يرتفع مستوى التأثير السلبي للوضع المعيشي في سوريا على كافة نواحي الحياة، مع انخفاض القدرة الشرائية إلى درجات حادّة، وغلاء الأسعار بشكل كبير في الأسواق.
وخلال الأشهر الأخيرة، ارتفعت أعداد الأطفال الذين يعانون من فقر الدم وسوء التغذية، سواء في مرحلة الرضاعة حيث تُحرم السيدات الحوامل والمرضعات من الغذاء اللازم لتغذية أطفالهن، أو في مرحلة السنوات الأولى من أعمار الأطفال.
السيدة رجاء الحلبي المُقيمة في منطقة "أشرفية صحنايا" في ريف دمشق، تعمل ممرّضة في أحد مشافي العاصمة، تقول لـ"ارفع صوتك" إنها اضطُرّت إلى إيجاد عمل مسائي في مشفى خاص قريب من بيتها، لتأمين علاجات ومكمّلات غذائية لطفلها الذي يبلغ من العمر 6 سنوات.
وقالت المنظمة في بيان مشترك صادر عن المدير الإقليمي لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تيد شيبان والمنسق الإقليمي للشؤون الإنسانية للأزمة السورية مهند هادي إن "الأطفال في سوريا يواصلون دفع ثمن الأزمة التي ستترك علامة قاتمة في ذكرى مرور عشر سنوات على بدئها، والذي يحل في آذار/ مارس من هذا العام، فأكثر من نصف الأطفال لا يزالون م
تقول السيدة رجاء (31 عاماً)، إن ابنها يعاني منذ فترة من حالة خمول عام مع عدم القدرة على الحركة بشكل جيد بالإضافة إلى النوم الطويل، وعندما راجعت الطبيب وأجرت بعض التحاليل عرفت أن ابنها يعاني من فقر شديد في الدم، نتيجة سوء التغذية. وما زاد من ارتباك السيدة وخوفها على ولدها أن هذه الأعراض تمنعه حتى من الدوام المدرسي بشكل جيد مع أنه لا يزال في الأسابيع الأولى من الصف الدراسي الأول.
تضيف رجاء: "التزمتُ في عمل مسائي لأن راتبي وراتب والده (موظف) بالكاد يمكّننا من الحصول على وجبات قليلة من الطعام، لا تحوي لحوماً أو فواكه أو بيضاً، هذه المواد أصبحت بالنسبة لنا حكراً على أصحاب الثراء الفاحش، لكن طفلي الآن في خطر، أخشى أن نخسره ذات يوم".
إحصائيات مقلقة
في مارس الماضي، حذّرت منظمة الطفولة العالمية التابعة للأمم المتحدة "اليونيسف"، في تقرير لها، من أن سنوات النزاع الطويلة والزلازل المميتة الأخيرة، تركت ملايين الأطفال في سوريا في خطر متزايد من الإصابة بسوء التغذية.
وفقاً لتقديرات المنظمة، فإن أكثر من 609,900 طفل دون سن الخامسة يعانون من التقزّم في سوريا، وينجم التقزّم عن نقص التغذية المُزمن ويسبّب أضراراً بدنية وعقلية للأطفال لا يمكن التعافي منها، ويؤثّر ذلك على قدرتهم على التعلم وإنتاجيتهم في مرحلة البلوغ.
ويضيف التقرير أنّ سوء التغذية الحاد بين الأطفال في ارتفاع مستمر، وقد ارتفع عدد الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6-59 شهراً والذين يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم بنسبة 48 في المئة من عام 2021 إلى 2022. يتابع التقرير: "عندما يعاني الأطفال من سوء التغذية الحاد، يضعف جهاز المناعة لديهم، ويكونون عرضة للوفاة بمعدل 11 مرة أكثر من الأطفال الذين يتمتعون بتغذية جيدة".
ونقل موقع "أثر برس" المحلّي عن رئيس قسم الأطفال في مشفى المجتهد بدمشق قصي الزير، قوله إن الوضع الاقتصادي في سوريا أثر على جميع المستويات العمرية وخاصة الأطفال، وازدادت حالات سوء التغذية وفقر الدم لديهم بشكل مضاعف في المحافظات كافة.
ويشير الزير إلى أن الغلاء المعيشي في ريف دمشق كان له دور كبير بسوء التغذية عند الأطفال، وأن هناك أطفالاً سريعي النمو ويعانون من عوز في الحديد والفيتامينات مثل فيتامين B12.
ولا تقتصر أعراض نقص التغذية وعدم تناول المغذيات الأساسية في سوريا على فئة دون أخرى، لكن الأطفال يبقون الفئة الأكثر هشاشة تجاه هذا النقص، ولا سيما في مراحل النمو الأولى.
ووصل متوسط سعر الكيلو الواحد من اللحوم الحمراء في دمشق وريفها خلال الأيام الأخيرة إلى نحو 150 ألف ليرة سورية (وهو ما يمثل بالنسبة لكثير من الموظفين أكثر من ثلثي الراتب)، فيما وصل سعر طبق البيض إلى نحو 50 ألفاً، مع تدنٍّ هائل في القيمة الشرائية لليرة السورية وتخبط بسعر الصرف ووصول الدولار الأمريكي الى حدود 14 ألف ليرة.
وارتفع متوسط تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد لأكثر من 10 ملايين ليرة سورية شهرياً، بعد صدور قرارات حكومية رُفع بموجبها الدعم عن المحروقات الرئيسية والسلع الأساسية في أغسطس الماضي، بينما تتراوح الرواتب الجديدة بحسب آخر زيادة فيها بين 150 و350 ألفاً.
