في شهر سبتمبر من كل عام، تتجهّز العائلات السورية لتوديع فصل الصيف واستقبال الخريف بطقس توارثته منذ عصور، لكنه اليوم بات من ذكريات الماضي، أو حكراً على الأغنياء فقط.
موسم التموين للشتاء، أو ما يُعرَف محلّياً بـ "المونة"، تقليد قديم، يبدأ فيه السوريون مطلع الخريف بشراء كميات كبيرة من خضروات وفواكه الصيف، التي تتميز بكثرتها وانخفاض أسعارها، بغية تخزينها لفصل الشتاء، حيث تنقطع تلك الخضروات، أو تكون أسعارها باهظة الثمن.
وتتنوّع طرق التخزين بين التجفيف والطبخ أو التبريد، وفي المجمل تُعد هذه الطريقة ذات مكسب مزدوج، فهي توفّر بعض المنتجات التي لا توجد في الشتاء من جهة، وتعد طريقة ناجحة لتوفير الكثير من المال من جهة ثانية.
الانهيار الاقتصادي والأوضاع المعيشية القاسية التي تخيّم على حياة السوريين، جعلت من هذا التقليد السنوي للعائلات السورية "عادة مُنقرضة"، وفق ما تصرّح به السيدة إسراء حسن من سكان مدينة دمشق.
تقول السيدة إسراء (51 عاماً) لـ"ارفع صوتك"، إن السوريين اليوم يفكرون فقط في كيفية تأمين وجبتهم التالية، أما مسألة تموين الخضروات لفصل الشتاء فلم تعُد تخطر في بال كثيرين، "ربما لا يزال بعض الأغنياء يحافظون على تلك العادة، لكنهم على أية حال يستطيعون الشراء في الصيف والشتاء"، وفق تعبيرها.
قبل رفع الدعم الأخير عن المحروقات في مناطق النظام السوري، منتصف أغسطس الماضي، وانخفاض قيمة الليرة السورية إلى مستويات تاريخية وصلت إلى حدود 15 ألف ليرة أمام الدولار الأميركي الواحد، كانت أسعار الخضروات مرتفعة إلى حدّ كبير، لكن غالبية الناس كانوا يستطيعون الشراء، كما يشرح أبو محمد لـ"ارفع صوتك"، وهو صاحب محل شعبي للخضروات في حي منطقة كفرسوسة في العاصمة دمشق، "أما اليوم، فأسعار الخضروات وصلت إلى مبالغ غير منطقية مقارنة برواتب الناس وأجورهم الشهرية، حيث يصل الكيلو غرام الواحد من البطاطا مثلاً إلى نحو 5 آلاف ليرة، على سبيل المثال".
ويوضّح أبو محمد أن زبائنه منذ شهر بدأت طلباتهم تميل إلى الاختصار الشديد، "فالذي كان يشتري لعائلته كليوغرامين أو ثلاثة، بات يقف أمام سلّات الخضروات، ويختار حبّات معدودة، ويطلب منّي وزنها"، وفق ما يقول البائع الستيني الذي يتساءل مستغرباً: "كيف يمكن للموظف أو العامل اليوم أن يقوم بتخزين الخضروات للشتاء وهو في موسمها بالصيف غير قادر على شراء كميات تكفيه منها للاستهلاك اليومي؟".
يكمل أبو محمد حديثه استناداً إلى خبرته الطويلة بحركة البيع في السوق، بأن المواطن السوري اليوم لم يعد يتحسّر على ما يسمّيها "سنوات الخير والبركة" لأنها باتت "أشبه بالأحلام التي انقضت"، إنما "بتنا نتحسر في كل عام على العام الذي سبقه، بل إننا أحياناً نتحسر على الأسبوع الماضي، وأسعار البارحة.. الأسعار كما تلاحظ، يمكن أن تتبدل خلال اليوم الواحد أكثر من مرة، بحسب سعر الأخضر"، مشيراً بطريقة غير مباشرة إلى الدولار الذي يحظر النظام السوري التداول به أو بأسعاره بشكل عام في إطار "مواجهة الحرب الاقتصادية على سوريا"، وفقاً للإعلام الرسميّ.
وفي منتصف أغسطس الماضي، أعلنت الحكومة السورية رفع الدعم عن المحروقات الرئيسية في البلاد بنسبة تقارب ثلاثة أضعاف، ما أدى بشكل مباشر إلى ارتفاع الأسعار بشكل عام، وأسعار المواد الغذائية بشكل خاص، بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل والنقل القائمة على "الديزل" و"البنزين".
وعلى الرغم من أن قرار رفع الدعم سبقه بساعات مرسوم من رئيس النظام السوري بشار الأسد برفع الرواتب بنسبة 100%، إلا أن الزيادة الجديدة أصبحت ذات مفعول عكسي، مع ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية بنسب كبيرة وصلت في بعض الأحيان إلى أكثر من 200 في المئة، وهو ما فجّر غضباً شعبياً تترجم بانتفاضة لا تزال مستمرة في محافظة السويداء.
