مع اقتراب فصل الشتاء، وارتفاع أسعار المحروقات ومستلزمات التدفئة التقليدية ونقصها، بدأ العديد من السوريين مؤخراً بالبحث عن وسائل تدفئة بديلة لإشعالها في فترات الصقيع، على الرغم من تحذيرات الأطباء وخبراء البيئة من مساوئها الصحية والبيئية الكبيرة.
وتبحث العائلات، كما ترسل أطفالها للبحث عن كل ما يمكن جمعه وحرقه لتوليد الدفء، وتتنوع هذه المواد بين البلاستيك والكرتون والورق المقوى والقش، بالإضافة إلى الملابس والأحذية وإطارات الدواليب التي يتم تقطيعها ووضعها في المدفأة أو في أوان معدنية لتوليد الحرارة.
تقول أم أيهم (50 عاما) من ريف حلب، إنها بدأت منذ منتصف سبتمبر الماضي مع ابنها وحفيدها في جمع البلاستيك من الطرقات، وكذلك من مكبات النفايات، حيث تحضر الكرتون والأحذية والورق وتجمعه في غرف منزلها، وتبين أنها كانت تشعر بالإحراج من البحث في النفايات في البداية، لكنها اعتادت على الأمر لوجود آخرين مثلها.
وهند عامر (37 عاماً)، من منطقة مصياف في ريف حماة، بدأت بجمع الأغصان من الأحراش القريبة وأكواز الصنوبر الفارغة لاستعمالها في فصل الشتاء، بالإضافة إلى أكوام من الملابس القديمة والأحذية التي أخذتها من معارفها.
هند، وهي أم لثلاثة أطفال في العاشرة والسابعة والخامسة، تقول لـ"ارفع صوتك"، إنها على دراية بالمخاطر الصحية لحرق الملابس والبلاستيك، لكن أبناءها الذين عانوا من نزلات برد شديدة في العام الماضي بسبب نقص التدفئة، لن يتحملوا برودة الطقس هذا العام، وتعتقد أن أمراض الجهاز التنفسي أقل عبئا من الصقيع.
من مدينة دمشق، يخبرنا علي مندو (63 عاماً)، أنه هو الآخر بدأ بجمع أغصان الشجر اليابسة وأكياس النايلون، وإطارات السيارات المستعملة، ليقوم بتقطيعها إلى قطع صغيرة تجهيزاً لحرقها في مدفأته.
"بالرغم من رائحتها الكريهة ومخاطرها الصحية، لكن لا يوجد لدي إمكانية مادية لشراء الوقود كالمازوت أو الحطب، بسبب ارتفاع سعرها، الذي يفوق راتبي السنوي بأضعاف"، يشرح علي لـ"ارفع صوتك".
بالنسبة لـ أبو حاتم البيطار من دير الزور، فقد تخلى عن التدفئة التقليدية منذ سنوات، بسبب تردي الوضع المعيشي، وعدم توفر الكهرباء، وغلاء الحطب والمازوت والقشور بأنواعها، والفحم الحجري، وما يفعله عادة هو إشعال البلاستيك وكرتون وروث الحيوانات بعد تجفيفها، في الأيام شديدة البرودة.
أما في الأيام متوسطة البرودة، فسيستعين أبو حاتم بالأغطية لدرء البرد عنه وعن عائلته، المؤلفة من زوجته وابنتيه، وهما من أصحاب الاحتياجات الخاصة، كما يقول لـ"ارفع صوتك".
يتابع: "كنا نعتمد على الفحم الحجري كوسيلة تدفئة رخيصة نسبياً، ولكن بسبب اختناق عائلة من أقاربنا ووفاة شخصين العام الماضي، قررنا عدم المخاطرة. البديل هو التبك والبعرور، وهما مخلفات الأبقار والأغنام التي نقوم بجمعها في الصيف ونجففها ليسهل اشتعالها، ثم تشكيلها مثل الكرات، وحفظها لفصل الشتاء. وهي تعطي دفئاً جيداً كما أنها غير مكلفة على الإطلاق، لأنك تحصل عليها مجاناً عند البحث في أماكن الرعي".
"وبالإضافة إلى التدفئة، نقوم بتسخين المياه عليها للاستحمام، كما تستعمل للطبخ ولصناعة الخبز تحت الصاج المخصص لذلك"، يضيف أبو حاتم.
ويلفت إلى أن هذه العادة (استخدام فضلات الحيوانات) ليست وليدة سنوات الحرب السورية، حيث "كانت منتشرة في أغلب مناطق سوريا، يعتمد عليها الأجداد كثيراً، لكن مع التطور، انتقلوا لاستعمال المدافئ الكهربائية ومدافئ المازوت والحطب وسواها".
مصدر دخل للبعض
نظراً لحاجة الناس الماسة لبدائل التدفئة، عمد العديد من السوريين لاتخاذها وسيلة للعيش. يقول يحيى آغا، الموظف في القطاع الحكومي، إن راتبه لا يكفي ثمن المواصلات، لذا يلجأ إلى وظائف موسمية تدر عليه دخلاً إضافياً.
في الصيف، يعمل يحيى على بيع ألواح الثلج، وفي الخريف في جني المحاصيل، وشتاء يجمع الحطب والقش وأكواز الصنوبر، لفرزها وبيعها للناس بالكيلو.
الأمر ذاته بالنسبة لـ تهاني مرّاش، تقول لـ"ارفع صوتك": "بدأت منذ أشهر الصيف بالتحضير من خلال جمع كل ما تيسر من الأحراج القريبة لتأمين تدفئة بيتي في فصل الشتاء، بالإضافة إلى بيع جيراني".
وهي تجد أعمدة مكسورة وبقايا قشور الجوز والصنوبر وأكواز السرو، بالإضافة إلى أبواب وخزائن مكسورة قام أصحابها بالتخلص منها، تضيف تهاني: "أحصل على مردود جيد يمكنني من تجهيز بعض المؤونة للشتاء".
التحويلات المالية
لا يُقلق فصل الشتاء عائلة أبو راشد الحمصي، فأبناؤه المغتربون في ألمانيا والسويد قاموا بإرسال مبالغ مالية تكفي لتأمين ثلاثة أطنان من "الباليت" لاستخدامها في التدفئة.
يقول لـ"ارفع صوتك": "جهزت حاجتي عندما وصلني التحويل، ولولا ذلك لكنت في وضع سيء، فالأمور صعبة جداً على العائلات والفقر شديد والراتب لا يكفي، حتى لو عمل كل فرد من أفراد العائلة، فلن تكفي المداخيل لمصاريف المنزل والتدفئة، ولولا وجود أبنائي في الخارج، لكنا عانينا بشدة هذا الشتاء".
في السياق، يؤكد الباحث والخبير الاقتصادي، د.فراس شعبو، غياب الطبقة الوسطى في سوريا، حيث تحولت إلى طبقة من هم "تحت خط الفقر"، فراتب الموظف لا يتجاوز عشرة دولارات في أحسن الأحوال، وإذا كان لديه عمل أو عملين، فأقصى ما يحصل عليه هو 20 أو 30 دولاراً، ولولا التحويلات، لكان الوضع كارثياً، وفق تعبيره.
يضيف شعبو لـ"ارفع صوتك": "الوضع تعيس جداً والتأقلم في أسوأ أحواله، لا يمكن لعاقل أن يتصور كيف وصلت الأمور في سوريا من الناحية المعيشية، فالسوري وصل لمرحلة من التأقلم أنه تأقلم على فكرة أنه لم يعد لديه شيء".
يتابع "هناك مصطلح اسمه الإدارة بالأزمة، أي أن أخلق أزمة وأدير الشعب من خلالها، فأخلق لهم أزمة غاز ومحروقات وسواها، فيصبح قمة طموح الشعب وسعادته ورفاهيته، أن أجلب له الغاز والكهرباء والماء، فيصبح سعيداً ويعتبر أن الدولة أمنت له كل شيء"، في إشارة إلى أن هذا ما يحدث في سوريا.
