People protest against the latest decisions by Syrian government on increasing the prices of fuels in Sweida
الاحتجاجات حملت رسائل سياسية واضحة ضد الاستبداد والفساد- أرشيفية

تتوجّه الأنظار اليوم إلى محافظة السويداء جنوب سوريا، على وقع احتجاجات غير مسبوقة أعقبت قرارات أصدرها النظام السوري، أحدها يتعلق برفع الدعم عن المحروقات.

وتشير الفيديوهات والصور الواردة من المحافظة مع شهادات الناشطين والمواقع الإخبارية المحلية، إلى أن رقعة الاحتجاجات تتوسّع بشكل غير مسبوق، وتحوّل مطالب المتظاهرين لـ"إسقاط النظام"، والإصرار على رحيل بشار الأسد وتطبيق القرار الأممي (2254).

وللسويداء خصوصية طائفية، حيث يشكل الموحدّون الدروز 85% من مجمل عدد السكان. ويبلغ عدد سكان المحافظة حسب إحصائيّات عام 2011، نحو 770 ألف نسمة.

وإلى جانب الدروز، تضم المحافظة مكوّن العشائر الذين يُطلَق عليهم محلياً اسم "البدو"، وأعداداً قليلة من المسيحيين الأرثوذكس، والمسلمين السنّة. 

وشملت "الثورة السورية" التي اندلعت في ربيع 2011، معظم المحافظات، ولكن من دون مشاركة لافتة للأقليات الدينية والقومية. لذا بقيت السويداء بمنأى عن الحرب والمعارك.

لكن التداعيات الأمنيّة أو الاقتصادية كانت حاضرة بقوّة رغم عدم انحياز أهالي المحافظة، لا للنظام السوري، ولا إلى تيار المعارضة. وشكلت مع الوقت مساحة آمنة نسبياً، بالمقارنة مع باقي المناطق في سوريا، ومع ذلك، واجهت السويداء العديد من التحديّات الأمنية.

 

كيان شبه مُستقلّ

في عام 2012 شكّل الشيخ وحيد البلعوس ما يُعرَف بـ "حركة رجال الكرامة"، التي أخذت على عاتقها مبدأ "تحريم الاعتداء" على السويداء، سواء من قِبل النظام السوري أو الفصائل الراديكاليّة مثل "جبهة النصرة".

صار للحركة في المحافظة ثِقلٌ مسلّح، تولّى حماية المناطق السكنية والمرافق المدنية، وحصل سيناريو غير مُعلن يُفيد بانسحاب النظام السوري من المشهد الأمني داخل المدينة، ليقتصر وجوده على الأفرع الأمنية والثكنات العسكرية المحيطة.

وفي عام 2015 قُتل الشيخ البلعوس بتفجير، لتتوجه أصابع الاتهام إلى النظام السوري، خصوصاً أن حياد السويداء لم يرق له، كما غضب قادة أفرعه الأمنية من رفض أبناء السويداء الالتحاق بالخدمة العسكرية.

وفي  2018، أرسل النظام  لوجهاء السويداء مبعوثين أمنيين وعسكريين يرافقهم عسكريون روس، لطلب التحاق المطلوبين للخدمة العسكرية بالثكنات، تحضيراً لشنّ هجوم عسكري على محافظة درعا المجاورة، الأمر الذي قوبل بالرفض، وأبلغ حينها الوجهاء مبعوثي النظام بأن أبناء السويداء لن يشاركوا في أي هجمات أو حملات عسكرية.

بعد عدّة أيام من فشل النظام السوري في تجنيد أهالي السويداء، تعرضت المدينة وريفها الشرقي لهجمات متزامنة من قبل تنظيم داعش، تخطّت حصيلة الضحايا فيه 220 قتيلاً، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى أكثر من 200 جريح. حينها وجّه ناشطو المحافظة أصابع الاتهام إلى النظام السوري بالتواطؤ مع التنظيم الإرهابي لمعاقبة السويداء على موقفها.

 

بداية الاحتجاجات

مع أنّ السويداء بقيت خلال سنوات الحرب السورية على موقفها المحايد، إلا أن غالبية السكان لم يُخفوا احتقانهم من طريقة تعامل النظام السوري مع المناطق الخاضعة لسيطرته بشكل عام، ومع مدينتهم تحديدا.

ومنذ عام 2020، بدأت السويداء تشهد احتجاجات متكرّرة ضد الوضع المعيشي والخدمي، وتصاعد الحراك الشعبي تدريجياً، حتى نهايات عام 2022، حين اندفع محتجّون غاضبون إلى مبنى المحافظة وأضرموا فيه النيران وأحرقوا صورة لبشار الأسد، مع رفع شعارات تطالب بحصول "التغيير"، وهو ما واجهه النظام بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين الغاضبين.

وشكّل شهر أغسطس 2023 انعطافة تاريخية في حجم ونوعية الاحتجاجات في السويداء. ومع أن المظاهرات بدأت بأعداد قليلة وسط المدينة وفي بعض الأرياف، إلا أنها أخذت زخما شعبياً كبيراً في اليوم الثاني، بمشاركة مختلف أطياف السكان.

وأعلن مشايخ عشيرة "العقل" دعمهم لمطالب المحتجّين، ورفض أحدهم وهو حكمت الهجري، التفاوض مع المحافظ الذي أرسله بشار الأسد لمناقشة مطالب الغاضبين.

 

ضد النظام السوري

يرى الصحافي السوري رامي زين الدين، أن موجة الاحتجاجات الحالية في السويداء "لا تشبه ما قبلها"، مبيناً لـ"ارفع صوتك": "إذ لأول مرة نشهد ما يبدو أنه إجماع في الموقف من النظام السوري، سواء على مستوى المجتمع أو المؤسسة الدينية، إضافة إلى الإضراب العام، واتساع نطاق المظاهرات في المدينة والكثير من البلدات".

ويضيف أن هذا الحراك "ينفرد بالساحة دون وجود مسيرات رافضة له أو مؤيّدة (للنظام)"، ما يعني أن "المزاج العام" في السويداء ضد النظام.

الملاحظ أيضاً في هذا الحراك هو انضمام شرائح جديدة إلى صفوف المعارضين لنظام الأسد، ولا سيما جيل الشباب والشابات، الذين كانوا أطفالاً قبل أكثر من 12 عاماً، وفقاً لزين الدين.

يتابع: "هؤلاء عاشوا في ظل الحرب وعانوا من تداعياتها، ومن اللافت درجة الوعي التي يبدونها في شعاراتهم وهتافاتهم خلال الاحتجاجات، وعلى رأسها التأكيد على سلمية الحراك والمطالبة بالتغيير السياسي".

وحول أهمية الاحتجاجات الحالية، يؤكد زين الدين، أنها تكمن في توقيتها، "إذ تأتي في فترة بدا فيها الملف السياسي السوري منسيّاً ومُهملاً، مقابل مساعٍ إقليمية ودولية لإعادة تأهيل بشار الأسد".

"بالتالي، أكدت احتجاجات السويداء أن جذوة الثورة لم تنطفئ، وأن السوريين رغم كل المعاناة والانكسارات لن يثنيهم شيء في سعيهم للحرية والديمقراطية ودولة المواطنة"، يوضح زين الدين.

ويقول إن احتجاجات السويداء "قطعت مزاعم النظام السوري بأنه حامي الأقليات في سوريا"، مستدركاً: "لا يمكن الجزم بقدرة احتجاجات السويداء على إحداث تغيير في سوريا، ذلك أن تركيبة النظام السوري الأمنية وتبعيته المباشرة لإيران وروسيا، تجعل عملية التأثير عليه من خلال المظاهرات مسألة مبالغ بها، كما أن غياب المدن الكبرى كدمشق وحلب يجعل حراك أي مدينة أخرى في نطاق محدود، بالتالي صعوبة تصوّر سيناريو محدد لمسار الأحداث".

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.