People protest against the latest decisions by Syrian government on increasing the prices of fuels in Sweida
هناك تفسيرات عديدة لمعنى ألوان علم الموحدين الدروز- أرشيفية

يرى كثير من السوريين أن الانتفاضة الشعبيّة الحاليّة في السويداء تشكّل انعطافة قوية في تاريخ المحافظة منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، ولعلّ ما يجعلها كذلك، هو مشاركة "الرئاسة الروحية" وعدد راجح من "شيوخ العقل" لطائفة الموحّدين الدروز فيها، ودعمهم مطالب المُحتجّين، ورفضهم التفاوض مع مبعوثي النظام السوري لإخماد الحراك الشعبي.

الرئاسة الروحيّة.. التكليف والأهمّية

الرئاسة الروحية، أو ما تُعرف بـ "مشيخة العقل" تُعد المرجع الديني الأعلى لطائفة الموحّدين الدروز، وتمثّل مشيخة العقل الرئاسة الروحية العليا عند "بني معروف"، كما يُعدّ "شيخ عقل الطائفة" الزعيم الديني الأوّل "بين العُقّال"، فيما يُعتبر هذا المنصب إرثاً تقليدياً قديماً بدأ منذ ولادة الدعوة الفاطمية الإسماعيلية في مصر على أيدي الحاكم بأمر الله، و"مشيخة العقل من المناصب الكبرى الحساسة والمسؤولة في البلاد، حيث كان يهابها الحكام (الشهابيون خاصة) لأهميتها وتأثيرها ووزنها الفاعل على كل الصُّعد"، بحسب ما جاء في كتاب "تاريخ المسلمين الموحّدين الدروز" لصالح زهر الدين.

لا يوجد نص قانوني واضح حول انتخاب أو تعيين مشايخ العقل، ويعود الأمر إلى العادات العشائرية في كل منطقة، حين يجمع الزعماء ومشايخ الدين وأصحاب الوجاهة والرأي على شخص يعلنون تنصيبه، فتعترف به الدولة، وتستمرّ مهمة "شيخ العقل" بالوراثة في كثير من الأحيان، ومنذ القديم، كان لبنان مركزاً لمشيخة العقل التي كانت تشمل بني معروف في سوريا ولبنان وفلسطين.

ويمثّل المقام الروحي للشيخ محلّ احترام لغالبية الدروز مهما بلغت مراكزهم السياسية والاجتماعية والدينية، لأنه بمثابة امتداد للإمامة، ولذا أُطلِق على هذا الشيخ ألقاباً عديدة مثل: "شيخ العقل"، "شيخ العُقّال"، "شيخ المشايخ"، ومن الأعراف السائدة تسمية شيخ عقل أو أكثر في المنطقة الواحدة، كما هي الحال اليوم في منطقة السويداء، التي يوجد فيها 3 مشايخ للعقل هم: الشيخ حكمت الهجري، والشيخ حمود الحناوي، والشيخ يوسف جربوع.

مشيخة العقل في سوريا

نظر الموحّدون الدروز إلى مقام المشيخة نظرة احترام وتكريم، لأنها تمثّل لديهم "الرمز القائم لعظمة الإمامة ووقارها"، حتى يكون رأي الشيخ وكلامه في قضايا الدِّين والدنيا يُقابَل بالطاعة والتسليم لدى أتباع الطائفة، وهذا ما يفسّر حرص الحكّام على التواصل الدائم مع مشايخ العقل، الذين يضمنون بولائهم ولاء الطائفة بأجمعها.

بدأت "مشيخة العقل" في سوريا بداية القرن التاسع عشر، وانحصر مقامها في ثلاث عائلات. وكان أول شيخ عقل للطائفة هناك الشيخ إبراهيم الهجري"، الذي يُعتبَر مؤسّس الرئاسة الروحية في جبل العرب (السويداء)، واستمرّت المشيخة بعده في أبنائه، وأقيمت مشيختا عقل أخريان، واحدة في أسرة جربوع، والأخرى في عائلة الحنّاوي، وأصبحت المشيخة وراثية في هذه العائلات، بحيث يتم تنصيب الأصلح من أسرة الشيخ المُتوفّى، وذلك بإلباسه عمامة وعباءة المشيخة يوم الوفاة أو بعد أسبوع منها، من قبل الزعماء المحليين ووجهاء المنطقة.

موقف مشايخ العقل من الحراك السلمي

خلال الحراكات الشعبية السابقة في السويداء، لم يتدخّل مشايخ العقل الثلاثة، وكانت مهمّتهم تشبه الوساطة بين المُحتجّين ومسؤولي النظام السوري، أما في الحراك الحالي فاختار شيخان منهم (حكمت الهجري، حمود الحناوي)، الوقوف إلى أبعد حد مع مطالب المحتجّين، حتى إنّ الشيخ الهجري رفض استقبال محافظ السويداء كمبعوث من بشار الأسد، وأعلن الشيخان دعم المطالب جميعاً، بما فيها تلك المتعلقة بوجوب رحيل النظام السوري ومسؤوليه.

أما الشيخ الثالث يوسف الجربوع فأعلن في البداية دعم الحراك الشعبي، لكن في نهايات أغسطس يبدو أن أمراً ما قد تغيّر، حين استقبل الجربوع محافظ السويداء، وخرج بعدها ليعلن أن مطالب المحتجّين الخدمية والمعيشية مُحقّة، لكنه أبدى تحفّظاً على "بعض شعاراتها" المتعلقة بإسقاط النظام، الأمر الذي ردّ عليه المتظاهرون في الساحات، وردّ عليه كذلك رئيس المشيخة حكمت الهجري، الذي انتقد تصريحات الجربوع قائلاً "من أراد أن يبيع كرامته فهذا شأنه، لكنه ليس مخوّلاً أن يبيع كرامة ربعه"، في إشارة إلى أن موقف الشيخ الجربوع لا يحظى بتأييد المشيخيتين الأخريين.

مواضيع ذات صلة:

عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا
عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا

وسعت السلطات اللبنانية حملتها ضد اللاجئين السوريين لتطال أطفالهم، فوفقا لتقرير صدر قبل أيام عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، جاء فيه أن "السلطات المحلية والسياسيون في لبنان يحاولون فرض قيود تمييزية من شأنها أن تؤدي إلى حرمان عشرات آلاف الأطفال اللاجئين السوريين من حقهم في التعليم"، وتتضمن هذه القيود اشتراط حيازة إقامة صالحة كشرط للتسجيل في المدرسة.

وأشار تقرير المنظمة الدولية، الذي يحمل عنوان "أوقفوا تسييس تعليم الأطفال اللاجئين في لبنان"، إلى تغريدة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "إكس" في يوليو الماضي، والتي طلب من خلالها من وزير التربية عباس الحلبي، أن يصدر تعميماً "للمدارس كلها على اختلافها، بعدم قبول أي طالب أجنبي سوري أو سواه ليس بحوزته إقامة صالحة وصادرة عن الأمن العام اللبناني".

ومن بين البلديات التي اتخذت هذا الإجراء، بلدية القاع، التي أصدرت في 22 يوليو تعميماً دعت فيه مديري المدارس الرسمية والخاصة والجمعيات التعليمية إلى عدم تسجيل أي تلميذ سوري دون التأكد من حيازته وأهله على إقامة شرعية صادرة عن الأمن العام اللبناني ومسجل في البلدية.

بررت البلدية تعميمها، بأنه يستند إلى "قرارات الحكومة اللبنانية وتوصيات مجلس النواب، إضافة إلى رغبة المجتمع المحلي والأحزاب المؤثرة في القاع"، وادعت أن هذه الإجراءات تهدف إلى "الحد من أعباء وجود النازحين السوريين غير الشرعيين وترحيلهم إلى بلدهم".

 

وسبقت بلدية سن الفيل بلدية القاع في إصدار تعميم مشابه، طالبت فيه المدارس الرسمية والخاصة ضمن نطاقها بعدم تسجيل أي تلميذ سوري لا يحمل إقامة شرعية، تحت ذريعة "الحفاظ على حقوق المواطن اللبناني".

تأتي هذه التعميم ضمن سلسلة من الإجراءات التمييزية ضد اللاجئين السوريين التي اتخذتها السلطات المحلية اللبنانية، شملت تقييد قدرتهم على استئجار منازل وفتح محلات تجارية، وإجبارهم على تزويدها ببياناتهم الشخصية، وترحيل من لا يملكون أوراق قانونية من نطاقها.

غطاء حكومي بنكهة عنصرية؟

يؤكد رئيس بلدية سن الفيل، نبيل كحالة، أن التعميم الصادر عن بلديته، والذي يحظر تسجيل اللاجئين السوريين في المدارس إلا إذا كانوا يحملون إقامة قانونية، "يأتي تنفيذاً لقرارات وزير الداخلية بسام مولوي ومجلس الوزراء والأمن العام اللبناني".

ويوضح كحالة في حديث لموقع "الحرة" أنه "لا يكفي أن يكون لدى النازح السوري وثيقة تثبت تسجيله لدى الأمم المتحدة، نحن نطلب إقامة صادرة عن الأمن العام اللبناني لكي يتمكن من استئجار منزل والعمل والتحاق أطفاله بالمدارس."

أي مدرسة تخالف هذا القرار "سيتم تبليغ الجهات المعنية عنها"، كما ينبّه كحالة، مشدداً على أن "هذا الإجراء ليس عنصرياً، بل هو تنفيذ للقوانين اللبنانية وليس (لقوانين) الأمم المتحدة".

ويشير إلى أن "العديد من النازحين يحملون بطاقات مصرفية متعددة، ويقوم بعضهم بفتح مشاريع تجارية وتحويل الأموال إلى سوريا، وهو ما لا يتوافق مع الصورة النمطية للنازح الذي يُفترض ألا يعمل وأن يكون معتمداً على مساعدات الأمم المتحدة".

تصرّ السلطات اللبنانية على مطالبة اللاجئين السوريين بالحصول على إقامات قانونية، رغم "العقبات البيروقراطية والمعايير الصارمة المفروضة على تجديدها"، ونتيجة لذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بأن "20% فقط من اللاجئين السوريين في لبنان يمتلكون وضع إقامة صالح".

وتشير المنظمة الدولية إلى أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين علّقت التسجيل الرسمي للاجئين السوريين منذ عام 2015 استجابة لقرارات الحكومة اللبنانية، وبسبب ذلك، "يواجه 80% من أطفال اللاجئين السوريين في لبنان، الذين لم يسجلوا رسمياً ويفتقرون إلى الأوراق الثبوتية، خطر فقدان إمكانية الالتحاق بالمدارس".

"جريمة ضد الإنسانية"

يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، قرار منع أطفال اللاجئين السوريين غير الحائزين على إقامة قانونية من التسجيل في المدارس بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، مشيراً إلى أن "هذا الإجراء لم يسبق له مثيل في أي دولة في العالم، وهو وصمة عار على جبين لبنان، حيث يُمنع الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم المكفول بموجب القانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل."

على مدى سنوات، واجه اللاجئون السوريون في لبنان، "الذين يقدّر عددهم بنحو 1.5 مليون شخص، خطاباً معادياً يحمّلهم مسؤولية الأزمات المتعاقبة على البلاد"، وفقاً لما ذكرته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، "ما أدى إلى تعرّضهم للتمييز والعنف والترحيل الجماعي".

أما الآن، تستهدف السياسات المعادية للاجئين كما تشير المنظمة الدولية "إحدى أبسط الاحتياجات الأساسية لأطفالهم، ألا وهي التعليم".

أظهرت إحصاءات عام 2023 أن "37% من الأطفال اللاجئين في لبنان على مستوى التعليم الأساسي لا يرتادون المدارس"، وفق ما تقوله المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، "وتعود هذه النسبة المرتفعة إلى عدم قدرة الأسر على تحمل تكاليف النقل والمواد التعليمية، مما يحرم العديد من الأطفال من حقهم في التعليم".

وتشدد المفوضية في حديث لموقع "الحرة" على أن "التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان وضروري لتنمية الأفراد والمجتمعات"، وفي ظل الوضع الصعب الذي يعيشه اللاجئون السوريون في لبنان، توضح المفوضية أن "تسعة من كل عشرة لاجئين يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، مما يدفع العديد من الأطفال لترك مقاعد الدراسة من أجل العمل لإعالة أسرهم".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان لموقع "الحرة" على أن "كل طفل يتمتع بحق أساسي في التعليم، بغض النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني"، لافتاً إلى أنه "يوجد في لبنان أكثر من 700 ألف طفل خارج المدارس ولا يتلقون التعليم، وهو رقم لا تستطيع البلاد أن تتحمل ارتفاعه أكثر من ذلك".

تداعيات خطيرة

الإجراءات التي اتخذتها بعض البلديات بحق أطفال اللاجئين السوريين تمثل وفق ما يقوله صبلوح "دعوة غير مباشرة لدفعهم إلى الشوارع وتهديد مستقبل جيل كامل، كما قد تؤدي هذه السياسات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في لبنان، وزيادة معدلات الجريمة والعنف، وتدهور الأوضاع الأمنية."

أما مفوضية شؤون اللاجئين فتشير إلى أن "الأطفال الذين لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس يواجهون مخاطر متزايدة بالانخراط في عمالة الأطفال والتعرض لانتهاكات أخرى"، مؤكدة أنه "رغم التحديات الاقتصادية والمالية، تبذل الأمم المتحدة وشركاؤها قصارى جهدهم لضمان التحاق جميع الأطفال بالمدارس".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان على أن "عواقب عدم التحاق الأطفال بالمدرسة وخيمة. فعندما يُحرمون من التعليم، يصبحون أكثر عرضة للمخاطر مثل الزواج المبكر والاستغلال الجنسي والإساءة وعمل الأطفال".

ويشدد المكتب على التزام المنظمة الكامل إلى جانب شركائها بدعم الخطة الخمسية للتعليم العام في لبنان (2021-2025)، التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم العالي في يناير 2022، "هذه الجهود تهدف إلى ضمان التعليم الإلزامي من الصف الأول حتى التاسع لجميع الأطفال في لبنان، دون تمييز".

ويوضح أن "اليونيسف تتفهم التحديات الاقتصادية الكبيرة والضغوط المالية التي يواجهها لبنان" مؤكداً على أهمية التعاون المستمر مع وزارة التربية والشركاء الآخرين لضمان استمرار التعليم لجميع الأطفال في البلاد.

وكان وزير التربية والتعليم اللبناني، عباس الحلبي، أعلن خلال مقابلة مع صحيفة "لوريان لوجور" في 13 أغسطس 2024، أن الوزارة ملتزمة بالمبدأ الأساسي لـ "اتفاقية حقوق الطفل"، مؤكداً أن جميع الأطفال سيتم تسجيلهم في المدارس اللبنانية، بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، كما أوردت "هيومن رايتس ووتش".

ومع بدء العام الدراسي الجديد، دعت المنظمة الدولية الجهات المانحة الأجنبية، التي قدمت تمويلاً كبيراً للتعليم في لبنان، إلى الضغط على الحكومة اللبنانية للالتزام بتصريحات الحلبي.

كذلك يشير صبلوح إلى أن "لبنان يتلقى مساعدات دولية باسم اللاجئين السوريين وتعليمهم، وبالتالي لا يحق له منع أي طالب من التعليم بحجة تسوية الإقامة".

ويؤكد على ضرورة مساءلة من أصدر هذه التعاميم أمام القضاء اللبناني والمجتمع الدولي، معرباً عن دعمه الكامل لتقرير "هيومن رايتس ووتش" الذي انتقد هذه السياسات، داعياً إلى التوقف الفوري عن هذه الإجراءات، التي وصفها بالعنصرية وغير الإنسانية.

ويشدد على أن "معالجة ملف اللاجئين يجب أن تتم بطرق تحترم كرامة الإنسان وتلتزم بأبسط حقوقه وفق الاتفاقيات الدولية التي وقّع عليها لبنان"، مشيراً إلى أن "الهدف من فرض قيود تعجيزية على اللاجئين هو دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم من خلال الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت بحثاً عن مستقبل أفضل".