أرشيفية من مدينة القامشلي شمال غرب سوريا، 2020- تعبيرية
أرشيفية من شتاء مدينة القامشلي شمال غرب سوريا، 2020- تعبيرية

مع اقتراب فصل الشتاء، وارتفاع أسعار المحروقات ومستلزمات التدفئة التقليدية ونقصها، بدأ العديد من السوريين مؤخراً بالبحث عن وسائل تدفئة بديلة لإشعالها في فترات الصقيع، على الرغم من تحذيرات الأطباء وخبراء البيئة من مساوئها الصحية والبيئية الكبيرة.

وتبحث العائلات، كما ترسل أطفالها للبحث عن كل ما يمكن جمعه وحرقه لتوليد الدفء، وتتنوع هذه المواد بين البلاستيك والكرتون والورق المقوى والقش، بالإضافة إلى الملابس والأحذية وإطارات الدواليب التي يتم تقطيعها ووضعها في المدفأة أو في أوان معدنية لتوليد الحرارة. 

تقول أم أيهم (50 عاما) من ريف حلب، إنها بدأت منذ منتصف سبتمبر الماضي مع ابنها وحفيدها في جمع البلاستيك من الطرقات، وكذلك من مكبات النفايات، حيث تحضر الكرتون والأحذية والورق وتجمعه في غرف منزلها، وتبين أنها كانت تشعر بالإحراج من البحث في النفايات في البداية، لكنها اعتادت على الأمر لوجود آخرين مثلها.

وهند عامر (37 عاماً)، من منطقة مصياف في ريف حماة، بدأت بجمع الأغصان من الأحراش القريبة وأكواز الصنوبر الفارغة لاستعمالها في فصل الشتاء، بالإضافة إلى أكوام من الملابس القديمة والأحذية التي أخذتها من معارفها.

هند، وهي أم لثلاثة أطفال في العاشرة والسابعة والخامسة، تقول لـ"ارفع صوتك"، إنها على دراية بالمخاطر الصحية لحرق الملابس والبلاستيك، لكن أبناءها الذين عانوا من نزلات برد شديدة في العام الماضي بسبب نقص التدفئة، لن يتحملوا برودة الطقس هذا العام، وتعتقد أن أمراض الجهاز التنفسي أقل عبئا من الصقيع.

من مدينة دمشق، يخبرنا علي مندو (63 عاماً)، أنه هو الآخر بدأ بجمع أغصان الشجر اليابسة وأكياس النايلون، وإطارات السيارات المستعملة، ليقوم بتقطيعها إلى قطع صغيرة تجهيزاً لحرقها في مدفأته.

"بالرغم من رائحتها الكريهة ومخاطرها الصحية، لكن لا يوجد لدي إمكانية مادية لشراء الوقود كالمازوت أو الحطب، بسبب ارتفاع سعرها، الذي يفوق راتبي السنوي بأضعاف"، يشرح علي لـ"ارفع صوتك".

بالنسبة لـ أبو حاتم البيطار من دير الزور، فقد تخلى عن التدفئة التقليدية منذ سنوات، بسبب تردي الوضع المعيشي، وعدم توفر الكهرباء، وغلاء الحطب والمازوت والقشور بأنواعها، والفحم الحجري، وما يفعله عادة هو إشعال البلاستيك وكرتون وروث الحيوانات بعد تجفيفها، في الأيام شديدة البرودة.

أما في الأيام متوسطة البرودة، فسيستعين أبو حاتم بالأغطية لدرء البرد عنه وعن عائلته، المؤلفة من زوجته وابنتيه، وهما من أصحاب الاحتياجات الخاصة، كما يقول لـ"ارفع صوتك".

يتابع: "كنا نعتمد على الفحم الحجري كوسيلة تدفئة رخيصة نسبياً، ولكن بسبب اختناق عائلة من أقاربنا ووفاة شخصين العام الماضي، قررنا عدم المخاطرة. البديل هو التبك والبعرور، وهما مخلفات الأبقار والأغنام التي نقوم بجمعها في الصيف ونجففها ليسهل اشتعالها، ثم تشكيلها مثل الكرات، وحفظها لفصل الشتاء. وهي تعطي دفئاً جيداً كما أنها غير مكلفة على الإطلاق، لأنك تحصل عليها مجاناً عند البحث في أماكن الرعي".

"وبالإضافة إلى التدفئة، نقوم بتسخين المياه عليها للاستحمام، كما تستعمل للطبخ ولصناعة الخبز تحت الصاج المخصص لذلك"، يضيف أبو حاتم.

ويلفت إلى أن هذه العادة (استخدام فضلات الحيوانات) ليست وليدة سنوات الحرب السورية، حيث "كانت منتشرة في أغلب مناطق سوريا، يعتمد عليها الأجداد كثيراً، لكن مع التطور، انتقلوا لاستعمال المدافئ الكهربائية ومدافئ المازوت والحطب وسواها".

 

مصدر دخل للبعض

نظراً لحاجة الناس الماسة لبدائل التدفئة، عمد العديد من السوريين لاتخاذها وسيلة للعيش. يقول يحيى آغا، الموظف في القطاع الحكومي، إن راتبه لا يكفي ثمن المواصلات، لذا يلجأ إلى وظائف موسمية تدر عليه دخلاً إضافياً.

في الصيف، يعمل يحيى على بيع ألواح الثلج، وفي الخريف في جني المحاصيل، وشتاء يجمع الحطب والقش وأكواز الصنوبر، لفرزها وبيعها للناس بالكيلو.

الأمر ذاته بالنسبة لـ تهاني مرّاش، تقول لـ"ارفع صوتك": "بدأت منذ أشهر الصيف بالتحضير من خلال جمع كل ما تيسر من الأحراج القريبة لتأمين تدفئة بيتي في فصل الشتاء، بالإضافة إلى بيع جيراني".

وهي تجد أعمدة مكسورة وبقايا قشور الجوز والصنوبر وأكواز السرو، بالإضافة إلى أبواب وخزائن مكسورة قام أصحابها بالتخلص منها، تضيف تهاني: "أحصل على مردود جيد يمكنني من تجهيز بعض المؤونة للشتاء".

 

التحويلات المالية

لا يُقلق فصل الشتاء عائلة أبو راشد الحمصي، فأبناؤه المغتربون في ألمانيا والسويد قاموا بإرسال مبالغ مالية تكفي لتأمين ثلاثة أطنان من "الباليت" لاستخدامها في التدفئة. 

يقول لـ"ارفع صوتك": "جهزت حاجتي عندما وصلني التحويل، ولولا ذلك لكنت في وضع سيء، فالأمور صعبة جداً على العائلات والفقر شديد والراتب لا يكفي، حتى لو عمل كل فرد من أفراد العائلة، فلن تكفي المداخيل لمصاريف المنزل والتدفئة، ولولا وجود أبنائي في الخارج، لكنا عانينا بشدة هذا الشتاء".

في السياق، يؤكد الباحث والخبير الاقتصادي، د.فراس شعبو، غياب الطبقة الوسطى في سوريا، حيث تحولت إلى طبقة من هم "تحت خط الفقر"، فراتب الموظف لا يتجاوز عشرة دولارات في أحسن الأحوال، وإذا كان لديه عمل أو عملين، فأقصى ما يحصل عليه هو 20 أو 30 دولاراً، ولولا التحويلات، لكان الوضع كارثياً، وفق تعبيره.

يضيف شعبو لـ"ارفع صوتك": "الوضع تعيس جداً والتأقلم في أسوأ أحواله، لا يمكن لعاقل أن يتصور كيف وصلت الأمور في سوريا من الناحية المعيشية، فالسوري وصل لمرحلة من التأقلم أنه تأقلم على فكرة أنه لم يعد لديه شيء".

يتابع "هناك مصطلح اسمه الإدارة بالأزمة، أي أن أخلق أزمة وأدير الشعب من خلالها، فأخلق لهم أزمة غاز ومحروقات وسواها، فيصبح قمة طموح الشعب وسعادته ورفاهيته، أن أجلب له الغاز والكهرباء والماء، فيصبح سعيداً ويعتبر أن الدولة أمنت له كل شيء"، في إشارة إلى أن هذا ما يحدث في سوريا.

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".