FILE - A Syrian woman leaves a pharmacy after buying medicine in Damascus, Syria, on July 24, 2019. The Syrian government…
سيدة سورية مع طفلتها في إحدى صيدليات دمشق- أرشيفية

 يرتفع مستوى التأثير السلبي للوضع المعيشي في سوريا على كافة نواحي الحياة، مع انخفاض القدرة الشرائية إلى درجات حادّة، وغلاء الأسعار بشكل كبير في الأسواق.

وخلال الأشهر الأخيرة، ارتفعت أعداد الأطفال الذين يعانون من فقر الدم وسوء التغذية، سواء في مرحلة الرضاعة حيث تُحرم السيدات الحوامل والمرضعات من الغذاء اللازم لتغذية أطفالهن، أو في مرحلة السنوات الأولى من أعمار الأطفال.

السيدة رجاء الحلبي المُقيمة في منطقة "أشرفية صحنايا" في ريف دمشق، تعمل ممرّضة في أحد مشافي العاصمة، تقول لـ"ارفع صوتك" إنها اضطُرّت إلى إيجاد عمل مسائي في مشفى خاص قريب من بيتها، لتأمين علاجات ومكمّلات غذائية لطفلها الذي يبلغ من العمر 6 سنوات.

أكثر من نصف أطفال سوريا بلا تعليم
اليونيسف: أكثر من نصف أطفال سوريا بلا تعليم
أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في بيان الأحد إن أكثر من نصف الأطفال في سوريا لا يزالون محرومين من التعليم بعد مرور نحو عشرة أعوام على بدء الحرب في هذا البلد.
وقالت المنظمة في بيان مشترك صادر عن المدير الإقليمي لليونيسف في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تيد شيبان والمنسق الإقليمي للشؤون الإنسانية للأزمة السورية مهند هادي إن "الأطفال في سوريا يواصلون دفع ثمن الأزمة التي ستترك علامة قاتمة في ذكرى مرور عشر سنوات على بدئها، والذي يحل في آذار/ مارس من هذا العام، فأكثر من نصف الأطفال لا يزالون م

تقول السيدة رجاء (31 عاماً)، إن ابنها يعاني منذ فترة من حالة خمول عام مع عدم القدرة على الحركة بشكل جيد بالإضافة إلى النوم الطويل، وعندما راجعت الطبيب وأجرت بعض التحاليل عرفت أن ابنها يعاني من فقر شديد في الدم، نتيجة سوء التغذية. وما زاد من ارتباك السيدة وخوفها على ولدها أن هذه الأعراض تمنعه حتى من الدوام المدرسي بشكل جيد مع أنه لا يزال في الأسابيع الأولى من الصف الدراسي الأول.

تضيف رجاء: "التزمتُ في عمل مسائي لأن راتبي وراتب والده (موظف) بالكاد يمكّننا من الحصول على وجبات قليلة من الطعام، لا تحوي لحوماً أو فواكه أو بيضاً، هذه المواد أصبحت بالنسبة لنا حكراً على أصحاب الثراء الفاحش، لكن طفلي الآن في خطر، أخشى أن نخسره ذات يوم".

 

إحصائيات مقلقة

في مارس الماضي، حذّرت منظمة الطفولة العالمية التابعة للأمم المتحدة "اليونيسف"، في تقرير لها، من أن سنوات النزاع الطويلة والزلازل المميتة الأخيرة، تركت ملايين الأطفال في سوريا في خطر متزايد من الإصابة بسوء التغذية.

 

وفقاً لتقديرات المنظمة، فإن أكثر من 609,900 طفل دون سن الخامسة يعانون من التقزّم في سوريا، وينجم التقزّم عن نقص التغذية المُزمن ويسبّب أضراراً بدنية وعقلية للأطفال لا يمكن التعافي منها، ويؤثّر ذلك على قدرتهم على التعلم وإنتاجيتهم في مرحلة البلوغ.

 

ويضيف التقرير أنّ سوء التغذية الحاد بين الأطفال في ارتفاع مستمر، وقد ارتفع عدد الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6-59 شهراً والذين يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم بنسبة 48 في المئة من عام 2021 إلى 2022. يتابع التقرير: "عندما يعاني الأطفال من سوء التغذية الحاد، يضعف جهاز المناعة لديهم، ويكونون عرضة للوفاة بمعدل 11 مرة أكثر من الأطفال الذين يتمتعون بتغذية جيدة".

 ونقل موقع "أثر برس" المحلّي عن رئيس قسم الأطفال في مشفى المجتهد بدمشق قصي الزير، قوله إن الوضع الاقتصادي في سوريا أثر على جميع المستويات العمرية وخاصة الأطفال، وازدادت حالات سوء التغذية وفقر الدم لديهم بشكل مضاعف في المحافظات كافة.

ويشير الزير إلى أن الغلاء المعيشي في ريف دمشق كان له دور كبير بسوء التغذية عند الأطفال، وأن هناك أطفالاً سريعي النمو ويعانون من عوز في الحديد والفيتامينات مثل فيتامين  B12.

ولا تقتصر أعراض نقص التغذية وعدم تناول المغذيات الأساسية في سوريا على فئة دون أخرى، لكن الأطفال يبقون الفئة الأكثر هشاشة تجاه هذا النقص، ولا سيما في مراحل النمو الأولى.

ووصل متوسط سعر الكيلو الواحد من اللحوم الحمراء في دمشق وريفها خلال الأيام الأخيرة إلى نحو 150 ألف ليرة سورية (وهو ما يمثل بالنسبة لكثير من الموظفين أكثر من ثلثي الراتب)، فيما وصل سعر طبق البيض إلى نحو 50 ألفاً، مع تدنٍّ هائل في القيمة الشرائية لليرة السورية وتخبط بسعر الصرف ووصول الدولار الأمريكي الى حدود 14 ألف ليرة.

وارتفع متوسط تكاليف المعيشة لأسرة سورية مكوّنة من خمسة أفراد لأكثر من 10 ملايين ليرة سورية شهرياً، بعد صدور قرارات حكومية رُفع بموجبها الدعم عن المحروقات الرئيسية والسلع الأساسية في أغسطس الماضي، بينما تتراوح الرواتب الجديدة بحسب آخر زيادة فيها بين 150 و350 ألفاً.

مواضيع ذات صلة:

بشار الأسد متهم بارتكاب جرائم حرب ضد السوريين
عدة مصالح تجمع موسكو وطهران منها تثبيت نظام الأسد

خلال تهنئته بمنصبه الجديد أبلغ وزير الدفاع في حكومة النظام السوري، علي محمود عباس، نظيره الإيراني العميد عزيز نصير زاده بأن "سوريا مع إيران على نفس الجبهة، وأن أمن البلدين واحد، لأن الإخوة في محور المقاومة على نفس القارب"، على حد تعبيره، وكما نقلت وكالات إيرانية.

ورغم أن هذه اللهجة الخارجة من دمشق ليست جديدة على صعيد العلاقة مع طهران، المتشكلة منذ عقود، فإنها تبدو لافتة عندما تقاس بالتوقيت الذي جاءت فيه، وبالتحركات والمشروع الذي يحاول تكريسه الحليف الثاني لبشار الأسد على الأرض، المتمثل في روسيا.

وترعى روسيا في الوقت الحالي مسار التقارب بين تركيا والنظام السوري، في مسعى منها لفرض حالة من "التهدئة والاستقرار" على الأرض، ولاعتبارات تتعلق بإنعاش الأسد اقتصاديا وفي مجالات أخرى، كما يقول خبراء ومراقبون، تحدث معهم موقع "الحرة".

وكانت موسكو قد اتبعت سياسة "هادئة" فيما يتعلق بالحرب المندلعة في غزة، وسعت لإبعاد نفسها عن دائرة المواجهة، بمواقف ترجمتها على الأرض وبالتصريحات.

وفي المقابل لا تزال إيران تؤكد على "هوية سوريا كدولة مقاومة".

وبينما شدد على ذلك المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، قبل ثلاثة أشهر عاد وزير دفاع الأسد، محمود عباس، ليثير ذات الفكرة مع نظيره الإيراني، يوم الأحد، مستخدما مصطلحات من قبيل: "مواجهة قوى الشر والمحور المتغطرس"، في إشارة منه لإسرائيل والولايات المتحدة.

ولروسيا قوات وقواعد عسكرية في سوريا، أبرزها "حميميم"، ويأخذ وجودها هناك طابع الجيش الرسمي المتمركز في مواقع استراتيجية ومعروفة في اللاذقية والعاصمة السورية دمشق.

وكان تدخلها عسكريا عام 2015 قد حرف دفة الصراع في البلاد لصالح النظام السوري ورئيسه بشار الأسد، وجاء ذلك بعدما زجت إيران بالكثير من الميليشيات على الأرض لمساندة قوات الأخير ضد فصائل المعارضة.

وفي حين أن كلا الدولتين تدعمان الأسد على الأرض وفي الأروقة الدبلوماسية لا يعني ذلك أنهما تشتركان وتتقاطعان بكامل المصالح في سوريا، دون أن يعني ذلك التضارب الكامل الذي قد يؤدي للتصادم بصورته العامة، كما يقول الخبير في الشؤون السورية بمؤسسة القرن، آرون لوند.

"يختلفان.. ولكن"

ووفقا للخبير لوند من الواضح أن إيران وروسيا لديهما أولويات مختلفة في الشرق الأوسط، بما في ذلك وإلى حد ما في سوريا، ويطرح مثالا على ذلك، بقوله إن لديهما مواقف مختلفة للغاية تجاه إسرائيل.

وتحاول روسيا تجنب الصراع مع إسرائيل، بينما تخوض إيران "حربا فعلية" ضدها. كما تختلف كل من موسكو وطهران في موقفهما من تورط دول الخليج العربية في سوريا حيث يسيطر النظام السوري.

ومع ذلك، يضيف لوند أنهما "متوافقان جيدا فيما يتعلق بالقضايا السورية الأكثر أهمية، وقد تعاونا بشكل فعال لسنوات، كما يريد كلاهما ضمان بقاء بشار الأسد وإدارة الصراع لصالحه".

وغالبا ما تتكهن المعارضة السورية بوجود منافسة خطيرة مستمرة بين روسيا وإيران، وأن التحالف الروسي الإيراني سوف ينهار، مما يقوض موقف الأسد، لكن وحتى الآن لم نشهد حدوث ذلك أبدا، وفق لوند.

ويشير من ناحية أخرى إلى أنه، وبينما سيكون هناك "بعض الاحتكاك" بين موسكو وطهران، إلا أن كلاهما "يستفيد من استمرار التعاون بشأن القضايا الرئيسية".

ويتوقع لوند أن يظل الوضع على هذا النحو، "ما لم يحدث شيء استثنائي".

وكانت العلاقة بين روسيا وإيران قد أخذت منحا تصاعديا بعدما بدأت موسكو حربها ضد أوكرانيا، ومن هذا المطلق يوضح الباحث في مركز "الحوار السوري"، أحمد القربي، أن "دائرة التعاون والمصالح بينهما أكبر من نطاق سوريا".

ويقول القربي لموقع "الحرة": "هناك أوجه تعاون كثيرة ما بين إيران وروسيا تدعمها نقاط كثيرة، يرتبط جزء منها بتطورات سياسية وعسكرية والآخر بسياقات إقليمية ودولية".

ولا يمكن القول في الوقت الحالي إنه يوجد "تنافس بين روسيا وإيران في سوريا"، ويشير الباحث السوري إلى "عدة مصالح تجمعهما منها تثبيت نظام الأسد".

وانعكس ذاك المشهد المتعلق بحماية الأسد من السقوط، منذ عام 2015، حيث دائما ما كان الروس ينفذون الغارات الداعمة له من الجو بينما ينتشر ويقاتل الإيرانيون وميليشياتهم على الأرض.

ماذا عن "نموذج الدولة"؟

ومن مصلحة روسيا في الوقت الحالي أن يستعيد النظام السوري كل أراضيه وأن تكون سوريا مركزا مهما باعتبارها دولة عربية "مستقرة"، مما يزيد من نقاط موسكو ويعزز من مصالحها، كما يرى المحلل السياسي السوري، محمود الفندي.

ويقول الفندي المقيم في موسكو لموقع "الحرة" إنه في المقابل "تريد طهران أن تظّل الحكومة السورية ضعيفة، وأن تبقى في إطار ما يعرف بمحور المقاومة والممانعة".

وحتى الآن لا ترى إيران مصلحة في "إعادة القوة" لسوريا، وأن تعود إلى الحضن العربي أو تعيد علاقاتها كاملة مع تركيا، وفق الفندي.

ويعتبر أن تحقيق ذلك "سيؤدي إلى فقدان إيران لأسهمها في سوريا"، مردفا أن "مصلحة إيران في سوريا الآن كما عمل النظام السوري في لبنان قبل سنوات. كان يريده ضعيفا بشكل دائم".

ومن جهته يشير الباحث السوري القربي إلى أن وجهة نظر إيران في سوريا تقوم على "تشكيل ميليشيات خارج مؤسسات الدولة"، وتختلف بذلك عن روسيا التي تدعم "نموذج الدولة المركزية".

لكن القربي لا يرى أن ما سبق يعني أن موسكو وطهران بينهما الكثير من المشاكل والتنافس.

ويضيف أنه "توجد مصلحة استراتيجية للطرفين في الحفاظ على نظام الأسد"، والتصدي للنفوذ الأميركي في شرق سوريا والحد منه، فضلا عن موقفهما المشترك ضد المعارضة السورية ورفض "قضية الثورة".

"القارب" روسي أم إيراني؟

ولا يعرف حتى الآن الشكل الذي ستكون عليه سوريا المقسمة بين 4 مناطق تشرف عليها جهات تتضارب فيما بينها بالكثير من القضايا العسكرية والسياسية والاقتصادية ونماذج الحكم.

وتتجه الأنظار في الوقت الحالي إلى ما ستؤول إليه التطورات المتعلقة بخط التطبيع ما بين أنقرة والنظام السوري، الذي تدعمه روسيا على نحو كبير.

وتشترك تركيا وروسيا وإيران في مسار "أستانة"، وتضبط هذه الدول الثلاث منذ سنوات خطوط الجبهة التي تفصل بين مناطق الصراع.

ويعتقد الباحث السوري القربي أن "الاختبار المرتبط بالتطبيع بين الأسد وتركيا سيقدم مؤشرا جيدا بشأن إلى أي مدى يمكن أن تتخلى موسكو وطهران عن بعضهما في سوريا".

ويؤكد في المقابل أن جملة المصالح السياسية الاستراتيجية بين إيران وروسيا لا تعني أن حليفي الأسد "يتوافقان في جميع المجالات"، خاصة الجانب الاقتصادي وتركيبة النظام السوري ككل.

ويعتقد المحلل السياسي الفندي أن "إيران تحاول عرقلة مسار التطبيع السوري التركي"، ولذلك تحرض من الخلف بشأن مسألة انسحاب القوات التركية من سوريا.

ويقول من ناحية أخرى، إن "الوجود الإيراني كميليشيات يرتبط بضعف سوريا، وعندما يكون هناك جيش فلا داعي لبقاء الميليشيات والحرس الثوري".

لكن الفندي يستبعد أن يكون هناك تصادم كبير بين الروس والإيرانيين في سوريا، ويضيف أن موسكو تحاول إدارة علاقتها مع طهران بالتوازي مع "تقوية سوريا من خلف الستار على صعيد المؤسسات والجيش".

ومن المستبعد أن يضحي النظام السوري بعلاقاته الاستراتيجية والعضوية مع إيران في المستقبل القريب، كما يرجح الباحث السوري، أحمد القربي، وذلك لأن الأمر "خارج إرادته"، وهو ما بدا واضحا بعد التطبيع العربي مع دمشق.

ويوضح الباحث أن "كل المؤشرات تذهب باتجاه أن نظام الأسد لا يمتلك الإرادة في التخلي عن إيران.. ولو كانت هناك ضغوط روسية".