صورة أرشيفية متداولة في مواقع التواصل للقيادي في "هيئة تحرير الشام"، المدعو أبو ماريا القحطاني
صورة أرشيفية متداولة في مواقع التواصل للقيادي في "هيئة تحرير الشام"، المدعو أبو ماريا القحطاني

تستمر قضية توقيف القيادي البارز في "هيئة تحرير الشام" المدعو "أبو ماريا القحطاني" في التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي وبين أوساط الجهاديين، منذرة بتصدعات جديدة.

وترددت في المنصات الرقمية منذ عدة أشهر أخبار وتسريبات مفادها أن الهيئة بصدد التحقيق مع عشرات من منتسبيها بتهم تتعلق بالتجسس والتخابر مع جهات خارجية. ولم تستطع الاستمرار في تبني سياسة الصمت لمدة طويلة خصوصا مع احتدام النقاش حول الموضوع، وتحوله إلى مادة دسمة تناولها معظم الناشطين السوريين لاسيما من مناوئي الهيئة.

واعترف الناطق الرسمي باسم جهاز العام التابع للهيئة، ضياء العمر (يوليو الماضي)، بـ "رصد تحركات مشبوهة والتحقيق في تواصلات مريبة".

وقال: "بعد عمليات بحث واستقصاء استمرت لما يزيد عن 6 أشهر، نعلن عن ضبط خلية جاسوسية تعمل لصالح جهات معادية. وبعد انتهاء مراحل التحقيق تم تقديم المتورطين إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل".

كما أشار  العمر في لقاء له مع إحدى المحطات الإذاعية المحلية إلى "وجود حوالي 54 شخصا ممن تحوم حولهم شبهات التجسس، منهم 29 شخصا تأكدت التهم الموجهة إليهم".

وأضاف أن "الموقوفين هم خليط من الشخصيات المدنية وأخرى تتبع لفصائل عسكرية وأخرى تعمل في الأجهزة الحكومية (حكومة الإنقاذ)، ولهم ارتباطات مباشرة مع المخابرات الروسية ومخابرات نظام الأسد، بينما تدور الشبه حول ارتباط بعضهم بجهات أخرى دولية".

شخصيات وقنوات معارضة لـ"هيئة تحرير الشام" أكدت أن عدد المعتقلين على ذمة التحقيق في قضايا التجسس أكبر بكثير من العدد المعلن، وأن الهيئة تتستر على حقيقة أن بنيتها التنظيمية مختَرقة من قبل المخابرات الروسية وأجهزة أخرى خارجية.

وقالت قناة "جلاد المرجئة" المقربة من تنظيم القاعدة في سوريا، إن "حوالي 150 شخصا بين عنصر وقيادي من أتباع الهيئة ثبتت عليهم تهمة العمالة لجهات متعددة كالتحالف والروس والنظام. وهناك المزيد من العملاء غير المعتقلين وآخرين قيد التحقيق".

 

توقيف القحطاني

في نهاية يوليو الماضي راجت على مواقع التواصل الاجتماعي أخبار عن توقيف "أبو ماريا القحطاني" ضمن من تم توقيفهم في ملف "خلايا التجسس"، وزاد من مصداقية هذه الأخبار توقف الرجل عن التغريد في حسابه على منصة إكس والنشر على قناته في التليغرام لحوالي أسبوعين وهو الذي اعتاد التدوين بشكل شبه يومي.

وفي 12 من أغسطس الجاري، نشر القحطاني تغريدة مقتضبة أعلن فيها أنه "قد مر بوعكة صحية وهو الآن بصحة جيدة.. ولا عزاء للمنافقين والمرجفين" على حد تعبيره.

زادت تغريدته وضعه غموضا، خصوصا بعد أن قام الصحافي المقرب من "حكومة الإنقاذ" أحمد زيدان بحذف تغريدة القحطاني بعدما أعاد توجيهها إلى قناته على تليغرام، فتأكدت الشائعات بشأن الرجل، وأن غيابه لم يكن بداعي المرض كما يدعي.

وقبل أيام، بددت هيئة تحرير الشام الشك باليقين، وأكدت في بيان لها أن القحطاني "ورد اسمه في بعض التحقيقات التي أجريت مؤخرا"، وأن القيادة العامة  "أمرت بتشكيل لجنة خاصة لمتابعة القضية، بادرت باستدعائه ومساءلته بكل شفافية ووضوح".

وقد تبين للجنة أن القحطاني "أخطأ في إدارة تواصلاته دون اعتبار لحساسية موقعه أو ضرورة الاستئذان وإيضاح المقصود من هذا التواصل، وبناء عليه أوصت بتجميد مهامه وصلاحياته"، بحسب البيان.

وأضاف أن الهيئة "ستتعامل مع هذه القضية بما يتناسب مع مصلحة الساحة وضمان أمنها واستمرار مشروعها الثوري".

 

مكانة القحطاني

وضعت هيئة تحرير الشام نفسها من خلال بيانها في منعطف مصيري، لن يؤثر على مستقبلها فحسب ولكن سيعيد إلى حد ما تشكيل الخريطة الجهادية في المنطقة بشكل عام. فالقحطاني ليس قياديا عاديا، أو إداريا يمكن "تجميد صلاحياته" وتعويضه بآخر وتنتهي المسألة عند هذا الحد.

الرجل في الواقع كان "رمزا جهادياً"، ونجح على مدار عشر سنوات في فرض أفكاره وتوجهاته على "جبهة النصرة" ثم "فتح الشام" وأخيرا هيئة تحرير الشام، وكان له دور بارز في التحولات التي عاشها التيار الجهادي، وأفضت إلى تشظيه إلى جماعات متناحرة.

القحطاني كان ثالث ثلاثة دخل معهم الجولاني إلى سوريا عندما بعثه البغدادي في 2012 لتشكيل فصيل مسلح إبان الانتفاضة السورية، وشاركا معا في تأسيس "جبهة النصرة".

وكان له دور أساسي في التمرد على أوامر البغدادي حينها، وحث الظواهري في رسائل مفتوحة على اتخاذ موقف صارم ضده، وكان من أوائل الجهاديين الذي وصفوا تنظيم داعش" أول تمدده إلى سوريا بـ"الخوارج الغلاة"، وأفتى بـ"وجوب قتالهم". وأيضاً كان المسؤول الشرعي لـ"جبهة النصرة".

والقحطاني من أوائل الذين خاضوا معارك ضد داعش في المنطقة الشرقية لسوريا، قبل أن ينحاز إلى جنوب سوريا في ذروة توسع التنظيم.

التأثير الذي تركه في بنية التيار الجهادي كان واضحا أكثر من خلال تحفظه على فكرة ارتباط "جبهة النصرة" بتنظيم القاعدة، ثم رفضه لاحقا للخطوة، وكان من أهم الأصوات التي طالبت بفك الارتباط.

وعلى مدار العقد الماضي كتب القحطاني عشرات المقالات وآلاف التغريدات، رسخ من خلالها توجهه، وحصد آلافا من المتابعين والمؤيدين في داخل سوريا وخارجها.

يمكن اعتبار فك "جبهة النصرة" ارتباطها بالقاعدة ثم تأسيس "هيئة تحرير الشام" ودخولها في حرب مع تنظيم "حراس الدين" الموالي للقاعدة، انتصارا لأفكار القحطاني وتياره داخل الهيئة.

كما أنه المسؤول تنظيميا عن ملف القاعدة وداعش في الهيئة. وتوقيفه أخيرا على ذمة قضايا ذات علاقة بخلايا التجسس والتخابر مع جهات استخباراتية أجنبية يعتبر بمثابة زلزال مدو، ستؤثر موجاته الارتدادية على "هيئة تحرير الشام" والتيار الجهادي بشكل عام.

يتمتع القحطاني بنفوذ واسع داخل "هيئة تحرير الشام"، ويمثل ما يسمى "تيار الشرقية" أو "قاطع الشرقية" في الهيئة، وهم الأعضاء والقادة المنحدرين من منطقة دير الزور، المنطقة التي استقر فيها القحطاني فترة من الزمن ونسج فيها علاقات وثيقة مع العشائر، وقاتل مع بعضها تنظيم داعش في 2014، قبل أن يتوجه إلى مدينة درعا في الجنوب فرارا من زحف داعش الذي نفذ سلسلة من المجازر الجماعية ضد العشائر أبرزها مجزرة الشعيطات الشهيرة.

إلى جانب "تيار الشرقية" أبدى قادة بارزون في "هيئة تحرير الشام" دعمهم المطلق للقحطاني، من أهمهم جهاد عيسى الشيخ المعروف بـ"أبو أحمد زكور"، وهو شخصية نافذة في الشمال السوري.

وفضلا عن علاقاته الوطيدة بعشائر مدينة حلب، وإمساكه بالملف الاقتصادي في "هيئة تحرير الشام"، وقيادته لواءا عسكريا فيها، فهو أيضا جهادي سابق حارب إلى جانب أبو "مصعب الزرقاوي" سنة 2003، وكان رفيقا قديما للقحطاني.

وكتب زكور تغريدات دفاعا عنه، واصفا إياه في إحداها بـ"الخال" و"بـ"نجم في سماء الجهاد" وأضاف في تغريدة أخرى منفصلة على حسابه في منصة إكس "أبو ماريا القحطاني أبعد ما يكون عن العمالة، وإن كان أخطأ في أمر ما فالنبي (ص) قال أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم"،معرباً عن ثقته في اللجنة التي تتولى التحقيق في القضية.

أما التيار المعارض للقحطاني الذي يتوقع أن يدفع بالتحقيق حتى نهايته، ويشدد الإجراءات ضده، فيمثله "أبو أحمد حدود"، ويُعتقد أن اسمه الحقيقي هو أنس خطاب، وهو "أمير" جهاز الأمن العام، وإحدى أخطر الشخصيات في "هيئة تحرير الشام".

يُضاف إليه، كل من "أبو محمد منظمات" وهو المسؤول عن التحقيق ومتابعة قضية الجواسيس، ويعتبر صندوقاً أسود، فهو أحد المطلعين على أكثر الملفات غموضاً في الشمال السوري، وعبد الرحيم عطون القيادي الشرعي في الهيئة.

كما يُتوقع أن تنحاز كتل المهاجرين إلى التيار المعارض للقحطاني. 

انعكاس هذه القضية على التيار الجهادي بشكل عام يمكن ملاحظة مؤشراته المبكرة في مواقف بعض شيوخ السلفية الجهادية الذين انحاز بعضهم للقحطاني، مثل الشيخ السلفي المغربي عمر الحدوشي الذي طالب مستخدما لهجة تصعيدية بإطلاق سراح الرجل، وغرّد قائلاً "ما يقع في الجبهة من اتهام القادة الكبار بالتجسس أو التخابر تهمة فارغة، وهي التهمة نفسها التي تتم في كل الدول، والفصائل، والشيء نفسه وقع في اليمن".

ووجه خطابه إلى الجولاني قائلا "أبا محمد الأيام سجال، سيأتي دورك مع غيرك وتكوى بنفس التهمة. هذه التهمة ستجر ذيلها على المهاجرين".

وتحدث عن القحطاني بالقول  ‏‎"ما عرفنا عليه إلا الخير، نرجو ممن له اليد الطولى في هذا التنظيم أن يفك سراحه بسرعة، وإلا كان له ما بعده".

عكس ما ينادي به الحدوشي، الذي طالب عشرات الناشطين المؤيدين للقاعدة ولمنظرها البارز "أبو محمد المقدسي" بمحاكمة القحطاني، واعتبروا مواقفه المناهضة للمقدسي وللقاعدة داخلة ضمن مهامه الاستخباراتية المفترضة.

 

"حراس الدين"

يصنف تنظيم "حراس الدين" القحطاني ضمن خصومه الألداء، ويحمله مسؤولية "انحراف بوصلة الجهاد في الشام"، وبالمسؤولية المباشرة عن مقتل قادته الكبار.

وتتردد كثيرا على قنوات أنصار التنظيم قصة مفادها أن" أبو القسام الأردني"، القيادي السابق في "حراس الدين" (قتل في يونيو 2020) كان قد ضبط القحطاني متلبسا بتصويره خلسة، وأن شجارا وقع بين الرجلين إثر الحادثة، ولم تمض سوى بضعة أيام حتى تم اغتيال القسام في إدلب شمال سوريا.

واكب التنظيم قضية القحطاني وخلايا التجسس، وأصدر بيانا بعنوان "نحن أولياء الدم" دعا فيه إلى "تحقيق مستقل يشرف عليه خيرة مجاهدي الشام وقضاء مستقل يقوم به خيرة القضاة من بلاد الشام بحق هؤلاء الجواسيس والعملاء"، على حدّ وصفه.

وسرد البيان أسماء عدد من قادة "حراس الدين" الذين قتلوا في ضربات جوية في السنوات السابقة، من بينهم "خالد العاروري (أبو القسام الأردني) وأبو الفرج المصري وأبو محمد السوداني وأبو فراس السوري".

وختم بعبارة: "آن الأوان لكشف المتورطين في دماء المسلمين وتطبيق حكم الله فيهم".

كما يعتبر "حراس الدين" وأنصاره أن توقيف القحطاني وخلايا التجسس داخل هيئة تحرير الشام هو انتصار لسرديتهم،  وضرب في شرعية الهيئة التي تفرض سيطرتها على شمال غرب سوريا، وتحظر نشاطاته فيها، ودليل أيضا على اختراق من طرف جهات خارجية. 

بالطبع، سيستغل التنظيم هذه التطورات لصالحه، وسيحاول استقطاب "كتل المهاجرين" إلى صفوفه، خصوصا إذا أكدت التحقيقات أن القحطاني ضالع في نشاطات تجسسية، الأمر الذي سيسفر بالضرورة عن انشقاقات وتصدعات في بنية الهيئة، ما يعني أن خريطة جهادية أخرى في طور التشكل.

مواضيع ذات صلة:

تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة
تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة

تضيف عملية قتل أبو عبد الرحمن المكي على يد "القيادة المركزية الأميركية" اسما جديدا على قائمة القادة الذين خسرهم تنظيم "حراس الدين" في سوريا، وبينما يعتبر ما وقع قبل يومين ليس بالجديد، تسلط الحادثة، بتوقيتها وحيثياتها، الضوء على حالة لها تفسيران، وفق ما يتحدث خبراء في شؤون الجماعات المتشددة لموقع "الحرة".

ويعتبر المكي من القادة البارزين في "حراس الدين"، وكان يشغل قبل مقتله منصب عضو مجلس شورى التنظيم، كما جاء في بيان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في 24 أغسطس الحالي.

وتم تنفيذ عملية قتله بضربة جوية أميركية استهدفته أثناء مروره على إحدى طرقات محافظة إدلب، بذات الطريقة التي أسفرت خلال السنوات الماضية عن مقتل عدد من قادة "حراس الدين"، وآخرهم المسؤولان العسكريان: "أبو حمزة اليمني"، و"أبو البراء التونسي".

ويوضح الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، أن مقتل "المكّي" يعطي مؤشرا على وجود خشية أميركية من "إعادة بناء تنظيم القاعدة في سوريا"، رغم أن تنظيم "حراس الدين" بات في أضعف حالاته.

وبدوره يقول الباحث السوري في شؤون الجماعات المتشددة، عرابي عرابي، إن التنظيم، وهو فرع "القاعدة" بسوريا، لم يعد لديه أي قوة أو حضور، بعد الإعلان عن تصفية "المكّي".

ويضيف عرابي لموقع "الحرة" أن "قادة الحراس المتبقين إما معتقلين في سجون هيئة تحرير الشام" أو متوارين عن الأنظار، كما حال القائد العام للتنظيم "فارق السوري"، الذي يعرف بأسماء عدة بينها "أبو همام الشامي"، وسامي العريدي، الرجل الثاني، الذي يشغل منصب الشرعي العام.

ما هو "حراس الدين"؟

تأسس تنظيم "حراس الدين"، في أواخر فبراير 2018، وقبل ذلك كانت فصيلا ضمن "هيئة تحرير الشام".

و"تحرير الشام" تهيمن عليها قوة مركزية كانت تعرف في السابق باسم "جبهة النصرة" التي كانت الجناح الرسمي لتنظيم القاعدة حتى عام 2016.

وبعد أن أعلن زعيمها، أبو محمد الجولاني فك ارتباطها عن القاعدة في يوليو 2016، انفصلت جماعة "حراس الدين" عنها.

وفيما بعد انضمت الجماعة لتشكيل سمي بـ"غرفة عمليات وحرض المؤمنين"، لكن الأمر لم يدم طويلا، إذ بدأت "تحرير الشام" سلسلة حملات أمنية واعتقالات بحق قادة وعناصر فيها، في تطورات قرأها باحثون على أنها تندرج في سياق "حب السيطرة والاستحواذ على النفوذ الكامل" في شمال غربي سوريا.

وكان "المكّي" من بين المعتقلين الذين احتجزتهم "تحرير الشام" في سجونها في 2020، وبعد دعوات عدة، أطلقها قادة متشددون، أفرجت عنه بشكل غير معلن في 2022.

ومنذ تلك الفترة لم يعرف عن تحركاته أي شيء كحال بقية أفراد "حراس الدين".

وبينما بقي اسمه في إطار تلك الحالة (الغياب عن المشهد)، عاد ليتردد في تقرير "القيادة المركزية الأميركية"، وعندما أعلن رسميا عن مقتله، قبل يومين.

ماذا بقي لـ"الحراس" في سوريا؟

لم تكن الضربات الأميركية المتواترة التي قضت على قادة بارزين في "حراس الدين" الوحيدة التي شكّلت عامل ضعف كبير بالنسبة للتنظيم ككل، بل كان في مقابلها حملة واسعة على الأرض قادتها "تحرير الشام" منذ عام 2020.

وتصنف الولايات المتحدة "تحرير الشام" منظمة إرهابية، وتنضم إليها دول كثيرة.

وكانت قد عرضت لأكثر من مرة مكافآت مالية لتقديم معلومات عن قائدها "أبو محمد الجولاني" وقائد "الحراس"، أبو همام الشامي.

وعلى مدى السنوات الماضية اعتقلت "تحرير الشام" عددا كبيرا من قادة "حراس الدين"، وذهبت بجزء من الحملة التي أطلقتها باتجاه مداهمة المواقع التي يتحصنون فيها مع الأفراد والخلايا النائمة.

ولا يزال الكثير من القادة في السجون، ومن أبرزهم كما ذكرهم الباحثون في حديثهم لموقع "الحرة"، "أبو بصير الديري"، وخلاد الجوفي، و"أبو مصعب التركي"، و"أبو عبد الله السوري"، وهو ابن أبو فراس السوري أحد أبرز رجالات "القاعدة".

ومن ناحية أخرى يشير الباحث السوري، عرابي عرابي إلى أن القائد العام "أبو همام الشامي"، والرجل الثاني وهو الشرعي "سامي العريدي" لا يعرف أين مكانهم في الوقت الحالي.

ويرجح عرابي أن يكونا قد خرجا من سوريا إلى وجهة محتملة مثل "اليمن أو الصومال أو أفغانستان".

وعدا عن ذلك، لا يعتقد الباحث السوري أن لـ"حراس الدين" حضورا كبيرا في الوقت الحالي بسوريا، ويوضح أن التنظيم "يفتقد للمجموعات المهيكلة التي يمكن أن تنفذ عمليات كبيرة على الأرض".

وفي حين لا يستبعد الباحث أن يكون هناك العديد من "الأفراد المتعاطفين" مع "حراس الدين" يؤكد أنه نشاطهم المرتبط "بأمر من قيادات معينة وبخطط واضحة"، يبدو أنه بات غير موجودا.

"ظل لما كان عليه"

وفي غضون ذلك يشرح الباحث أبو هنية أن "حراس الدين" شهد حالة من الإضعاف الكبير بعد الإعلان عن تشكيله في 2018، وارتبط ذلك بسببين، الأول هو الضربات الأميركية من الجو، والثاني هو الحملة التي بدأتها "تحرير الشام" ضده.

ويوضح أنه، وبعد مقتل "المكّي"، يتبين أنه لم يعد هناك أي هيكل تنظيمي واضح للتنظيم المرتبط بـ"القاعدة".

ومع ذلك، يقول أبو هنية في المقابل إن "حراس الدين" "لم ينكفئ وما زال موجودا على الأرض، وتثار المخاوف من استغلاله للظروف الحاصلة الآن من أجل إعادة البناء".

وتحمل العملية التي نفذتها القيادة المركزية الأميركية قبل يومين "دلالات ومؤشرات" عن وجود خشية، وقد لا تنفصل أهدافها عن التحركات واسعة النطاق التي رأيناها على صعيد تنظيم "القاعدة"، كما يضيف أبو هنية.

ويشير الباحث إلى أنه، وفيما يتعلق بالفرع السوري، يمكن القول إن "حراس الدين" لا يزال له قيادات "مثل أبو همام الشامي وسامي العريدي"، لكنهم "في حالة كمون وكالظل لما كانوا عليه سابقا".

ويزعم التنظيم (حراس الدين) أنه شن حوالي 200 هجوم منذ إنشائه. ووقعت هذه الهجمات في مجموعة متنوعة من المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، بما فيها محافظة حلب وحماة وإدلب واللاذقية، وذلك بحسب بيان سابق أصدره قبل 3 أعوام.

وفي الحادي عشر من سبتمبر 2021 نشر تنظيم "القاعدة" كلمة لزعيمه السابق أيمن الظواهري تحدث خلالها عن تطورات كثيرة "سياسية وعسكرية"، كان اللافت بينها تلك الخاصة بسوريا.

وأشاد الظواهري، الذي خَلفه سيف العدل، بهجوم استهدف موقعا للقوات الروسية في منطقة تل السمن بريف الرقة، مطلع 2021، وأضاف حينها أن "إنهاك العدو واجب المرحلة"، متحدثا عن "عمليات استنزاف خلف الخطوط".

"فقد ثلاثة أرباع قوته"

ويعتقد الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي، أن "حراس الدين" بات ينتهج استراتيجية تقوم على "الحفاظ على بقية القيادات".

لكنه يواجه حملة مضادة من الجو وعلى الأرض، مما أسفر عن مقتل العديد من قادته، آخرهم أبو عبد الرحمن المكي.

ويقول فرغلي لموقع "الحرة": "التنظيم في أضعف حالاته لكنه موجود ولديه إصدارات وبيانات وقنوات إعلامية ويحاول أن يظل موجودا، لكن بعيدا عن الصدام المباشر".

ويضيف أن التقديرات تذهب باتجاه أن "حراس الدين" فقد ثلاثة أرباع قوته بشكل تقريبي، لكنه ما زال موجودا ولم ينته تماما.

ومن جانبه يلفت الباحث أبو هنية إلى "وجود مخاوف دائمة من إعادة بناء القاعدة، لاسيما أن نشاط التنظيم بات أمنيا بامتياز".

ويوضح أنه ومع الظروف الحالية التي تعيشها المنطقة "قد يجد مساحة استغلال"، وهو ما ينطبق مع التحذيرات الأخيرة التي أعرب عنها مسؤولون أميركيون بشأن الحالة التي بات عليها تنظيم "داعش" في سوريا.

ويؤكد أبو هنية أن "حلم تنظيم القاعدة، منذ تأسيسه على يد بن لادن، كان يذهب باتجاه تأسيس فرع لبلاد الشام".

ويعتقد أن "سيف العدل الموجود في إيران لا يزال يرى أولوية في ذلك"، معتبرا أن "القاعدة لن تتخلى عن وجود حراس الدين وقد يكون هناك نوع من محاولة إحياء التنظيم في مثل هذه الظروف".