"لم نعُد نحتمل، يحكمنا نظام يريد فقط الحفاظ على كرسيّه، ولا يهتمّ بالمعاناة التي نعيشها منذ بداية الحرب، أصبحت وجبة الطعام همّاً ثقيلاً لا نقدر عليه، إلى متى يستمرّ ذلك؟"، سؤال يطرحه هيثم. ع وهو أحد سكان مدينة السويداء، خلال مشاركته بوقفة احتجاجيّة تنديداً بتردّي الأوضاع المعيشية والانهيار الاقتصادي المتسارع في مناطق النظام السوري.
جاء ذلك على خلفية إعلان النظام السوري رفع قيمة الرواتب للموظفين والمتقاعدين بنسبة 100 بالمئة، واقترن القرار برفع الدعم عن المحروقات، بما يشمل الديزل والبنزين والغاز، ليرفع أسعارها بنحو ثلاثة أضعاف، ما خلق غضباً واسعاً في الشارع السوري.
احتجاجات وإضرابات غير مسبوقة
على نحو متسارع وغير مسبوق، تتوسّع مظاهر الاحتجاجات والإضرابات المدنيّة في عموم محافظة السويداء، وأحصت مواقع محلية أكثر من 40 نقطة احتجاج، الأحد، وهو ما يُعدّ تطوّراً لافتاً في مسار الاحتجاجات في المحافظة الجنوبية، التي بقيت بعيدة عن المواجهات المسلحة بين السكان وقوات النظام السوري طوال 12 عاماً من الحرب السورية.
ساحة السير/الكرامة: "برا برا برا.. بشار يطلع برا".. "من السويداء الشعب الموجوع نحنا طلعنا وما في رجوع".. #إضراب_السويداء
Posted by السويداء 24 on Sunday, August 20, 2023
مَطالب المحتجّين الذين تتوسّع أعدادهم بدأت يوم الخميس الماضي بهتافات تخص الوضع المعيشي، غير أن سقف المظاهرات ارتفع ليشمل مطالب سياسية، أبرزها إسقاط النظام السوري، وتطبيق القرار الأممي 2254(المتعلق بوقف اطلاق المار والتوصل إلى تسوية سياسية للوضع في سوريا، واجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف الأمم المتحدة)، كحلّ وحيد يُخرج البلد من دوامة الانحدار، بحسب ما نقلت شبكة "السويداء 24" عن المتظاهرين.
الإضراب المدني عمّ عشرات المناطق في السويداء، حيث أغلقت المحالّ التجارية، ولم تستقبل الدوائر الحكومية أي مراجعين، كما أعلنت الجامعات تأجيل امتحانات الطلاب.
ولليوم الرابع على التوالي، أعلن متظاهرون في بلدة القريّا جنوب السويداء، البدء بإضراب عام، محذّرين من التصعيد في حال لم تتجاوب السلطة مع مطالبهم.
وفي إعلان صادر عن أهالي البلدة، نقلته شبكة "السويداء 24" المحليّة، ندّد المحتجّون بما أسموه "قرارات غبيّة ورعناء"، في إشارة إلى قرار رفع الدعم عن المحروقات.
واختار أهالي القريّا تنظيم الوقفة أمام ضريح سلطان باشا الأطرش، لما يستدعيه ذلك من رمزية لدى أهالي المحافظة التي تسكنها غالبية من "الموحّدين الدروز"، ويُعد الأطرش أحد أبرز رجالات "الثورة السورية الكبرى" التي اندلعت ضد الانتداب الفرنسي في أربعينات القرن الماضي.
"سوريا لينا وما هي لبيت الأسد"، و"خسا من قال عيشتنا ذليلة"، إضافة إلى "الشعب يريد إسقاط النظام"، هي بعض الهتافات التي صدح بها محتجّون في ساحة السير وسط مدينة السويداء، في إشارة إلى تعمّد النظام السوري التضييق المعيشي، وهو ما ينسف –بحسب ما نقل ناشطون لموقع "ارفع صوتك"، رواية النظام السوري عن أن العقوبات الاقتصادية هي السبب فيما يحصل.
عاجل: هتافات تطالب بالحرية ورحيل الأسد في ساحة السير وسط مدينة #السويداء الآن
Posted by السويداء 24 on Sunday, August 20, 2023
الصحفي السوري ريان معروف، وهو مسؤول تحرير موقع "السويداء 24"، يتوقّع استمرار الاحتجاجات خلال الأيام القادمة، مؤكداً أن زخمها سيزداد مع الدعوات للإضرابات العامّة، التي اعتبرها "تطوّراً لافتاً" في طبيعة الاحتجاجات التي تشهدها السويداء ضد النظام السوري.
تصعيد الاحتجاجات رغم القمع
معلوف يقول لـ"ارفع صوتك" إن الدعوات إلى تنفيذ إضرابات شاملة في السويداء تلقى صدًى كبيراً لدى أبناء المحافظة. ويتابع: "بدأت بعض القرى بإغلاق البلديات والمكاتب الحزبية التابعة لحزب البعث، ناهيك عن إضراب وسائط النقل العامة على الخطوط الداخلية. كما نلاحظ مشاركة فئات جديدة في المظاهرات والاحتجاجات، ومشاركة بلدات لم تشهد أي احتجاجات منذ عام 2011، انضمّت في الأيام الماضية إلى هذا الحراك".
ويؤكد الصحفي السوري أن الاحتجاجات في السويداء تتكرر منذ العام 2018، ويحمّل "القبضة الأمنية القمعية" المسؤوليّة عن توقف تلك الاحتجاجات، التي تتعاون أجهزة النظام الأمنية مع "فرق الشبيحة" في "قمعها واعتقال الأهالي، وفصل الموظّفين كعقاب على مشاركتهم في الاحتجاجات"، على حدّ قوله.
ويقول ناشطون سوريون إن النظام السوري يتعامل مع احتجاجات محافظة السويداء بـ"خصوصيّة" تختلف عن بقيّة المحافظات، التي تعرّض المتظاهرون فيها إلى إطلاق الرصاص الحي، بينما "يخشى النظام من إراقة دماء في السويداء بسبب طبيعتها الديمغرافية، حيث إن الغالبية العظمى من سكانها من "الموحدين الدروز"، وأي عنف من قبل النظام السوري فيها سيُسقط روايته بأنه يحمي الأقليّات ويدافع عن حقوقها"، بحسب الناشط أمجد سليمان، الذي طلب إلينا استخدام اسمه المستعار هذا، الذي يكتب فيه تدوينات معارضة للنظام، خوفاً من الاعتقال.
دعم رجال الدين
وفي دلالة لافتة على دعم مطالب المحتجّين، أصدرت الرئاسة الروحية للمسلمين الدروز بياناً باسم الشيخ حكمت الهجري، عبّر فيه عن "قلقه العميق" إزاء الأوضاع الحالية داعياً إلى التحرك من أجل "تحقيق التغيير وتحقيق العدالة".
وتوجّه بيان الرئاسة الروحية إلى المحتجّين بالقول: "من حقّكم أن تطالبوا بالعيش الكريم ولن نرضى بالحد الأدنى.. ومن العيب أن نرى هذا التدمير ونبقى صامتين".
وتابع البيان: "أصبحنا أمام غرباء استباحوا مقدّراتنا وخيراتنا بطرق مشكوك بأمرها، وخلت المواقع من الصادقين بالتعامل مع كل تلك المحن"، في اتهام مباشر للنظام السوري بعدم قدرته على إدارة البلاد.
معلوف استبعد أن يقوم النظام السوري بتلبية مطالب المتظاهرين، وتوقع أن يرتفع سقف المطالب وتتوسع رقعة الاحتجاجات أمام "عجز النظام عن التغيير واحتواء الغضب الشعبي"، ويختم بالقول: "النظام ليس لديه ما يقدّمه، لا إصلاحات خاصّة بالسويداء ولا في عموم مناطق سيطرته، والشارع يدرك ذلك، وهذا ما يزيد من حالة استيائه وغضبه".
