في شهر مايو من العام المقبل، تشهد فرنسا أول محاكمة لمسؤولين أمنيين كبار لدى النظام السوري، أمام المحكمة الجنائية في باريس، بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب، وممارسة التعذيب والخطف.
وتُعدّ هذه المحاكمة الأولى من نوعها، لمسؤولين في الصفّ الأول في البنية الأمنيّة للنظام السوري، وفي مقدّمتهم رئيس مكتب الأمن الوطني اللواء علي مملوك، ومعه الرئيس السابق لجهاز المخابرات الجوية جميل حسن، ومدير فرع باب توما (دمشق) في المخابرات الجوية عبد السلام محمود.
والمسؤولون الثلاثة أسماؤهم حاضرة في مذكّرات توقيف دولية، فيما تستعدّ محكمة أمريكية في الأسابيع المقبلة، للنظر في قضية جنائية هي الأولى من نوعها أيضاً على أراضي الولايات المتحدة، تستهدف مملوك وحسن، لتورطهما بالانتهاكات السابقة نفسها.
الملف الرئيسي في القضية
على الرغم من كثرة الاتهامات للمسؤولين الثلاثة بالمسؤولية عن جرائم ضد الإنسانية، إلا أن الملف الرئيسي أمام المحكمة الفرنسية يتعلق بباتريك دبّاغ المولود في 1993، وكان طالباً في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في دمشق، ووالده مازن (من مواليد 1956)، الذي كان مستشاراً تربوياً في المدرسة الفرنسية في دمشق، وقد اعتقلا في نوفمبر عام 2013 على يد ضباط قالوا إنهم ينتمون إلى جهاز المخابرات الجوية التابع للنظام السوري.
وأفاد صهر مازن دباغ الذي اعتُقل معه وأُفرج عنه بعد يومين، بأن الرجلين نُقلا إلى سجن المزة، حيث تشير تقارير إلى تعرّضهما لعمليات تعذيب، وأعلن النظام السوري وفاتهما في أغسطس من العام 2018.
وتقول شهادة الوفاة الصادرة عن النظام السوري إن باتريك توفي في 21 يناير 2014، وإن أباه مازن تُوفي في 25 نوفمبر 2017.
وكان أمر إحالة الضباط الثلاثة إلى المحاكمة الذي أصدره قاضيا تحقيق في نهاية مارس الماضي، تضمن اتهامات بأن "من الواضح" أن باتريك ومازن دبّاغ "تعرّضا، مثل آلاف المعتقلين الآخرين لدى المخابرات الجوية، للتعذيب الشديد الذي أدّى إلى وفاتهما".
عقبة قانونية
تعليقاً على خبر المحاكمة، يقول المعتصم الكيلاني، وهو محامٍ وباحث قانوني في المركز الأمريكي لدراسات الشرق الأوسط، إن هذه المحاكمة هي الأولى من نوعها كأول محاكمة تُعقد في فرنسا بشأن الجرائم المرتكبة في سوريا.
ويوضح الكيلاني لـ"ارفع صوتك"، أن القانون الجنائي الفرنسي يُتيح المحاكمات الغيابية، حتى لو كان المُتّهمون ليسوا على الأراضي الفرنسية، متوقعاً صدور أحكام ضدهم في حال إدانتهم، ويردف: "العقبة الوحيدة القانونية هي عدم تعاون الحكومة السورية في تسليم المتّهمين، لكن سيتم تجاوزها عن طريق وضعهم على اللائحة الحمراء للإنتربول الدولي، كما سيكونون سجناء داخل الحدود السورية، لا يستطيعون مغادرتها كي لا يتم القبض عليهم وتسليمهم للسلطات القضائية الفرنسية، والنقطة المهمة أن تلك الجرائم لا تسقط بالتقادم، أي إن تلك الأحكام ستكون أبدية بحقهم"، وفق تعبيره.
رسائل سياسية
الكيلاني يشرح أنه على الرغم من المسار الحقوقي للقضية، إلا أنها تحمل "بكل تأكيد رسائل سياسية واضحة، وهي أن فرنسا مستمرة في سياساتها في مكافحة الإفلات من العقاب في سوريا، ومستمرة بمحاكمة مجرمي الحرب، وأنه لا إفلات من العقاب عن تلك الجرائم، سواء في فرنسا أو باقي دول الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة" على حدّ تعبيره.
ويتيح مبدأ "الولاية القضائية العالمية" رفع دعاوى وإنشاء محاكمات ضد شخصيات من النظام السوري عبر العالم، خصوصاً في البلدان الأوروبية، أي محاكمة أشخاص ارتكبوا جرائم في بلد غير البلد الذي تجري فيه المحاكمة، مثل ألمانيا وإيطاليا.
أما في فرنسا، فيتعيّن أن يكون صاحب الدعوى فرنسي الجنسية أو مقيماً على الأراضي الفرنسية، وفي حالة مازن وباتريك دباغ، فإن الشرط الأول توفر لهما، حيث إنهما كانا مزدوجي الجنسية، ما سهّل إقامة الدعوى ضد المسؤولين الثلاثة في النظام السوري.
