In this photo released by Suwayda24, people stage a protest in the southern city of Sweida, Syria, Tuesday, Aug 22, 2023…
على نحو متسارع وغير مسبوق تتوسّع مظاهر الاحتجاجات والإضرابات المدنيّة في عموم محافظة السويداء

"لم نعُد نحتمل، يحكمنا نظام يريد فقط الحفاظ على كرسيّه، ولا يهتمّ بالمعاناة التي نعيشها منذ بداية الحرب، أصبحت وجبة الطعام همّاً ثقيلاً لا نقدر عليه، إلى متى يستمرّ ذلك؟"، سؤال يطرحه هيثم. ع وهو أحد سكان مدينة السويداء، خلال مشاركته بوقفة احتجاجيّة تنديداً بتردّي الأوضاع المعيشية والانهيار الاقتصادي المتسارع في مناطق النظام السوري.

جاء ذلك على خلفية إعلان النظام السوري رفع قيمة الرواتب للموظفين والمتقاعدين بنسبة 100 بالمئة، واقترن القرار برفع الدعم عن المحروقات، بما يشمل الديزل والبنزين والغاز، ليرفع أسعارها بنحو ثلاثة أضعاف، ما خلق غضباً واسعاً في الشارع السوري.

 

احتجاجات وإضرابات غير مسبوقة

على نحو متسارع وغير مسبوق، تتوسّع مظاهر الاحتجاجات والإضرابات المدنيّة في عموم محافظة السويداء، وأحصت مواقع محلية أكثر من 40 نقطة احتجاج، الأحد، وهو ما يُعدّ تطوّراً لافتاً في مسار الاحتجاجات في المحافظة الجنوبية، التي بقيت بعيدة عن المواجهات المسلحة بين السكان وقوات النظام السوري طوال 12 عاماً من الحرب السورية.

        

ساحة السير/الكرامة: "برا برا برا.. بشار يطلع برا".. "من السويداء الشعب الموجوع نحنا طلعنا وما في رجوع".. #إضراب_السويداء

Posted by ‎السويداء 24‎ on Sunday, August 20, 2023

مَطالب المحتجّين الذين تتوسّع أعدادهم بدأت يوم الخميس الماضي بهتافات تخص الوضع المعيشي، غير أن سقف المظاهرات ارتفع ليشمل مطالب سياسية، أبرزها إسقاط النظام السوري، وتطبيق القرار الأممي 2254(المتعلق بوقف اطلاق المار والتوصل إلى تسوية سياسية للوضع في سوريا، واجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة)، كحلّ وحيد يُخرج البلد من دوامة الانحدار، بحسب ما نقلت شبكة "السويداء 24" عن المتظاهرين.

الإضراب المدني عمّ عشرات المناطق في السويداء، حيث أغلقت المحالّ التجارية، ولم تستقبل الدوائر الحكومية أي مراجعين، كما أعلنت الجامعات تأجيل امتحانات الطلاب.

ولليوم الرابع على التوالي، أعلن متظاهرون في بلدة القريّا جنوب السويداء، البدء بإضراب عام، محذّرين من التصعيد في حال لم تتجاوب السلطة مع مطالبهم.

وفي إعلان صادر عن أهالي البلدة، نقلته شبكة "السويداء 24" المحليّة، ندّد المحتجّون بما أسموه "قرارات غبيّة ورعناء"، في إشارة إلى قرار رفع الدعم عن المحروقات.

واختار أهالي القريّا تنظيم الوقفة أمام ضريح سلطان باشا الأطرش، لما يستدعيه ذلك من رمزية لدى أهالي المحافظة التي تسكنها غالبية من "الموحّدين الدروز"، ويُعد الأطرش أحد أبرز رجالات "الثورة السورية الكبرى" التي اندلعت ضد الانتداب الفرنسي في أربعينات القرن الماضي.

"سوريا لينا وما هي لبيت الأسد"، و"خسا من قال عيشتنا ذليلة"، إضافة إلى "الشعب يريد إسقاط النظام"، هي بعض الهتافات التي صدح بها محتجّون في ساحة السير وسط مدينة السويداء، في إشارة إلى تعمّد النظام السوري التضييق المعيشي، وهو ما ينسف –بحسب ما نقل ناشطون لموقع "ارفع صوتك"، رواية النظام السوري عن أن العقوبات الاقتصادية هي السبب فيما يحصل.

عاجل: هتافات تطالب بالحرية ورحيل الأسد في ساحة السير وسط مدينة #السويداء الآن

Posted by ‎السويداء 24‎ on Sunday, August 20, 2023

الصحفي السوري ريان معروف، وهو مسؤول تحرير موقع "السويداء 24"، يتوقّع استمرار الاحتجاجات خلال الأيام القادمة، مؤكداً أن زخمها سيزداد مع الدعوات للإضرابات العامّة، التي اعتبرها "تطوّراً لافتاً" في طبيعة الاحتجاجات التي تشهدها السويداء ضد النظام السوري.

 

تصعيد الاحتجاجات رغم القمع

معلوف يقول لـ"ارفع صوتك" إن الدعوات إلى تنفيذ إضرابات شاملة في السويداء تلقى صدًى كبيراً لدى أبناء المحافظة. ويتابع: "بدأت بعض القرى بإغلاق البلديات والمكاتب الحزبية التابعة لحزب البعث، ناهيك عن إضراب وسائط النقل العامة على الخطوط الداخلية. كما نلاحظ مشاركة فئات جديدة في المظاهرات والاحتجاجات، ومشاركة بلدات لم تشهد أي احتجاجات منذ عام 2011، انضمّت في الأيام الماضية إلى هذا الحراك".

ويؤكد الصحفي السوري أن الاحتجاجات في السويداء تتكرر منذ العام 2018، ويحمّل "القبضة الأمنية القمعية" المسؤوليّة عن توقف تلك الاحتجاجات، التي تتعاون أجهزة النظام الأمنية مع "فرق الشبيحة" في "قمعها واعتقال الأهالي، وفصل الموظّفين كعقاب على مشاركتهم في الاحتجاجات"، على حدّ قوله.

ويقول ناشطون سوريون إن النظام السوري يتعامل مع احتجاجات محافظة السويداء بـ"خصوصيّة" تختلف عن بقيّة المحافظات، التي تعرّض المتظاهرون فيها إلى إطلاق الرصاص الحي، بينما "يخشى النظام من إراقة دماء في السويداء بسبب طبيعتها الديمغرافية، حيث إن الغالبية العظمى من سكانها من "الموحدين الدروز"، وأي عنف من قبل النظام السوري فيها سيُسقط روايته بأنه يحمي الأقليّات ويدافع عن حقوقها"، بحسب الناشط أمجد سليمان، الذي طلب إلينا استخدام اسمه المستعار هذا، الذي يكتب فيه تدوينات معارضة للنظام، خوفاً من الاعتقال.

    

دعم رجال الدين

وفي دلالة لافتة على دعم مطالب المحتجّين، أصدرت الرئاسة الروحية للمسلمين الدروز بياناً باسم الشيخ حكمت الهجري، عبّر فيه عن "قلقه العميق" إزاء الأوضاع الحالية داعياً إلى التحرك من أجل "تحقيق التغيير وتحقيق العدالة".

وتوجّه بيان الرئاسة الروحية إلى المحتجّين بالقول: "من حقّكم أن تطالبوا بالعيش الكريم ولن نرضى بالحد الأدنى.. ومن العيب أن نرى هذا التدمير ونبقى صامتين".

وتابع البيان: "أصبحنا أمام غرباء استباحوا مقدّراتنا وخيراتنا بطرق مشكوك بأمرها، وخلت المواقع من الصادقين بالتعامل مع كل تلك المحن"، في اتهام مباشر للنظام السوري بعدم قدرته على إدارة البلاد.

معلوف استبعد أن يقوم النظام السوري بتلبية مطالب المتظاهرين، وتوقع أن يرتفع سقف المطالب وتتوسع رقعة الاحتجاجات أمام "عجز النظام عن التغيير واحتواء الغضب الشعبي"، ويختم بالقول: "النظام ليس لديه ما يقدّمه، لا إصلاحات خاصّة بالسويداء ولا في عموم مناطق سيطرته، والشارع يدرك ذلك، وهذا ما يزيد من حالة استيائه وغضبه".

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.