FILE - Shopkeeper waits for customers in Damascus, Syria, on Dec. 15, 2022. Syria’s president early Wednesday Aug. 16, 2023…
"السوريون اليوم يفكرون فقط في كيفية تأمين وجبتهم التالية"- أرشيفية

في شهر سبتمبر من كل عام، تتجهّز العائلات السورية لتوديع فصل الصيف واستقبال الخريف بطقس توارثته منذ عصور، لكنه اليوم بات من ذكريات الماضي، أو حكراً على الأغنياء فقط.

موسم التموين للشتاء، أو ما يُعرَف محلّياً بـ "المونة"، تقليد قديم، يبدأ فيه السوريون مطلع الخريف بشراء كميات كبيرة من خضروات وفواكه الصيف، التي تتميز بكثرتها وانخفاض أسعارها، بغية تخزينها لفصل الشتاء، حيث تنقطع تلك الخضروات، أو تكون أسعارها باهظة الثمن.

وتتنوّع طرق التخزين بين التجفيف والطبخ أو التبريد، وفي المجمل تُعد هذه الطريقة ذات مكسب مزدوج، فهي توفّر بعض المنتجات التي لا توجد في الشتاء من جهة، وتعد طريقة ناجحة لتوفير الكثير من المال من جهة ثانية.

الانهيار الاقتصادي والأوضاع المعيشية القاسية التي تخيّم على حياة السوريين، جعلت من هذا التقليد السنوي للعائلات السورية "عادة مُنقرضة"، وفق ما تصرّح به السيدة إسراء حسن من سكان مدينة دمشق.

تقول السيدة إسراء (51 عاماً) لـ"ارفع صوتك"، إن السوريين اليوم يفكرون فقط في كيفية تأمين وجبتهم التالية، أما مسألة تموين الخضروات لفصل الشتاء فلم تعُد تخطر في بال كثيرين، "ربما لا يزال بعض الأغنياء يحافظون على تلك العادة، لكنهم على أية حال يستطيعون الشراء في الصيف والشتاء"، وفق تعبيرها.

سوق في العاصمة السورية دمشق
البازارات تكسر الضائقة الاقتصادية المفروضة على السوريين
بعد نحو ستة سنوات من استمرار الحرب في سورية، وما خلّفته من كوارث اقتصادية مباشرة على حياة السوريين، بات تأمين مسلتزمات الحياة اليومية أمراً شبة مستحيل، بسبب الغلاء الفاحش وانهيار سعر صرف الليرة السورية، مقابل انخفاض متوسط الدخل.

قبل رفع الدعم الأخير عن المحروقات في مناطق النظام السوري، منتصف أغسطس الماضي، وانخفاض قيمة الليرة السورية إلى مستويات تاريخية وصلت إلى حدود 15 ألف ليرة أمام الدولار الأميركي الواحد، كانت أسعار الخضروات مرتفعة إلى حدّ كبير، لكن غالبية الناس كانوا يستطيعون الشراء، كما يشرح أبو محمد لـ"ارفع صوتك"، وهو صاحب محل شعبي للخضروات في حي منطقة كفرسوسة في العاصمة دمشق، "أما اليوم، فأسعار الخضروات وصلت إلى مبالغ غير منطقية مقارنة برواتب الناس وأجورهم الشهرية، حيث يصل الكيلو غرام الواحد من البطاطا مثلاً إلى نحو 5 آلاف ليرة، على سبيل المثال".

ويوضّح أبو محمد أن زبائنه منذ شهر بدأت طلباتهم تميل إلى الاختصار الشديد، "فالذي كان يشتري لعائلته كليوغرامين أو ثلاثة، بات يقف أمام سلّات الخضروات، ويختار حبّات معدودة، ويطلب منّي وزنها"، وفق ما يقول البائع الستيني الذي يتساءل مستغرباً: "كيف يمكن للموظف أو العامل اليوم أن يقوم بتخزين الخضروات للشتاء وهو في موسمها بالصيف غير قادر على شراء كميات تكفيه منها للاستهلاك اليومي؟".

يكمل أبو محمد حديثه استناداً إلى خبرته الطويلة بحركة البيع في السوق، بأن المواطن السوري اليوم لم يعد يتحسّر على ما يسمّيها "سنوات الخير والبركة" لأنها باتت "أشبه بالأحلام التي انقضت"، إنما "بتنا نتحسر في كل عام على العام الذي سبقه، بل إننا أحياناً نتحسر على الأسبوع الماضي، وأسعار البارحة.. الأسعار كما تلاحظ، يمكن أن تتبدل خلال اليوم الواحد أكثر من مرة، بحسب سعر الأخضر"، مشيراً بطريقة غير مباشرة إلى الدولار الذي يحظر النظام السوري التداول به أو بأسعاره بشكل عام في إطار "مواجهة الحرب الاقتصادية على سوريا"، وفقاً للإعلام الرسميّ.   

وفي منتصف أغسطس الماضي، أعلنت الحكومة السورية رفع الدعم عن المحروقات الرئيسية في البلاد بنسبة تقارب ثلاثة أضعاف، ما أدى بشكل مباشر إلى ارتفاع الأسعار بشكل عام، وأسعار المواد الغذائية بشكل خاص، بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل القائمة على "الديزل" و"البنزين".

وعلى الرغم من أن قرار رفع الدعم سبقه بساعات مرسوم من رئيس النظام السوري بشار الأسد برفع الرواتب بنسبة 100%، إلا أن الزيادة الجديدة أصبحت ذات مفعول عكسي، مع ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية بنسب كبيرة وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من 200 في المئة، وهو ما فجّر غضباً شعبياً تترجم بانتفاضة لا تزال مستمرة في محافظة السويداء.

مواضيع ذات صلة:

يُعرف الزواج العرفي بأنه زواج شرعي يتم بعيداً عن الشكل الرسمي المؤسسي الذي تشرف عليه الدولة. وتغلب عليه الصفة السرية.
تعبيرية

فرضت ثلاثة عشر عاماً من الحرب في سوريا آثاراً بالغة على مجمل العادات الاجتماعيّة لدى السكان، بسبب العوامل الاقتصادية من جهة والتغيير الديمغرافي من جهة ثانية.

يستعرض هذا التقرير أبرز مظاهر التغيير في عادات الزواج بسوريا خلال فترة الحرب.

 

1- التحدّيات الاقتصادية

كان المهر النقدي (المقدّم والمؤخّر) وشراء المصاغ الذهبي من أساسيات الزواج في سوريا، وهو ما بات اليوم مهمة شبه مستحيلة بالنسبة للغالبية الساحقة من الشباب، في ظل وصول غرام الذهب الواحد إلى أكثر من مليون ليرة سورية، والصعوبة البالغة في تأمين المهر، في ظل نسب التضخّم الرهيبة، وبقاء الرواتب عند معدلات 20 دولاراً كحدّ وسطي.

وبناءً على ذلك، لم تعُد حفلات الزفاف الفاخرة شائعة كما كانت في فترة ما قبل الحرب، وبات الأمر يقتصر على عائلة العريس والعروس والقليل من المدعوين، كما أن الكثير من العوائل باتت تتنازل عن وجود المصاغ الذهبي مراعاة للوضع الاقتصادي السائد.

في سوريا.. تكاليف الزواج تتضاءل لحدودها الدنيا
اختلفت عادات الزواج وتقاليده في سوريا نتيجة تأثيرات الأزمة الاقتصادية وضعف الإمكانات المادية للعائلات، متسببة بعزوف الكثير من الشبان عن الارتباط، أو اختصار العديد من أساسيات حفلات الزواج، وتخفيض قيمة المهور التي يطلبها أهالي الفتيات. 

2- الزيجات العابرة للمناطق

دفعت الحرب بالكثيرين إلى النزوح الداخلي بين المحافظات التي شهدت صراعات ومعارك والمناطق التي بقيت بحكم الآمنة، ما أدى إلى انتقال عائلات بأكملها من شرق البلاد مثلاً نحو منطقة دمشق وريفها، أو من حلب نحو مدن الساحل السوري.

فرض هذا الانتقال لشريحة واسعة من السكان نمطاً جديداً في الزواج، إذ كان المجتمع السوري يفضّل تزويج الفتاة لرجل من نفس المدينة، وقلّما كان يحصل أن يتم الزواج من محافظة ثانية، لكن ذلك تغيّر كليّاً في الوقت الحالي، إذ ارتفعت معدلات المصاهرة بين المدن والمحافظات بطريقة غير مسبوقة.

وأسفر ذلك في الوقت نفسه عن كسر واندماج في كثير من العادات المختلفة في الزواج بين المحافظات السورية، التي كانت حاضرة بقوة في فترة ما قبل الحرب. 

 

3- للتكنولوجيا دور محوري

مع انقطاع التواصل التقليدي بين العوائل والمعارف والأصدقاء، بسبب ظروف النزوح والحرب، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا هي البديل الأساسي للتعارف في مرحلة الخطبة.

كانت الخطبة التقليدية في المجتمع السوري تتم عبر رؤية الفتاة من قبل الأهل أولاً ثم من قبل الخاطب، وهذا ما لم يعد شرطاً لإتمام الزواج.

يتمّ قسم كبير من الخطبات اليوم عن طريق التواصل بتطبيقات المنصات المختلفة، حيث تُرسل صورة الفتاة لأهل الشاب، الذي يرى الفتاة بالطريقة نفسها، ثم يحصل التواصل والاتفاق على المهر والإجراءات بنفس المنوال.

على الرغم من أن هذه الطريقة تسببت بالكثير من المشاكل في بعض الزيجات، بسبب عدم الاختلاط والمعرفة المسبقة بين العائلتين أو بين العروسين، إلا أنها باتت طريقة رائجة، حتى أن بعض المدن مثل العاصمة دمشق تم فيها افتتاح مواقع إلكترونية أو مكاتب تقوم بمهنة "الخطّابة" التقليدية.

وترتفع الحاجة إلى الطريقة الإلكترونية بين طالبي الزواج في حال كان الشاب يقيم خارج سوريا، فهنا يستحيل اللقاء إلا عن طريق مكالمة فيديو يتعرف فيها الخاطب للفتاة وأهلها، قبل إتمام بقية الخطوات.

ولا يقف دور التكنولوجيا على التعارف فقط، بل إن بعض الفتيات أقمن حفلات مختصرة للأقارب والصديقات، بينما يكون الزوج خارج البلاد يشارك في الاحتفال عن طريق الإنترنت.

4- تغيّر معايير اختيار الشريك

فرضت ظروف الحرب على السوريين نسف غالبية الشروط الواجب توفرها في الزوج أو الزوجة، ولم تعُد الفتيات أو أهلهنّ مثلاً يبحثن عن شباب أغنياء أو جامعيين، في ظل الهجرة الواسعة للشباب خارج البلاد، وبقاء من لم يهاجر منهم تحت سيف التجنيد الإجباري والأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وبات اختيار الشريك لا يخضع لتلك الشروط الجوهرية التي كانت مطلوبة قبل الحرب، لدرجة أن الكثير من العوائل السورية انتشرت لديها عبارة "نبحث عن السّترة فقط"، في إشارة إلى عدم رفع سقف المطالب وتيسير الزيجات.

   

5- ارتفاع نسبة الزواج المبكر

رغم أن عادة الزواج المبكر كانت موجودة في فترة ما قبل الحرب، إلا أنها كانت على نطاق قليل. بعد الحرب، رفعت التحدّيات الاقتصادية وظروف النزوح النسبة إلى مستويات كبيرة. 

وقال تقرير سابق لمركز "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، إن زواج القاصرات في مرحلة ما قبل الحرب في سوريا مثّل 12% من زيجات السوريين، فيما ارتفعت النسبة إلى 18% عام 2012، وإلى 25% في 2013، وفي أوائل 2014 وصلت النسبة إلى 32% وبقيت ثابتة منذ ذلك الحين.