مقاتل من "قسد" أثناء حظر التجوال في أحد مناطق دير الزور- أ ف ب
صورة تعبيرية لأحد مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية التي تتعرض إلى هجمات داعش في مناطق سيطرتها- أرشيف

اشتباكات عنيفة شهدتها محافظة دير الزور خلال الأيام الأخيرة تسبّبت في سقوط عشرات القتلى والجرحى بعد تصاعد الخلافات بين مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وبين العشائر العربية.

وبعد شهور طويلة من محاولات "قسد" المستمرة لإقالة قائد مجلس دير الزور العسكري، أحمد الخبيل،  ألقت القبض عليه داخل مدينة الحسكة وبدأت إجراءات محاكمته، ما أشعل غضباً عربياً سرعان ما تطوّر إلى ماهو أكثر بسبب التعقيدات السياسية التي تعيشها المنطقة إزاء تدخل العديد من القوى الخارجية فيها.

وتقع محافظة دير الزور عند الحدود السورية- العراقية، يقسم أرضها نهر الفرات، وتقطنها أغلبية عربية تتألّف من عشرات العشائر التي يحكمها الشيوخ.

وتُحكم هذه المناطق الغنية بالنفط بواسطة إدارة كردية عبر مجالس محلية تعيّن قادتها بواسطة "قسد" التي تبسط سيطرتها على المناطق الواقعة على الضفة الشرقية لنهر الفرات، بينما تتمركز قوات النظام ومقاتلون موالون لها ومجموعات موالية لإيران على الضفة الغربية.

 

 

مَن أشعل الفتيل؟    

انفجر القتال في 27 أغسطس الماضي بعد اعتقال "قسد" للخبيل، المُلقب "أبو خولة"، وعددٍ من أعضاء مجلس دير الزور العسكري.

وتتهمه "قسد" بالفشل في مواجهة فلول تنظيم داعش، واستغلال منصبه للتربح منه عبر رعاية عمليات لتهريب المخدرات، فدبّرت عملية عسكرية للقبض عليه ثم أعلنت عزله من منصبه.

بحسب مصادرلـ"وكالة الأنباء الألمانية"، فإن أغلب القادة العسكريين المعتقلين ينتمون إلى عشيرة "العكيدات"، وفور اعتقالهم أعلنت عشيرتهم النفير العام وشنّت غارات على مواقع "قسد" لإجبارهم على الإفراج عن المعتقلين.

بدوره، أعلن شيخ قبيلة العكيدات، إبراهيم الهفل، "تفجير انتفاضة عشائرية ضد الممارسات العنصرية للقوات الكردية التي تستهدف تصفية المكوّن العربي في دير الزور"، على حدّ وصفه. 

بناءً على هذا الإعلان، انتشر المسلحون العشائريون العرب اعتراضاً على اعتقال الخبيل وسرعان ما دخلوا في اشتباكات عنيفة مع الميليشيات الكردية أسفرت عن عشرات القتلى والجرحى من الطرفين، كما أقام مسلحو القبائل حواجز على الطرق الرئيسة وهاجموا دوريات "قسد" في المنطقة.

ووفقاً لتقارير إعلامية، فإن عدداً كبيراً من المنشآت الحيوية تضرر على أثر هذا القتال، فدمُر مستشفيان وعدة محطات صغيرة لمعالجة المياه وبئر نفط.

أيضاً خلّفت هذه المعارك آثاراً إنسانية مروعة في مناطق الصراع بسبب نفاد البنزين وتوقف المخابز عن العمل، كما انتشرت موجات نزوح كبيرة للعائلات الساعية للهروب من مواطن التوتر.

وبعدما أجبر المقاتلون العرب المسلحين الأكراد على الانسحاب، أعلنوا تشكيل عدة مجالس لإدارة ما أسموه "المدن المحررة من قسد"، الأمر الذي دفع الأخيرة لإعلان حالة الطوارئ في المنطقة وفرض حظر تجوال لمدة يومين ونشر تعزيزات ضخمة من الدبابات والعربات المصفحة في المناطق المتنازع فيها.

 

 

من ناحيتها سعت "قسد" لامتصاص الغضب العربي فأعلنت أكثر من مرة أنه لا يوجد أي خلاف بينها وبين العشائر وأن ما يجري هو "عملية لتعزيز الأمن بناءً على طلب أبناء دير الزور وشيوخ العشائر" وتعهّد قادتها بنظر مشاكلهم كافة وحلّها.

وتمكّنت قوات "قسد" من تحقيق نجاحاتٍ سريعة أعادت لها السيطرة على المُدن التي خرجت عن سيطرتها بما فيها بلدة "ذيبان" في ريف دير الزور الشرقي، التي كانت آخر معاقل مسلحي العشائر العربية وهي مسقط رأس شيخ عشيرة العكيدات.

 

 

الموقف الأميركي

تمتلك أميركا نفوذاً كبيراً في هذه المنطقة إذ شملت قوات "قسد" بالرعاية العسكرية واعتمدت عليها في القضاء على مسلحي داعش في دير الزور  في الفترة بين 2015 و2019. ونشرت قرابة 900 جندي لها في هذه المنطقة لحفظ الأمن ولقيادة جهود محاربة التنظيم الإرهابي.

فور اندلاع القتال سعت الولايات المتحدة لتهدئة حدته ووجّهت الدعوة تلو الأخرى للأطراف المتصارعة بالكفِّ عن الاستفزازت العسكرية والتفاوض حول حل سلمي للخلافات العالقة بين الطرفين.

كما أصدر التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة أيضاً، بياناً أكّد دعمه لـ"قسد"، متهماً "جهات فاعلة خبيثة بالتأثير على قادة المنطقة من أجل جرها إلى الاقتتال الداخلي".

من جانبها، أعلنت السفارة الأميركية في دمشق تنظيمها اجتماعاً بين بعض قادة "قسد" وعدد من زعماء العشائر العربية لبحث تخفيض التوتر في دير الزور.

رغم هذا الاجتماع، فإن شيوخ قبيلتي "البكارة" و"العكيدات" اللتين تشكلان غالبية سكان ريف دير الزور، نفوا التوصل إلى هدنة، مؤكدين الاستمرار في قتال "قسد" حتى تحلُّ الخلافات معها عبر آلية تفاوض يرعاها التحالف الدولي.

 

موقف النظام السوري

تنظر دمشق إلى "قسد" باعتبارها قوات انفصالية ولا تكفَّ عن الإعلان عن رفض سيطرتها الأحادية على جانبٍ من الأراضي السورية، لكنها حتى هذه اللحظة لم تنوِ الدخول في صراع عسكري مع "قسد" قد يجرّها إلى مشكلات أكبر مع الولايات المتحدة.

وأعلنت "قسد"، أن النظام السوري يتحمّل مسؤولية تصعيد هذه الاضطرابات، مؤكدة في بيانٍ لها أنها تنفذ عمليات عسكرية لملاحقة جنود "أرسلهم النظام السوري إلى المنطقة لإحداث فتنة أهلية".

بدوره، أكد وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، دعم حكومة النظام للعشائر العربية في هذا الصراع، قائلاً إن "المواطنين السوريين يخوضون نضالاً وطنياً باسم جميع السوريين، في معركتهم ضد الاحتلال والمسلحين الموالين له".

 

الموقف التركي

تمتلك أنقرة حساسية كبرى إزاء أي تجربة حُكم كردية على أراضيها، وتنتهج سياسة معلنة منذ عشرات السنوات لا تتورّع عن استخدام الحلول العسكرية لمنع أكراد المنطقة من إقامة دولة لهم.

وتسيطر بعض فصائل المعارضة المدعومة من تركيا على بعض مساحات الأراضي المجاورة شمال سوريا.

فور اندلاع القتال، أكدت تركيا أنها تنظر بـ"قلق" إلى الاشتباكات الجارية التي تعتبرها محاولة من "الإرهابيين" (تقصد المقاتلين الأكراد) من أجل السيطرة على الشعب السوري.

فيما وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تمرّد العشائر العربية ضد الأكراد، بأنه "تصرف وطني" لأنهم "الملاك الحقيقيون لهذه الأراضي ولا يحقُّ لمقاتلي قسد التواجد فيها" على حد تعبيره.

ووصف أردوغان الميليشيات الكردية بأنها "تنظيمات إرهابية".

ولا ترى أنقرة فارقاً بين حزب العمال الكردستاني وبين قوات "قسد" وتعتبر أنهما نفس الشيء: "تنظيم كردي إرهابي".

كما اتّهمت "قسد" النظام السوري بالعمل على تأجيج الأزمة، وجّهت نفس التهمة إلى أنقرة بعدما أكدت أن مسلحين موالين لتركيا دخلوا على الخطِّ وخاضوا اشتباكاتٍ معها.

وأعلن أحد قادة ما يُعرف بـ"الجيش الوطني السوري"، وهي قوات عسكرية موالية لتركيا، أنهم نفذوا عمليات قصف مدفعي لدعم العشائر العربية، كاشفاً أن عدداً من مقاتليه تدفقوا على المنطقة للوقوف بوجه "قسد".

وأكدت وكالة "سبوتنك" الروسية، أن مسيرات تركية نفّذت عدة عمليات لاستهداف عددٍ من قادة "قسد" في ريف الحسكة.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب

للمرة الثانية خلال أقلّ من عام، أعلنت حكومة النظام السوري رفع أجور نقل الركاب بين المحافظات الخاضعة لسيطرته من جهة، وبينها والتابعة لقوى أخرى في بقية أرجاء سوريا.

ونقل موقع إعلامي محلّي، عن مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام أن القرار "صدر بناءً على ارتفاع تكاليف التشغيل للبولمانات، بما في ذلك الزيوت المعدنية، وأجور الصيانة والإصلاح، وقطع الغيار، والرواتب، وغيرها من التكاليف التي طلبت شركات النقل تغطيتها".

القرار الذي صدر في أغسطس الفائت، لم يكن الأول من نوعه، فقبل عام وفي نفس الشهر، تم رفع أجور النقل بنسب قياسية لما هو معتاد للمواطنين، وذلك بعد أيام من رفع الدعم الحكومي عن المحروقات الرئيسية وغلاء أثمانها ثلاثة أضعاف.

آنذاك، بلغ سعر الليتر الواحد من البنزين في السوق السوداء نحو 20 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر ليتر الديزل (المازوت) إلى 15 ليرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حادّ في أسعار البضائع والمواد الاستهلاكية وأجور النقل.

يقول سوريون استطلع موقع "ارفع صوتك" آراءهم، إن شركات النقل المرخّصة من قبل حكومة النظام "لا تلتزم أصلاً بالتسعيرة الرسمية رغم ارتفاع أجورها بشكل باهظ"، بينما أفادت مواقع إعلامية محلية أن زيادة أجور النقل تتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف ليرة عما كان سائداً في السابق، خصوصاً شركات النقل الكبرى المعروفة.

أجور النقل بين المحافظات السورية

Posted by Q Business on Saturday, August 3, 2024

هذه الزيادة في أسعار أجور النقل أثّرت بشكل خاص على الحركة بين المحافظات، حيث أصبح من الصعب على الكثيرين السفر لإنجاز معاملات أو التداوي أو للزيارة العائلية بسبب التكلفة المرتفعة، حتى بات السفر بين محافظة وأخرى "من الرفاهيات" كما يقول عماد حاجي (56 عاماً)، وهو من سكّان مدينة حلب.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن ابنته الوحيدة تسكن في ريف دمشق، ويُضطرّ بين الحين والآخر لزيارتها، بسبب سفر زوجها للعمل في لبنان. 

ويرى عماد أن تكلفة النقل بين المحافظتين "تفوق الواقع بمراحل"، مردفاً "أقلّ تذكرة لا يمكن الحصول عليها إلا بدفع مبلغ 65 ألف ليرة سورية، بينما في آب (أغسطس) سنة 2023 كانت نفس الرحلة تكلفني 20 ألف ليرة تقريباً".

 

من هم الأكثر تضرراً؟

عبر وسائل التواصل والمواقع المحلية، رفع سوريون مطالبهم لحكومة النظام بإعادة النظر في الأجور الجديدة.

وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حيزة إن الموظف بات ينفق راتبه الشهري على أجور النقل، لافتاً إلى أن تكاليف نقل الأفراد بين دمشق وريفها، أصبحت عبئاً على الموظفين وطلبة الجامعات.

واقترح تسيير حافلات حكومية على غرار حافلات النقل الداخلي وتزويدها بالمحروقات، أو إنشاء شركات نقل مشترك بين القطاعين الخاص والعام.

كما حذر حيزة من تضرّر عدد كبير من الشرائح الاجتماعية، بينهم المرضى الذين يقصدون المشافي في المحافظات، والمسافرون باتجاه المطارات والمحافظات الشمالية. 

وتبدو شريحة المرضى الذين يقصدون خدمات المشافي العامة أو الاستطباب الخاص، هي الأكثر تضرّراً من هذا القرار في ظل التكلفة المرتفعة أصلاً للمعاينات الطبية والأدوية.

وداد ملحم (59 عاماً)، من سكان مدينة دير الزور شرق سوريا، تقول إنها تحتاج للسفر بشكل شهري تقريباً إلى مدينة دمشق، لمراجعة قسم القلبية في مشفى "المواساة" نتيجة لإصابتها بمرض "نقص التروية".

تبين لـ"ارفع صوتك" أن الخدمات الطبية -لا سيّما القلبية- في مدينتها "متهالكة تماماً"، ولذلك تسافر لدمشق منذ ثلاث سنوات للحصول على الرعاية اللازمة.

وتؤكد وداد أن تذكرة السفر بين دير الزور ودمشق (يبعدان عن بعضهما نحو 450 كيلومترا) وفق الأسعار الجديدة صارت نحو 80 ألف ليرة سورية، هذا عدا عن دفع أجور الاستشفاء والأدوية التي قد تحتاج شراءها.

هذه التكاليف التي ترهق كاهل وداد، تدفعها لمطالبة سلطات النظام بوضع "اعتبارات خاصة لبعض الفئات كالمرضى والطلاب، ومنحهم بطاقات تخفيض تراعي حاجتهم للسفر المتكرر".

أزمة وقود سوريا
الحكومة السورية ترفع سعر الخبز والمازوت رغم تفاقم الأزمة
بدأت الحكومة السورية الأحد العمل بسعر جديد لمادتي الخبز والمازوت بعد رفع ثمنهما مرة جديدة وتزامناً مع قرار رئاسي برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة رواتب العاملين في الدولة بنسبة 50 في المئة، وسط أزمة اقتصادية خانقة متسارعة تثقل كاهل مواطنين في بلد يشهد نزاعاً دامياً منذ أكثر من عشر سنوات.
وهذه ليست المرة الأولى التي ترفع فيها

"إتاوات" الحواجز الأمنية          

لا تتوقف معضلة السفر بين المحافظات السورية على أجور النقل المرتفعة، إنما تدخل في التكاليف ما يسمّيها السوريون "إتاوات التشليح"، التي يدفعونها عند  الحواجز العسكرية التابعة لجيش النظام، خصوصا "الفرقة الرابعة" المسؤولة عن معظم الحواجز بين المحافظات.

يقول مرهف الراعي، من سكان مدينة الرقة، إن هذه الحواجز "تتقاضى مبالغ مُتباينة من أجل السماح بمرور الحافلات دون تفتيش، وفي حال عدم الدفع يضطر ركاب الحافلة للبقاء ساعات بذريعة الإجراءات الأمنية".

يدرس مرهف في كلية الآداب بجامعة الفرات (مقرّها الرئيسي مدينة دير الزور)، ولأن مدينته واقعة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فإنه يُضطر للسفر كل ثلاثة أشهر لتقديم الامتحانات.

يبين لـ"ارفع صوتك" أن حواجز "الفرقة الرابعة" المنتشرة بين المحافظتين "تزيد صعوبة وتكاليف السفر، وتشكل سرقة موصوفة لجيوب المسافرين" على حد تعبيره.

ويشير إلى أن الحافلة بين الرقة ودير الزور تقابلها حواجز "الرابعة" بتدقيق خاص، بسبب اختلاف جهات السيطرة بين المنطقتين، مردفاً  "يقولونها بشكل علني (ادفعوا كي تمرّوا أو انتظروا ساعات لنقوم بالتدقيق الأمني والتفتيش)".

"لذلك، فإن غلاء الأسعار ليس الشبح الوحيد الذي يطاردنا في سوريا، فبقاء مظاهر الحرب والحواجز العسكرية تعطي للسلطات في كل المناطق ذرائع مبرّرة لتزيد  الطين بلّة"، يتابع مرهف.