صورة من احتجاجات السويداء نشرتها "السويداء24" تظهر فيها الأعلام الملونة
صورة من احتجاجات السويداء نشرتها "السويداء24" تظهر فيها الأعلام الملونة

هتافات وأهازيج وقصائد شعر، وأغان تراثية، وأصوات تهتف للحرية، بالإضافة إلى تقاليد تعكس الكرم وواجب الضيافة، جميعها أمور ميزت التظاهرات التي انطلقت في السويداء منذ أكثر من شهرين.

وتحولت المظاهرات في ساحة الكرامة في السويداء إلى تجمع ثقافي وثوري، استخدم فيه المشاركون أساليبهم الخاصة في تعبيرهم عن المطالب، وكان للتراث والثقافة والتقاليد المحلية تأثير واضح فيها.

يرى الدكتور عمر عبيد، وهو أحد المشاركين في مظاهرات السويداء، أن "من الطبيعي أن يلجأ المجتمع الأهلي لما يألفه ويطمئن له ويثق به من رايات ورموز وبيارق وحداء وأهازيج ارتبطت في وجدان أفراده الجمعي بأيام كريمة عزيزة حرة عاشها ذلك المجتمع ويتذكرها جيداً". 

ويقول لـ"ارفع صوتك"، إن العلم الملون (علم التوحيد) هو علم أو راية قاتل أجدادهم تحتها وقارعوا المحتل وانضوى تحت تلك الراية الثوار من الوطن السوري كله وليس من الجبل وحده، بالتالي ارتقت رمزيته المحلية لتكون رمزية وطنية جامعة وهذا يعرفه السوريون تماماً". 

ويشير عبيد إلى أن "اختلاط الأغاني والحداء والأهازيج المحلية بهتافات الثورة السورية، تأكيد آخر على وطنية الحراك وسوريته وهو يدٌ ممدودة للسوريين في كل مكان بأن الشعب السوري واحد وبأن الوطن السوري واحد أيضاً". 

ويؤكد على أن المشاركة النسوية البارزة، هي تعبير أيضاً عن حالة أهالي السويداء وجزء من تاريخهم الوطني، وليست طفرة، مبيناً: "المرأة هنا (السويداء) ندٌّ للرجل، لها رأيها وحضورها وتضحياتها منذ (الثورة الكبرى 1925)، ولا يمكن لأهل الجبل نسيان أسماء نسائية مثل بستان شلغين أو سعدى ملاعب أو ضياء سعيد أو خولة أبو عاصي، وغيرهن".

ويذكر عبيد مقطعاً شعرياً للشاعر جادالله سلام، خاطب فيه صبايا الجبل في "ثورة 25" (ثورة السوريين ضد الاستعمار الفرنسي)، يقول "يا بنت يا عين الصقر.. ريح النفَل بجيابها.. لا تاخذين ال ما صبر.. يوم الخوي ينخى بها.."، ويعني "أيتها الصبية المعطرة ثيابها إياك أن تقبلي زوجاً لم يصمد عند اشتداد المعركة".

تنوع وإبداع

يقول ملحم شمس (26 عاما) لـ"ارفع صوتك"، إن التنوع في مجتمع السويداء "شكل جزءًا أصيلاً من حركة المظاهرات، فظهرت المواهب لدى المشاركين، كالرسم والفن والشعر والموسيقى، بالإضافة إلى الجوفيات، وهي أغان تراثية وأهازيج تعود لخمسينيات القرن الماضي، قمنا بتعديل كلمات بعضها لتتلاءم مع المرحلة الحالية، ولتناسب مضمون التجمع والمطالب التي تهتف للحرية، وتدعو للتغيير وتحتج على الأوضاع السيئة في البلاد".

وتقول المعلمة بشرى شقير (34 عاما): "في المظاهرات السياسية يخرج الناس إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير وللتعبير عن الغضب واليأس، إلا أن ما يميز مظاهرات السويداء، تفرّدها واحتضانها لطقوس وتقاليد محلية دمجتها في رسائل سياسية مطلبية".

وتبين لـ"ارفع صوتك"، أن الأهازيج والدبكات الشعبية أصبحت جزءا أصيلاً من المظاهرات وتحولت إلى رسائل سياسية، كما نقلت المظاهرات تقاليد وإرث الأجداد في الكرم وفنون الضيافة عبر توزيع القهوة المرة والمأكولات الشعبية والفواكه المحلية".

وتشير شقير إلى أنها شاركت في المظاهرات برفقة أعداد كبيرة من المعلمين، مردفةً "حملنا الكتب واللافتات مطالبين بتغيير المناهج التعليمية توازيا مع مطالبات بتغيير النظام، كما طالبنا بإزالة صور العائلة التي تفردت بحكم سوريا، وتغيير المناهج التي تضعهم في مصافي الآلهة، بالإضافة إلى ما تحويه من أفكار لحزب البعث التي سممت عقول النشء".

احتجاجات السويداء ضد النظام السوري لم تتوقف منذ أكثر من شهر
"الإعلام البديل".. صوت السويداء السورية "في خدمة الشعب لا الحكام"
منذ انطلاقتها قبل أكثر من شهر استحوذت الصور والتسجيلات المصورة التي توثّق انتفاضة محافظة السويداء على المشهد السوري ككل وحتى أنها أثارت اهتمام الإعلام المحلي والعربي والأجنبي، ودفعت مسؤولين غربيين للتعليق والتفاعل مع الحدث.

رولا حناوي،  إحدى المشاركات النشاطات في مظاهرات السويداء،  تعتبر أن المظاهرات في السويداء "تجربة ثقافية وسياسية فريدة من نوعها"، مؤكدة على أهمية إظهار التقاليد العريقة للمدينة لتبقى حية ومستدامة، أما التغيير فيجب أن يكون في السياسة وطريقة الحكم"، وفق تعبيرها.

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "تاريخنا وتراثنا جزء لا يتجزأ من هويتنا كسكان السويداء، كما أن دمج التراث في مسيرتنا نحو التغيير، يجعلنا قادرين على الحفاظ على جذورنا وفتح أبواب جديدة للمستقبل".

بعد رفعه في تظاهرات السويداء.. ماذا تعني الألوان الخمسة في علم الدروز؟
أثار علم طائفة الموحدين الدروز، المؤلف من ألوان طولية خمسة هي الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق والأبيض، والذي تصدّر الكثير من تظاهرات السويداء الأخيرة، الكثير من الجدل حول ماهيته، سواء في الداخل السوري أو على مواقع التواصل الاجتماعي.

التعددية والمواطنة

"أكثر ما يميز المظاهرات أننا رفعنا شعارات التحرر والعلم والثقافة والسلام، وحملنا لافتات تؤكد على التعددية وثقافة التنوع والمواطنة، وأنشدنا الشعر الشعبي والهوارة والأغاني التراثية لخدمة رسالتنا في التغيير ورفض الطغيان، كما أبرزنا عاداتنا  وتقاليدنا التي تدل على الكرم والكرامة والشهامة"، يقول الطالب الجامعي يوسف الحلبي (٢٣ عاما)، لـ"ارفع صوتك".

ومن أجمل الأهازيج برأي الحلبي، التي تدعو للوحدة والتعاون وتناشد جميع المحافظات الوقوف مع السويداء ونصرتها،  مثال: "يا دمشق ويا حلب.. الحرية صارت ع الباب". 

ويشير أيضاً لأهازيج ترسل التحيات لطرطوس وحلب واللاذقية وإدلب، مبيناً أن قيم الوحدة والتعاون تتجلى أيضاً في الضيافة  التي تقدم للمتظاهرين، وهي "ليست مجرد تقليد بل رمزا للوحدة والتضامن بين السكان".

"نحن نستضيف الجميع بقلوب مفتوحة، ومشاركة القهوة والمناسف وسواها من المأكولات الشعبية التي تقدم هي رمز للتلاحم والوحدة"، يتابع الحلبي.

من أمام صرح الباشا سلطان في بلدة القريّا، يتجدد الموعد للتظاهرات اليومية التي تشهدها البلدة منذ شهر آب/أغسطس الماضية. وقفة احتجاجية جديدة اليوم السبت، للمطالبة بالتغيير السياسي وإسقاط المنظومة الحاكمة. #مظاهرات_السويداء

Posted by ‎السويداء 24‎ on Saturday, October 28, 2023

قهوة مرة ولزاقيات

برزت في مظاهرات السويداء ظاهرة تقديم  القهوة المرة واللزاقيّات التي تعتبر من أشهر المأكولات الشعبية في السويداء، بالإضافة إلى الفواكه المحلية وسواها. 

ويُظهر أحد الفيديوهات الذي شاركته منصة "السويداء 24" على فيسبوك، أحد المشايخ يقوم بصب القهوة للمتظاهرين الذين يهتفون: "يا مجوّع جيشك يلا إرحل للأبد.. أبو الكيماوي يلا إرحل للأبد". 

وفي فيديو آخر يبرز شيخ يدور بالقهوة على المتظاهرين، كما أظهرت فيديوهات وصور تم تداولها على وسائل التواصل توزيع ومشاركة المأكولات الشعبية في المظاهرات، ووزعت المناسف عن أرواح القتلى، بينهم شادي أبو رسلان، الذي قتل تحت التعذيب. 

#شاهد: القهوة المرّة تدور بين المحتجين/ات على وقع هتافات: "يا مجوّع جيشك يلا ارحل للأبد.. ابو الكيماوي يلا ارحل للأبد"، اليوم الاثنين. #مظاهرات_السويداء

Posted by ‎السويداء 24‎ on Monday, September 11, 2023

#شاهد: تقفير منسفي "اللزاقيّات" قبل توزيعهما على المتظاهرين في ساحة الكرامة وسط مدينة السويداء 😋 #مظاهرات_السويداء

Posted by ‎السويداء 24‎ on Wednesday, September 13, 2023

 

أغان وأهازيج

من أشهر الأغاني الحماسية التي يرددها المحتجون في مظاهرات السويداء يومياً "صاح الصايح وطَبّ الأسد خوف.. ورجال السويداء ما تعرف الخوف"، وأيضاً "سكّر حزب التقارير.. ورحّل حزب الإيراني" في إشارة إلى المطالبة بإغلاق مقر حزب البعث في السويداء ورفض النفوذ الإيراني في المدينة.

كما تبرز الرسومات الفنية في ساحة الكرامة وسط السويداء، في جميع المظاهرات الشعبية التي تشهدها الساحة. 

ميار حمزة من المشاركين في مظاهرات السويداء، يؤكد: "نحن نعبر عن رغبتنا في التغيير بشكل سلمي وموحد، عندما نقدم القهوة والمناسف للمشاركين في المظاهرات، نرسل رسالة واضحة بأننا عائلة واحدة ومظاهراتنا سلمية وحضارية سوريا وشعبها متحدون".

"التضامن والوحدة هما قوتنا، ومشاركتنا تعبير عن ذلك سواء بالهتافات، أو الرسوم، أو اللافتات، أو الأهازيج الشعبية، نحن نرفض العنف والانقسام، ونؤكد على أننا شعب واحد يسعى إلى تحقيق التغيير بشكل سلمي ومنظم،  وهدفنا المشاركة في بناء مستقبل سوريا بروح وحدة وسلام، وهذا يتناقض مع الدعاية السلبية التي تروجها السلطات"، يوضح حمزة لـ"ارفع صوتك".

 

الكرم وأصول الضيافة

بدوره يبين أحد شيوخ الطائفة الدرزية أبو سليمان (64 عاما)، أن أكثر ما تشتهر به السويداء عبر التاريخ هي تقاليد الكرم والضيافة، ما تجلى بشكل واضح في المظاهرات، بحسب قوله، قائلاً: "يحمل تراث مدينتنا إرثا غنيا من الضيافة والكرم، والسوريون في السويداء دائما ما كانوا يعتبرون استضافة الضيوف والمحتاجين واجبا اجتماعيا وثقافيا، وكانت مضافة سلطان باشا الأطرش وغيرها من المضافات تفتح أبوابها للمسافرين والزوار من جميع أنحاء المنطقة، وكان يتم استقبال الضيوف بكرم وسخاء، ويُعتبر وجود الضيف شيئاً مقدسا في هذا المكان".

ويضيف لـ"ارفع صوتك"، أن "المضافات لم تقدم فقط الطعام والإقامة، بل الحماية والأمان وإغاثة الملهوف، كما أنها رمز للتواصل والتضامن والوحدة بين الناس".

"وهي قيم تعززها محافظة السويداء من خلال المظاهرات لتكون أفضل رد على من يدعي أن هذه الثورة ثورة جياع، بل هي ثورة كرامة، وهي رسالة تأكيد أنه خلال أصعب الظروف يبقى الكرم من شيمنا وعاداتنا في جبل الكرامة"، يؤكد محمود.

ويقول إن الضيافة والكرم "جزء لا يتجزأ من هوية السويداء عبر التاريخ" مشيراً إلى عبارة تكررت على ألسنة المتظاهرين، وهي "عاداتنا نملّي الحلّى يوم المتاريس منصوبة"، مبينا معناها: "من عاداتنا عبر التاريخ أن نملأ القدور والقرب بالأطعمة ونرسلها للثوار، وكانت عائلات السويداء عبر التاريخ تقوم بالطبخ وإرسال الأطعمة إلى المجاهدين خلال الثورات والحروب".

ويكمل محمود: "كما تُظهر كيف يمكن للفن والأهازيج والثقافة أن تكون جزءا مهما من التظاهرات والاحتجاجات، وتعبيرًا عن رغبة الأهالي في التغيير والحرية. إنها ساحة تجمع بين الكرم والكرامة والثقافة والحرية، وهذه التظاهرات تشكل مزيجاً فريداً من العناصر الثقافية والفنية والسياسية التي تجسد تلاحم ووحدة الأهالي في ساحة الكرامة".

Posted by ‎رواد صادق‎ on Thursday, October 19, 2023

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".