأيام المقبلة ستكون على السوريين أشد وأصعب".

وكان رئيس النظام السوري، بشار الأسد قد أصدر، ليلة الأربعاء، مرسوما تشريعيا قضى بزيادة رواتب العاملين في مؤسسات الدولة بنسبة 100 بالمئة. وجاء ذلك بعد قرار أصدرته "وزارة الداخلية وحماية المستهلك" في حكومته، وقضى برفع أسعار البنزين والمازوت في البلاد، إلى مستويات غير مسبوقة.

وبموجب قرار الوزارة تم توحيد سعر بنزين أوكتان 90 المدعوم والحر ليبلغ 8 آلاف ليرة لليتر الواحد، في حين تم رفع سعر البنزين أوكتان 95 من 10 آلاف ليرة إلى 13500 ليرة.

وشملت الزيادة رفع سعر المازوت المدعوم للمستهلك ليصبح 2000 ليرة للتر الواحد، وكذلك أصبح سعر مبيع مادة المازوت الصناعي المقدم لكل من "الزراعة خارج المخصصات المدعومة والصناعات الزراعية والمشافي الخاصة ومعامل الأدوية" 8000 ليرة سورية للتر الواحد.

وأثار التزامن الحاصل بين هذين القرارين الكثير من الجدل بين أوساط السوريين، لاسيما أنه لم تمض ساعة واحدة فقط على رفع الدعم الخاص بالمحروقات ليتجه الأسد إلى زيادة الرواتب بمقدار الضعف. 

وتعيش المحافظات السورية الخاضعة لسيطرة النظام السوري منذ سنوات كارثة معيشية، ورغم أن تداعياتها ليست بجديدة على السوريين، جعل استعار الأسعار ومعدلات التضخم وتدهور قيمة الليرة خلال الأيام الماضية حياة المواطنين "سوداء".

واعتبر محللون اقتصاديون تحدثوا لموقع "الحرة" أن الزيادة في الرواتب التي أقرها الأسد "تبخرت قبل أن تصل"، وأوضحوا أن القرارين اللذين صدرا خلال الساعات الماضية سيزيدان من معدلات التضخم في البلاد، ويدفعان السكان إلى مزيد من الفقر.

وتحدثت وسائل إعلام محلية مقربة من النظام السوري، الأربعاء، من بينها "إذاعة شام إف إم" عن "حالة من التخبط والفوضى بتسعير المواد الغذائية والخضار، في مختلف الأسواق الرئيسية، بعد قرارات رفع أسعار المحروقات".

ونشرت صحيفة "تشرين" الحكومية عدة صور من داخل العاصمة السورية دمشق، أظهرت فيها "حالة من الإرباك الشديد في حركة تأمين المواطنين لوسائل النقل بعد ارتفاع أسعار الوقود"، وانسحب هذا الحال على بقية المحافظات، من بينها مدينة حمص.

من جهته أشار الصحفي السوري، نضال معلوف إلى أن "معظم الناس في مناطق النظام بقوا في بيوتهم ومن غادروا بقوا هائمين على وجوههم لا يدرون ماذا يفعلون"، مضيفا أن "القرارت التي صدرت ليلة الأربعاء بزيادة أسعار المحروقات شلّت البلد" بالكامل.

 

"تمهيد سابق"

ويأتي قرار رفع الدعم عن المحروقات في سوريا ومرسوم زيادة الرواتب في وقت تواصل قيمة الليرة السورية التدهور في سوق العملات الأجنبية، إذ كسرت صباح الأربعاء حاجز 15 ألف ليرة مقابل الدولار الأميركي الواحد، بحسب سعر صرف السوق الموازي.

كما جاءت القرار والمرسوم بعد أيام من "جلسة استثنائية" عقدها "مجلس الشعب السوري" لمناقشة التدهور الاقتصادي الحاصل، وألمح خلالها رئيس الحكومة السورية، حسين عرنوس إلى "رفع الدعم بشكل كامل قريبا عن العديد من المواد وأولها المشتقات النفطية".

وبحسب ما قال عرنوس، في 24 من يوليو الماضي: "يشهد الاقتصاد الوطني حالة واضحة من عدم الاستقرار ربما يكون عنوانها الأبرز الارتفاع المتسارع والكبير لسعر صرف العُملة الأجنبية، وما يرافق ذلك من تراجع القوة الشرائية التي ترهق ذوي الدخول المحدود على وجه الخصوص". 
وفي حين اعتبر أن "هذه الظاهرة تستدعي إجراءات دقيقة بعضها آني وبعضها الآخر استراتيجي، وبعضها محلي الأبعاد وبعضها الآخر خارجي"، كشف أن "الحكومة لا تمتلك هوامش تحرك مناسبة حياله"، وألمح إلى نية الاتجاه لرفع الدعم عن مواد أساسية يحتاجها المواطنون في المرحلة المقبلة، كجزء من الدراسة التي بدأوها قبل أشهر.

 

ماذا حصل؟

وتتناسب الزيادة التي أقرها الأسد مع الارتفاع الحاد بقيمة الدولار، وبنفس نسبة نقص القيمة الحقيقية للرواتب بالمقارنة مع سعر الصرف التوازني السابق حول 7500 للدولار الأميركي الواحد، حسب ما يقول عبد المنعم الحلبي. 

ويوضح الحلبي الدكتور في العلاقات الاقتصادية والدولية، والموظف السابق في مصرف سوريا المركزي أن "تمويل الزيادة جاء من الاعتمادات الخاصة بدعم المشتقات النفطية المتبقية عن الثلث المتبقي من السنة المالية".

"القرار والمرسوم من حيث النتيجة عبارة عن عملية مناقلة ضمن الموازنة المقررة للسنة المالية 2023، وضمن عملية طارئة للتنفيس عن الشارع".

ويضيف الحلبي مستدركا في حديثه لموقع "الحرة" أنها "لن تكون مفيدة ولا حتى على المدى القريب".

ومن المتوقع أن "يزداد سعر الدولار باستمرار بسبب عوامل متنوعة، أهمها خروجه من السوق"، و"قد يصل أو يتجاوز حاجز العشرين ألف في غضون بضعة أشهر".

ويتابع الاقتصادي السوري: "بالتالي ستبقى معدلات التضخم ضمن حلقة مفرغة مزمنة".

و"لا تواكب الزيادة في الرواتب الظروف المعيشية التي يعاني منها المواطن السوري"، حسب ما يقول الباحث الاقتصادي السوري في مركز "عمران للدراسات الاستراتيجية"، مناف قومان.

ويوضح قومان لموقع "الحرة" أن "الظروف المعيشية وإذا ما أردنا تعريفها هي عرق جبين العامل الذي يكد ويتعب سواء في القطاع العام أو الخاص خلال 8 ساعات على مدار 5 أيام في الأسبوع".

و"يحصل العامل لقاء عمله على أجر وراتب بالكاد يكفيه أول أسبوع من الشهر، جراء الارتفاعات الحاصلة في الأسعار وانهيار الإنتاج ومنظومة الدعم االاجتماعي".

ويضيف الباحث أن "النظام لا يكيل اهتمام بالورقة النقدية وكم تشتري له من سلع وخدمات، وبالتالي لا يكيل اهتمام لا بعامل ولا مواطن وظروف معيشتهما".

وكانت موازنة العام 2023 قد أقرت زيادة على دعم المحروقات بنسبة 11 بالمئة، من 2,700 مليار ليرة إلى 3,000 مليار، و"حتى هذه اللحظة لم يصدر قرار قطعي بترك السعر للسوق لتحديده".

ويرى الباحث أنه "من الواضح اتجاه النظام السوري عاجلا أم آجلا للتخلي عن دعم المشتقات النفطية مقابل تحميل عبئها للسوق". ومع ذلك "ربما يحافظ بشكل أو بآخر على دعم مادة الدقيق التمويني على الأقل في المدى المنظور نظرا لظروف إنتاج القمح الوفير".

 

"تبخرت قبل أن تصل"

وفي مارس الماضي كان "برنامج الأغذية العالمي" قال إن حوالي 12.1 مليون شخص في سوريا، أي أكثر من نصف عدد السكان، يعانون من انعدام الأمن الغذائي، مما يجعلها من بين البلدان الستة التي تعاني من أعلى معدلات انعدام الأمن الغذائي في العالم.

ويعزى هذا التدهور في الأمن الغذائي إلى أسباب عدة، بينها اعتماد البلاد الشديد على الواردات الغذائية، بعدما كانت تتمتع باكتفاء ذاتي في إنتاج الغذاء في الحقبة الماضية.

وبحسب "برنامج الأغذية العالمي"، فإن متوسط الأجر الشهري في سوريا يغطي حاليا حوالي ربع الاحتياجات الغذائية للأسرة فقط، وتظهر أحدث البيانات أن سوء التغذية آخذ في الارتفاع، مع وصول معدلات التقزم بين الأطفال وسوء التغذية لدى الأمهات إلى مستويات غير مسبوقة.

وتشير دراسة للباحث في مركز "عمران للدراسات الاستراتيجية"، محسن مصطفى، إلى أن الموظفين في سوريا لا يعتمدون على رواتبهم التي لا تكاد تكفي عدة أيام، بل على مصادر دخل متنوعة.

ومن هذه المصادر: الحوالات المالية القادمة من الخارج، أو العمل بوظيفة ثانية في القطاع الخاص، بالإضافة لذلك قد يمتد الاعتماد على مصادر دخل غير مشروعة نتيجة الفساد المالي والرشاوى في الدوائر والمؤسسات الحكومية.

وتظهر سياسة النظام بما يتعلق بالرواتب، بأنها "دافعة نحو عسكرة المجتمع وتحويل العسكرة لمهنة كبقية المهن، وهو ما تم فعلا من خلال التعاقد معهم كمرتزقة ضمن الميليشيات أو إرسال المرتزقة إلى مناطق نزاع مسلح تحت إشراف روسي".

وهي "دافعة أيضا نحو الهجرة، تُضاف لمجموعة من العوامل الأخرى الدافعة لها، خصوصا لأولئك المتعلمين وأصحاب الشهادات العلمية".

ويوضح الباحث الاقتصادي قومان أن "انعكاس قرار تقليص الدعم ومرسوم الأسد بزيادة الرواتب حلّ سريعا على مشهد البلاد"، إذ وصل سعر صرف الدولار أمام الليرة 15 ألف ليرة، و"تباعا سترتفع الأسعار في الأسواق".

ويقول قومان: "الزيادة في الرواتب تآكلت أوتبخرت قبل أن تصل إلى يد الموظف والعامل".

و"يدرك النظام أن أي زيادة بدون تغطية حقيقية من النقد الأجنبي والنمو في الإنتاج ستعبر عن زيادة وهمية في ظل غياب النقد والنمو، ولذلك لا يزيد الرواتب بوتيرة قريبة ولا كبيرة".

ويشير قومان إلى أن "الزيادة السابقة كانت في عام 2021 وبنسبة 30 بالمئة"، موضحا أن "مقاربة النظام تقوم على ترحيل الأزمة الاقتصادية حتى تتهيئ ظروف أفضل تمكنه من إصلاح الأوضاع أكثر مما عليه الآن".

ويعتقد الصحفي السوري، مختار الإبراهيم أن "القرارات التي صدرت ليلة الأربعاء تقود إلى رفع نسب التضخم لا أكثر"، وأن "رفع أسعار المحروقات بنسبة تزيد عن نسبة رفع الرواتب لا تتناسب إطلاقا".

"الرواتب يجب أن يكون رفعها بنسبة 500 بالمئة حتى يشعر المواطن بنوع من الدعم الحكومي في مواجهة الغلاء والانهيار الحاصل".

ويضيف الإبراهيم لموقع "الحرة": "الراتب بـ10 دولارات وكل الأسعار ارتفعت وتضاعفت. هي عملية تضخيم السوق وتضخيم كافة السلع من بينها القطع الأجنبي".

وعلى مدى الأيام الماضية دارت أحاديث مسبقة عن "رفع الدعم عن سلع وقطاعات، من بينها الكهرباء"، وإن حصل ذلك في المرحلة المقبلة "سيكون تمهيدا وتأكيدا للتوجه نحو الخصخصة"، حسب ما يرجح المتحدث.

ويقول الصحفي: "رفع الدعم سوف يوازيه توجه نحو الخصخصة. هذا خطير ويمهد لترتيبة اقتصادية خاصة للبلاد".

وفي غضون ذلك يوضح الإبراهيم أن "الحديث عن الخصخصة لا يمكن فصله عن الانهيار الحاصل"، وأن "الشركات الإيرانية باتت تهيئ الأرضية القانونية لهذا الموضوع".

"الاتفاقيات الحاصلة والزيارات المكوكية كلها تشير إلى ذلك بشكل أو بآخر. قطاع الكهرباء هو الأخطر وقد ينتهي الحال في سوريا بما وصل إليه العراق، إذ يدفع من 3 إلى 4 مليارات دولار سنويا لطهران مقابل عائدات الشبكة، في حين هذا المبلغ كفيلا بتأسيس محطات وطنية خاصة"، حسب الصحفي السوري.

 

"التضخم سيستعر"

وكانت مواقع إخبارية محلية قد تحدثت، الأسبوع الماضي، عن "جملة قرارات سوف تصدر قريبا تتضمن تحريرا لأسعار المشتقات النفطية، ورفع أسعار الخبز والكهرباء مقابل زيادة على الرواتب والأجور".

وما سبق تأكد بالفعل من خلال قرار وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك ومرسوم رئيس النظام السوري، بشار الأسد.

ويتوقع المحلل الاقتصادي، زياد غصن في مقال تحليلي نشره موقع "أثر برس" المحلي أن "تشهد البلاد موجتين شديدتين من التضخم، وستؤثران بعمق على الإنتاج والاستهلاك معا في الأيام المقبلة".

الموجة الأولى "ناجمة عن رفع الحكومة أسعار حوامل الطاقة، وهذه ستكون كافية لرفع سعر حتى الهواء"، حسب تعبيره.

أما الموجة الثانية، وفق غصن "ستكون بسبب زيادة الرواتب، فالقطاع الخاص الذي سوف يضطر إلى إجراء زيادة مشابهة على رواتب عامليه سيقوم في النهاية بتحميل منتجه النهائي تكاليف تلك الخطوة، أي أن هناك زيادة ثانية على سعر المنتج".

ويوضح الإبراهيم أن "أي زيادة أو رفع أسعار أو ضخ عملة إذا لم تترافق مع  إنتاج حقيقي واقتصاد يغطي هذا الرفع هي بمثابة صناعة التضخم وزيادة نسبته، وهو ما يحصل في البلاد الآن. النظام يوزّع عملة دون إنتاج".

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".