تعذيب في السجون السورية
صورة من الأرشيف، لأحد المعتقلين السابقين في سجون النظام السوري

منذ 10 أكتوبر الجاري بدأت محكمة العدل الدولية النظر في شكوى تقدّمت بها هولندا وكندا ضد الحكومة السورية، بزعم تورّطها في تعذيب عشرات الآلاف من مواطنيها منذ تفجر الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الأسد في 2011 والتي تحوّلت إلى حربٍ أهلية لاحقاً.

كان مقرراً أن تُعقد هذه الجلسة في 19 يوليو الماضي لكنها تأجلت بناءً على طلب الحكومة السورية.

وتُشكل هذه القضية حدثاً جديداً في تاريخ المحكمة الدولية التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية وتتألّف من 15 قاضياً بهدف فضِّ النزاعات بين الدول، والأحكام الصادرة عنها غير قابلة للاستئناف.

 

وتسعى كل من كندا وهولندا لإدانة النظام السوري عبر إثبات انتهاكه اتفاقية مناهضة التعذيب التي وقّع عليها في أغسطس 2004.

ومنذ مارس 2022، بدأت الدولتان اجتماعات دبلوماسية مع الحكومة السورية لحثّها على التوقف عن الانتهاكات التي تجري في سجونها، وعقد الطرفان اجتماعين لبحث هذا الأمر لم يُفضيا إلى نتيجة، بسبب إصرار دمشق على إنكار وقوع أي عمليات تعذيب في سجونها.

وفي أكتوبر 2022 أعلنت الدولتان إيقاف المفاوضات لأنها أصبحت "عقيمة" وفق تصريحاتهما.

 

رجال الأسد في محاكم أوروبا

في سبتمبر 2020 أعلنت هولندا نيتها محاسبة الحكومة السورية على عمليات التعذيب التي تجري في سجونها، وهي الجهود التي انضمّت إليها كندا في مارس 2021 واحتاجت البلدان إلى وقتٍ طويل لاستيفاء الإجراءات القانونية اللازمة لتفعيل هذه القضية، وهو ما نجحتا به في يونيو الماضي.

بحسب ما صرّح به رينيه لوفيبر، مُمثّل هولندا في المحكمة الدولة التي تتخذ من لاهاي مقراً لها فإن دمشق مارست عمليات "اغتصاب جماعي" و"تشويه" ضد معتقلين فضلاً عن تعرّضهم إلى أنواعٍ شتّى من التعذيب مستشهداً بشهادات العشرات منهم.

فيما صرّح ألان كيسيل مُمثّل كندا في المحكمة بأنه "يجب على حكومة الأسد وقف التعذيب المنتشر في البلد".

ووفقاً للبلدين، فإنهما تمتلكان مخاوف من أن جميع المعتقلين القابعين في سجون الأسد معرضون إلى "خطر الموت الوشيك".

بناءً على هذه الادعاءات، طالبت هولندا وكندا من المحكمة إلزام الحكومة السورية بوقف جميع أشكال التعذيب والاعتقال الجماعي، وفتح سجونها للتفتيش من قِبَل مراقبين دوليين.

وسبق وأن واجه بعض ضباط الجيش السوري ملاحقات قضائية محلية في أوروبا وأميركا، إلا أنها المرة الأولى التي ينظر القضاء الدولي في شكوى ضد النظام الحاكم.

في أبريل 2021 تقدّمت مؤسسات مجتمع مدني سويدية إلى القضاء بشكوى ضد النظام السوري بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية في الهجوم على "الغوطة" و"خان شيخون"، بعدها بعام لجأ مواطن سوري أميركي إلىمحكمة أميركية في كولومبيا شاكياً من تعرضه للتعذيب على أيدي رجال المخابرات الجوية في مطار "المزة" العسكري، إلا أن كلا المسارين لم يجرِ تفعيلهما بعد مثلما جرى في 2019 حينما أدانت محكمة أميركية النظام السوري بالتسبب في مقتل الصحافية الأميركية ماري كولفين وفرضت عليه غرامة 300 مليون دولار أميركي.

في ألمانيا حكم القضاء في يناير 2022 على العقيد السوري أنور رسلان أحد المسؤولين عن سجن المزة بالسجن مدى الحياة لارتكابه جرائم ضد الإنسانية.

وفي فرنسا، ستبدأ محكمة محلية إجراءات محاكمة المتورطين في مقتل مواطنيين سوريين يحملان الجنسية الفرنسية هما مازن دباغ ونجله باتريك، اللذين اعتُقلا في سجن "المزة" وقُتلا بداخله.

المسؤولون السوريون المتهمون بالقضية هم علي مملوك، الرئيس السابق لجهاز المخابرات العامة الذي أصبح لاحقا رئيس مكتب الأمن الوطني، وجميل حسن، الرئيس السابق لجهاز المخابرات الجوية، وعبد السلام محمود، مسؤول المخابرات الجوية في سجن "المزة" العسكري بدمشق.

 

دمشق: لا شرعية للمحكمة

لا تمتلك المحكمة الدولية الكثير لإلزام النظام السوري على الاستجابة لها لأنه لم يُصادق على المعاهدة التأسيسية لها والمعروفة بِاسم "نظام روما الأساسي".  

ويُمكن لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إحالة بعض القضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق فيها، حتى إذا كان أحد أطرافها غير ملتزم بنظام "روما الأساسي"، لكن كل محاولات مجلس الأمن لتكليف المحكمة الجنائية بالتحقيق في ممارسات حكومة الأسد كانت تفشل بسبب الفيتو الروسي والصيني.

رفضت دمشق هذه المحاكمة جُملة وتفصيلاً معلنة أنها "تفتقر إلى أدنى درجة من المصداقية"، وقررت تجاهل المحكمة ورفضت حضور أولى جلساتها.

كما اعتبرت وزارة الخارجية السورية أن كلا الدولتين المدّعيتين ضدها "غير مؤهلتين" للحديث عن حقوق الإنسان بسبب تاريخهما "الملطخ بالجرائم التي ارتكبت ضد السكان الأصليين في البلاد".

ورغم غياب ممثل النظام السوري، عقدت المحكمة جلستها الأولى واستعرضت عشرات التقارير الحقوقية التي تتحدث عن حجم الانتهاكات المروّع في سجون النظام، وطالبت الدولتان المدّعيتان من هيئة المحكمة باتخاذ "تدابير طارئة" ضد دمشق.

وكان عددٌ من أهالي المعتقلين والنشطاء الحقوقيين نظموا وقفة احتجاجية أمام مقر المحكمة للمطالبة بمحاسبة  رئيس النظام السوري بشار الأسد، على تجاوزات نظامه بحق السوريين منذ اندلاع الاحتجاجات السلمية ضده، رافعين لافتات عليها صور بعض الضحايا بصحبة عبارات "أوقفوا التعذيب الآن" و"أين هم؟!".

من بين هؤلاء المتظاهرين كانت مريم حلاق، مؤسّسة رابطة "عائلات قيصر"، التي رتّبت لوقفة احتجاجية بصحبة عددٍ آخر من المتظاهرات اللائي فقدن عوائلهن في السجون السورية، وقالت إن هذا الإجراء "أول خطوة لمحاسبة النظام السوري دولياً".

أما داخل سوريا، فقد نظّم متظاهرون في محافظة السويداء جنوبي سوريا –ذات الأغلبية الدرزية- وقفة احتجاجية للتضمان مع المحكمة معلنين دعم جهودهم في كشف مصير المعتقلين.

في السياق، تُعتبر "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" المصدر الرئيسي في الدعوى التي قدمتها هولندا وكندا إلى محكمة العدل الدولية، بعدما اعتمدت كثيراً على بياناتها واستشهدت بها كمصدر 14 مرة في محضر جلسة المحكمة.

أيضاً، وثّقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" عشرات الآلاف من حالات الاحتجاز التعسفي والتعذيب التي جرت على أيدي أشخاص منتمين للنظام السوري.

إلا أن المساهمة الرئيسية في هذا المجال أتت من فرد عسكري انشقّ عن الجيش السوري عُرف بِاسم "كودي" وهو "قيصر"، قام بتهريب عشرات الصور التي اعتُبرت أدلة دامغة على انتشار التعذيب والضرب والأمراض في أماكن الاحتجاز التابعة لدمشق.

مواضيع ذات صلة:

يُعرف الزواج العرفي بأنه زواج شرعي يتم بعيداً عن الشكل الرسمي المؤسسي الذي تشرف عليه الدولة. وتغلب عليه الصفة السرية.
تعبيرية

فرضت ثلاثة عشر عاماً من الحرب في سوريا آثاراً بالغة على مجمل العادات الاجتماعيّة لدى السكان، بسبب العوامل الاقتصادية من جهة والتغيير الديمغرافي من جهة ثانية.

يستعرض هذا التقرير أبرز مظاهر التغيير في عادات الزواج بسوريا خلال فترة الحرب.

 

1- التحدّيات الاقتصادية

كان المهر النقدي (المقدّم والمؤخّر) وشراء المصاغ الذهبي من أساسيات الزواج في سوريا، وهو ما بات اليوم مهمة شبه مستحيلة بالنسبة للغالبية الساحقة من الشباب، في ظل وصول غرام الذهب الواحد إلى أكثر من مليون ليرة سورية، والصعوبة البالغة في تأمين المهر، في ظل نسب التضخّم الرهيبة، وبقاء الرواتب عند معدلات 20 دولاراً كحدّ وسطي.

وبناءً على ذلك، لم تعُد حفلات الزفاف الفاخرة شائعة كما كانت في فترة ما قبل الحرب، وبات الأمر يقتصر على عائلة العريس والعروس والقليل من المدعوين، كما أن الكثير من العوائل باتت تتنازل عن وجود المصاغ الذهبي مراعاة للوضع الاقتصادي السائد.

الكثير من الفتيات تنازلن عن شراء الذهب مكتفيات بالمحبس (خاتم الزواج)- صورة تعبيرية
في سوريا.. تكاليف الزواج تتضاءل لحدودها الدنيا
اختلفت عادات الزواج وتقاليده في سوريا نتيجة تأثيرات الأزمة الاقتصادية وضعف الإمكانات المادية للعائلات، متسببة بعزوف الكثير من الشبان عن الارتباط، أو اختصار العديد من أساسيات حفلات الزواج، وتخفيض قيمة المهور التي يطلبها أهالي الفتيات. 

2- الزيجات العابرة للمناطق

دفعت الحرب بالكثيرين إلى النزوح الداخلي بين المحافظات التي شهدت صراعات ومعارك والمناطق التي بقيت بحكم الآمنة، ما أدى إلى انتقال عائلات بأكملها من شرق البلاد مثلاً نحو منطقة دمشق وريفها، أو من حلب نحو مدن الساحل السوري.

فرض هذا الانتقال لشريحة واسعة من السكان نمطاً جديداً في الزواج، إذ كان المجتمع السوري يفضّل تزويج الفتاة لرجل من نفس المدينة، وقلّما كان يحصل أن يتم الزواج من محافظة ثانية، لكن ذلك تغيّر كليّاً في الوقت الحالي، إذ ارتفعت معدلات المصاهرة بين المدن والمحافظات بطريقة غير مسبوقة.

وأسفر ذلك في الوقت نفسه عن كسر واندماج في كثير من العادات المختلفة في الزواج بين المحافظات السورية، التي كانت حاضرة بقوة في فترة ما قبل الحرب. 

 

3- للتكنولوجيا دور محوري

مع انقطاع التواصل التقليدي بين العوائل والمعارف والأصدقاء، بسبب ظروف النزوح والحرب، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا هي البديل الأساسي للتعارف في مرحلة الخطبة.

كانت الخطبة التقليدية في المجتمع السوري تتم عبر رؤية الفتاة من قبل الأهل أولاً ثم من قبل الخاطب، وهذا ما لم يعد شرطاً لإتمام الزواج.

يتمّ قسم كبير من الخطبات اليوم عن طريق التواصل بتطبيقات المنصات المختلفة، حيث تُرسل صورة الفتاة لأهل الشاب، الذي يرى الفتاة بالطريقة نفسها، ثم يحصل التواصل والاتفاق على المهر والإجراءات بنفس المنوال.

على الرغم من أن هذه الطريقة تسببت بالكثير من المشاكل في بعض الزيجات، بسبب عدم الاختلاط والمعرفة المسبقة بين العائلتين أو بين العروسين، إلا أنها باتت طريقة رائجة، حتى أن بعض المدن مثل العاصمة دمشق تم فيها افتتاح مواقع إلكترونية أو مكاتب تقوم بمهنة "الخطّابة" التقليدية.

وترتفع الحاجة إلى الطريقة الإلكترونية بين طالبي الزواج في حال كان الشاب يقيم خارج سوريا، فهنا يستحيل اللقاء إلا عن طريق مكالمة فيديو يتعرف فيها الخاطب للفتاة وأهلها، قبل إتمام بقية الخطوات.

ولا يقف دور التكنولوجيا على التعارف فقط، بل إن بعض الفتيات أقمن حفلات مختصرة للأقارب والصديقات، بينما يكون الزوج خارج البلاد يشارك في الاحتفال عن طريق الإنترنت.

4- تغيّر معايير اختيار الشريك

فرضت ظروف الحرب على السوريين نسف غالبية الشروط الواجب توفرها في الزوج أو الزوجة، ولم تعُد الفتيات أو أهلهنّ مثلاً يبحثن عن شباب أغنياء أو جامعيين، في ظل الهجرة الواسعة للشباب خارج البلاد، وبقاء من لم يهاجر منهم تحت سيف التجنيد الإجباري والأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وبات اختيار الشريك لا يخضع لتلك الشروط الجوهرية التي كانت مطلوبة قبل الحرب، لدرجة أن الكثير من العوائل السورية انتشرت لديها عبارة "نبحث عن السّترة فقط"، في إشارة إلى عدم رفع سقف المطالب وتيسير الزيجات.

   

5- ارتفاع نسبة الزواج المبكر

رغم أن عادة الزواج المبكر كانت موجودة في فترة ما قبل الحرب، إلا أنها كانت على نطاق قليل. بعد الحرب، رفعت التحدّيات الاقتصادية وظروف النزوح النسبة إلى مستويات كبيرة. 

وقال تقرير سابق لمركز "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، إن زواج القاصرات في مرحلة ما قبل الحرب في سوريا مثّل 12% من زيجات السوريين، فيما ارتفعت النسبة إلى 18% عام 2012، وإلى 25% في 2013، وفي أوائل 2014 وصلت النسبة إلى 32% وبقيت ثابتة منذ ذلك الحين.