أثار علم طائفة الدروز، المؤلف من ألوان طولية خمسة هي الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق والأبيض، والذي تصدّر الكثير من تظاهرات السويداء الأخيرة، الكثير من الجدل حول ماهيته، سواء في الداخل السوري أو على مواقع التواصل الاجتماعي.
وبينما جرى اتهام المتظاهرين الدروز بالطائفية لرفعهم علماً دينياً بدل العلم السوري، اعتبر البعض الآخر أنه دليل نزعة انفصالية، ورغبة بتأسيس دولة خاصة بهم، فيما أكد آخرون أنه علم ذو دلالات فلسفية وثقافية، وبعيد كل البعد عن أي نزعة انفصالية أو طائفية.
يقول سمير أحمد نحيلي في منشور على صفحته في فيسبوك، "العديد يكرر ذات السؤال لماذا لا يتم رفع علم الثورة في السويداء، والجواب هذه الراية تشكل للأخوة الدروز بني معروف بعداً دينياً وتاريخياً وثقافياً وثورياً، فهي راية الثورة ضد المستعمر الفرنسي، وهذه الراية عمرها مئات السنين، قبل أي علم عرفته سوريا، ولو كنت في السويداء لكنت رفعت هذه الراية، وجهلنا ببعض الأمور يقودنا لسوء النوايا".
بدورها تقول ليلى الصفدي في منشور لها على فيسبوك، "بالنسبة للمخاوف والشكوك التي تثار هنا وهناك حول رفع علم الدروز في مظاهرات السويداء، العلم الدرزي يمثل وجدان الناس، ويمكن أن يحتشدوا خلفه، في ظل غياب علم سوري موحد ومتفق عليه".
وتضيف: "المطمئن في الأمر، أن هذا العلم لا يمكن أن يتحول الى مشروع حكم ديني، نظرا للطبيعة الخاصة للمذهب الدرزي، رُفع هذا العلم في المعارك العظيمة ضد الأتراك وضد الاحتلالات المختلفة، من الفرنسي وحتى الاسرائيلي، ومن هنا تمثيله لوجدان الناس، وهو تذكير بتاريخهم الوطني ورفضهم للاحتلال، وهو يثير حماستهم ويؤكد شعورهم أنهم ضد كل ظلم أو امتهان للكرامة".
الشيخ حكمت الهجري شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في السويداء، رد في تسجيل بث منذ أسبوعين، على الانتقادات التي طالت رفع العلم، قائلا "لهؤلاء الذين يوجّهون لنا الانتقاد واللوم بسبب رفعنا علم الطائفة المعروفية الدرزية في ساحات الاحتجاج، نقول إننا نعتز برفعنا لهذا العلم، الذي هو علم أجدادنا، وعلم المجاهد سلطان باشا الأطرش، وبسبب هذا العلم رُفع العلم الوطني في سماء سورية".
تفسيرات وأبعاد عدة
يقول الشيخ كامل العريضي، وهو رجل دين من طائفة الموحدين الدروز، وكاتب وباحث في الشؤون الدينية والتربوية، وقد أعدّ بحثاً مفصلا حول العلم الدرزي وتاريخه وأبعاده ورمزيته، أن كل جماعة من الناس "تختار علماً يمثلها، ويدل على معتقدات أو رموز أو شعارات، تعكس الواقع السياسي والاجتماعي أو الديني لها".
وللعلم الدرزي ذي الألوان الخمسة تفسيرات عدة، بحسب العريضي، "وليس هناك دليلاً ثابتاً وأكيداً على تفسير واحد موحد"، فالبعض يعتبر، يتابع العريضي، "أن هذا العلم المقسم إلى خمسة ألوان، يدل على تحالف لعدد من القبائل العربية، توحدت منذ مئات السنين، وكان لكل قبيلة علم خاص بها". ويشير الشيخ العريضي إلى أن "هذه القبائل اجتمعت فيما بينها على تحالف الدم، أي الحفاظ على الأرض والعرض والكرامة والدين، واتفقت على أن تتساعد فيما بينها، وعندما اجتمعت هذه القبائل والعائلات، اندمجت الأعلام براية واحدة ذات خمسة ألوان".
ويبيّن الشيخ العريضي أن هناك تفسيراً آخر لألوان العلم، له بعد روحي أكثر من البعد العسكري والسياسي، فالأخضر يدل على خضار الطبيعة، والأحمر دلالة على الدفاع عن الأرض ودماء الشهداء، والأصفر على الطهارة، والأزرق على الرقي والرفعة، أما الأبيض فيدل على السلام والاطمئنان والمحبة".
تفسيرات أخرى تعتبرالألوان الخمسة "دلالة على دعاة المذهب التوحيدي الأوائل، عند بدء الدعوة إلى المذهب"، كما يقول العريضي، وهناك أيضاً من يعتبر أن هذه الألوان "تدل على أنبياء أولي العزم عليهم السلام، والبعض يرجعها إلى أصلها القرآني في كتاب القرآن الكريم الذي يعتمد عليه الموحدون"، فهذه الألوان، يتابع الشيخ الدرزي، "مستقاة من القرآن الكريم، بما لها من دلالة وأبعاد روحية وإيمانية عميقة في الكتاب العزيز".
راية سلطان باشا الأطرش
تقول الناشطة من مدينة السويداء هيام الأشقر في حديثها لـ"إرفع صوتك"، إن كل ما يشاع عن هذا العلم وكل الاتهامات التي تطلق من هنا وهناك هو محض افتراء، "هذه الراية رفعها رمز المقاومة سلطان باشا الأطرش خلال الثورة السورية الكبرى، التي أدت إلى إخراج الفرنسيين من بلادنا واستقلال سوريا". وتتابع الأشقر: "تحمل الراية رمزية دينية وتاريخية نفخر بها، وترمز لمحاربة الظلم والطغيان والحرية والعدالة، وليس لها ارتباطات سياسية وقومية تقسيمية، نحن مع سوريا الموحدة وهتافاتنا في الساحات أكبر دليل (الشعب السوري واحد)، نحن لا نطمح لإقامة دولة أو كيان خاص بنا، بل نحن مع سوريا الموحدة".
وكان الإعلامي السوري الموالي للنظام رفيق لطف، زعم في تسجيل مصور، بثه عبر صفحته على "فيسبوك"، تعليقاً على الاحتجاجات في محافظة السويداء، أن رفع العلم، هو مسعى واضحاً إلى إقامة حكم ذاتي منفصل في السويداء.
بدوره، يقول الناشط عدنان مرعي: "خرجنا في مظاهرات للاعتراض على تردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وحين فشلت جميع الاتهامات التي وجهت إلينا، انصب التركيز على العلم، والتهمة جاهزة بأننا طائفيون، ونسعى لإقامة كيان خاص بنا، بينما العلم بألوانه الخمس ذو بعد فلسفي وأخلاقي، تماما كالمبادئ الأخلاقية التي نؤمن بها، وهي صدق اللسان، وحفظ الإخوان والرضا والتسليم، والتوحيد للمولى عز وجل ورفض الظلم والطغيان".
يضيف مرعي: "يشرفنا أن نرفع راية المجاهد وقائد الثورة سلطان باشا الأطرش، فهذا العلم هو الذي أتى بالاستقلال إلى سوريا في العام 1946، حين كان ثوار بني معروف يقاتلون الفرنسيين، وللتذكير علّق هذا العلم فوق البرلمان السوري، عندما اندحر الفرنسيون عن أرض الوطن". ويتابع: "أما بالنسبة لألوان العلم فالموضوع بسيط: الأخضر للخير والطبيعة، والأحمر للقوة والشجاعة، والأصفر للحكمة والثقافة، والأزرق للعطاء والحشمة، والأبيض للسلام والأخوة".
