صورة من احتجاجات السويداء نشرتها "السويداء24" تظهر فيها الأعلام الملونة
صورة من احتجاجات السويداء نشرتها "السويداء24" تظهر فيها الأعلام الملونة

هتافات وأهازيج وقصائد شعر، وأغان تراثية، وأصوات تهتف للحرية، بالإضافة إلى تقاليد تعكس الكرم وواجب الضيافة، جميعها أمور ميزت التظاهرات التي انطلقت في السويداء منذ أكثر من شهرين.

وتحولت المظاهرات في ساحة الكرامة في السويداء إلى تجمع ثقافي وثوري، استخدم فيه المشاركون أساليبهم الخاصة في تعبيرهم عن المطالب، وكان للتراث والثقافة والتقاليد المحلية تأثير واضح فيها.

يرى الدكتور عمر عبيد، وهو أحد المشاركين في مظاهرات السويداء، أن "من الطبيعي أن يلجأ المجتمع الأهلي لما يألفه ويطمئن له ويثق به من رايات ورموز وبيارق وحداء وأهازيج ارتبطت في وجدان أفراده الجمعي بأيام كريمة عزيزة حرة عاشها ذلك المجتمع ويتذكرها جيداً". 

ويقول لـ"ارفع صوتك"، إن العلم الملون (علم التوحيد) هو علم أو راية قاتل أجدادهم تحتها وقارعوا المحتل وانضوى تحت تلك الراية الثوار من الوطن السوري كله وليس من الجبل وحده، بالتالي ارتقت رمزيته المحلية لتكون رمزية وطنية جامعة وهذا يعرفه السوريون تماماً". 

ويشير عبيد إلى أن "اختلاط الأغاني والحداء والأهازيج المحلية بهتافات الثورة السورية، تأكيد آخر على وطنية الحراك وسوريته وهو يدٌ ممدودة للسوريين في كل مكان بأن الشعب السوري واحد وبأن الوطن السوري واحد أيضاً". 

ويؤكد على أن المشاركة النسوية البارزة، هي تعبير أيضاً عن حالة أهالي السويداء وجزء من تاريخهم الوطني، وليست طفرة، مبيناً: "المرأة هنا (السويداء) ندٌّ للرجل، لها رأيها وحضورها وتضحياتها منذ (الثورة الكبرى 1925)، ولا يمكن لأهل الجبل نسيان أسماء نسائية مثل بستان شلغين أو سعدى ملاعب أو ضياء سعيد أو خولة أبو عاصي، وغيرهن".

ويذكر عبيد مقطعاً شعرياً للشاعر جادالله سلام، خاطب فيه صبايا الجبل في "ثورة 25" (ثورة السوريين ضد الاستعمار الفرنسي)، يقول "يا بنت يا عين الصقر.. ريح النفَل بجيابها.. لا تاخذين ال ما صبر.. يوم الخوي ينخى بها.."، ويعني "أيتها الصبية المعطرة ثيابها إياك أن تقبلي زوجاً لم يصمد عند اشتداد المعركة".

تنوع وإبداع

يقول ملحم شمس (26 عاما) لـ"ارفع صوتك"، إن التنوع في مجتمع السويداء "شكل جزءًا أصيلاً من حركة المظاهرات، فظهرت المواهب لدى المشاركين، كالرسم والفن والشعر والموسيقى، بالإضافة إلى الجوفيات، وهي أغان تراثية وأهازيج تعود لخمسينيات القرن الماضي، قمنا بتعديل كلمات بعضها لتتلاءم مع المرحلة الحالية، ولتناسب مضمون التجمع والمطالب التي تهتف للحرية، وتدعو للتغيير وتحتج على الأوضاع السيئة في البلاد".

وتقول المعلمة بشرى شقير (34 عاما): "في المظاهرات السياسية يخرج الناس إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير وللتعبير عن الغضب واليأس، إلا أن ما يميز مظاهرات السويداء، تفرّدها واحتضانها لطقوس وتقاليد محلية دمجتها في رسائل سياسية مطلبية".

وتبين لـ"ارفع صوتك"، أن الأهازيج والدبكات الشعبية أصبحت جزءا أصيلاً من المظاهرات وتحولت إلى رسائل سياسية، كما نقلت المظاهرات تقاليد وإرث الأجداد في الكرم وفنون الضيافة عبر توزيع القهوة المرة والمأكولات الشعبية والفواكه المحلية".

وتشير شقير إلى أنها شاركت في المظاهرات برفقة أعداد كبيرة من المعلمين، مردفةً "حملنا الكتب واللافتات مطالبين بتغيير المناهج التعليمية توازيا مع مطالبات بتغيير النظام، كما طالبنا بإزالة صور العائلة التي تفردت بحكم سوريا، وتغيير المناهج التي تضعهم في مصافي الآلهة، بالإضافة إلى ما تحويه من أفكار لحزب البعث التي سممت عقول النشء".

احتجاجات السويداء ضد النظام السوري لم تتوقف منذ أكثر من شهر
"الإعلام البديل".. صوت السويداء السورية "في خدمة الشعب لا الحكام"
منذ انطلاقتها قبل أكثر من شهر استحوذت الصور والتسجيلات المصورة التي توثّق انتفاضة محافظة السويداء على المشهد السوري ككل وحتى أنها أثارت اهتمام الإعلام المحلي والعربي والأجنبي، ودفعت مسؤولين غربيين للتعليق والتفاعل مع الحدث.

رولا حناوي،  إحدى المشاركات النشاطات في مظاهرات السويداء،  تعتبر أن المظاهرات في السويداء "تجربة ثقافية وسياسية فريدة من نوعها"، مؤكدة على أهمية إظهار التقاليد العريقة للمدينة لتبقى حية ومستدامة، أما التغيير فيجب أن يكون في السياسة وطريقة الحكم"، وفق تعبيرها.

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "تاريخنا وتراثنا جزء لا يتجزأ من هويتنا كسكان السويداء، كما أن دمج التراث في مسيرتنا نحو التغيير، يجعلنا قادرين على الحفاظ على جذورنا وفتح أبواب جديدة للمستقبل".

بعد رفعه في تظاهرات السويداء.. ماذا تعني الألوان الخمسة في علم الدروز؟
أثار علم طائفة الموحدين الدروز، المؤلف من ألوان طولية خمسة هي الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق والأبيض، والذي تصدّر الكثير من تظاهرات السويداء الأخيرة، الكثير من الجدل حول ماهيته، سواء في الداخل السوري أو على مواقع التواصل الاجتماعي.

التعددية والمواطنة

"أكثر ما يميز المظاهرات أننا رفعنا شعارات التحرر والعلم والثقافة والسلام، وحملنا لافتات تؤكد على التعددية وثقافة التنوع والمواطنة، وأنشدنا الشعر الشعبي والهوارة والأغاني التراثية لخدمة رسالتنا في التغيير ورفض الطغيان، كما أبرزنا عاداتنا  وتقاليدنا التي تدل على الكرم والكرامة والشهامة"، يقول الطالب الجامعي يوسف الحلبي (٢٣ عاما)، لـ"ارفع صوتك".

ومن أجمل الأهازيج برأي الحلبي، التي تدعو للوحدة والتعاون وتناشد جميع المحافظات الوقوف مع السويداء ونصرتها،  مثال: "يا دمشق ويا حلب.. الحرية صارت ع الباب". 

ويشير أيضاً لأهازيج ترسل التحيات لطرطوس وحلب واللاذقية وإدلب، مبيناً أن قيم الوحدة والتعاون تتجلى أيضاً في الضيافة  التي تقدم للمتظاهرين، وهي "ليست مجرد تقليد بل رمزا للوحدة والتضامن بين السكان".

"نحن نستضيف الجميع بقلوب مفتوحة، ومشاركة القهوة والمناسف وسواها من المأكولات الشعبية التي تقدم هي رمز للتلاحم والوحدة"، يتابع الحلبي.

من أمام صرح الباشا سلطان في بلدة القريّا، يتجدد الموعد للتظاهرات اليومية التي تشهدها البلدة منذ شهر آب/أغسطس الماضية. وقفة احتجاجية جديدة اليوم السبت، للمطالبة بالتغيير السياسي وإسقاط المنظومة الحاكمة. #مظاهرات_السويداء

Posted by ‎السويداء 24‎ on Saturday, October 28, 2023

قهوة مرة ولزاقيات

برزت في مظاهرات السويداء ظاهرة تقديم  القهوة المرة واللزاقيّات التي تعتبر من أشهر المأكولات الشعبية في السويداء، بالإضافة إلى الفواكه المحلية وسواها. 

ويُظهر أحد الفيديوهات الذي شاركته منصة "السويداء 24" على فيسبوك، أحد المشايخ يقوم بصب القهوة للمتظاهرين الذين يهتفون: "يا مجوّع جيشك يلا إرحل للأبد.. أبو الكيماوي يلا إرحل للأبد". 

وفي فيديو آخر يبرز شيخ يدور بالقهوة على المتظاهرين، كما أظهرت فيديوهات وصور تم تداولها على وسائل التواصل توزيع ومشاركة المأكولات الشعبية في المظاهرات، ووزعت المناسف عن أرواح القتلى، بينهم شادي أبو رسلان، الذي قتل تحت التعذيب. 

#شاهد: القهوة المرّة تدور بين المحتجين/ات على وقع هتافات: "يا مجوّع جيشك يلا ارحل للأبد.. ابو الكيماوي يلا ارحل للأبد"، اليوم الاثنين. #مظاهرات_السويداء

Posted by ‎السويداء 24‎ on Monday, September 11, 2023

#شاهد: تقفير منسفي "اللزاقيّات" قبل توزيعهما على المتظاهرين في ساحة الكرامة وسط مدينة السويداء 😋 #مظاهرات_السويداء

Posted by ‎السويداء 24‎ on Wednesday, September 13, 2023

 

أغان وأهازيج

من أشهر الأغاني الحماسية التي يرددها المحتجون في مظاهرات السويداء يومياً "صاح الصايح وطَبّ الأسد خوف.. ورجال السويداء ما تعرف الخوف"، وأيضاً "سكّر حزب التقارير.. ورحّل حزب الإيراني" في إشارة إلى المطالبة بإغلاق مقر حزب البعث في السويداء ورفض النفوذ الإيراني في المدينة.

كما تبرز الرسومات الفنية في ساحة الكرامة وسط السويداء، في جميع المظاهرات الشعبية التي تشهدها الساحة. 

ميار حمزة من المشاركين في مظاهرات السويداء، يؤكد: "نحن نعبر عن رغبتنا في التغيير بشكل سلمي وموحد، عندما نقدم القهوة والمناسف للمشاركين في المظاهرات، نرسل رسالة واضحة بأننا عائلة واحدة ومظاهراتنا سلمية وحضارية سوريا وشعبها متحدون".

"التضامن والوحدة هما قوتنا، ومشاركتنا تعبير عن ذلك سواء بالهتافات، أو الرسوم، أو اللافتات، أو الأهازيج الشعبية، نحن نرفض العنف والانقسام، ونؤكد على أننا شعب واحد يسعى إلى تحقيق التغيير بشكل سلمي ومنظم،  وهدفنا المشاركة في بناء مستقبل سوريا بروح وحدة وسلام، وهذا يتناقض مع الدعاية السلبية التي تروجها السلطات"، يوضح حمزة لـ"ارفع صوتك".

 

الكرم وأصول الضيافة

بدوره يبين أحد شيوخ الطائفة الدرزية أبو سليمان (64 عاما)، أن أكثر ما تشتهر به السويداء عبر التاريخ هي تقاليد الكرم والضيافة، ما تجلى بشكل واضح في المظاهرات، بحسب قوله، قائلاً: "يحمل تراث مدينتنا إرثا غنيا من الضيافة والكرم، والسوريون في السويداء دائما ما كانوا يعتبرون استضافة الضيوف والمحتاجين واجبا اجتماعيا وثقافيا، وكانت مضافة سلطان باشا الأطرش وغيرها من المضافات تفتح أبوابها للمسافرين والزوار من جميع أنحاء المنطقة، وكان يتم استقبال الضيوف بكرم وسخاء، ويُعتبر وجود الضيف شيئاً مقدسا في هذا المكان".

ويضيف لـ"ارفع صوتك"، أن "المضافات لم تقدم فقط الطعام والإقامة، بل الحماية والأمان وإغاثة الملهوف، كما أنها رمز للتواصل والتضامن والوحدة بين الناس".

"وهي قيم تعززها محافظة السويداء من خلال المظاهرات لتكون أفضل رد على من يدعي أن هذه الثورة ثورة جياع، بل هي ثورة كرامة، وهي رسالة تأكيد أنه خلال أصعب الظروف يبقى الكرم من شيمنا وعاداتنا في جبل الكرامة"، يؤكد محمود.

ويقول إن الضيافة والكرم "جزء لا يتجزأ من هوية السويداء عبر التاريخ" مشيراً إلى عبارة تكررت على ألسنة المتظاهرين، وهي "عاداتنا نملّي الحلّى يوم المتاريس منصوبة"، مبينا معناها: "من عاداتنا عبر التاريخ أن نملأ القدور والقرب بالأطعمة ونرسلها للثوار، وكانت عائلات السويداء عبر التاريخ تقوم بالطبخ وإرسال الأطعمة إلى المجاهدين خلال الثورات والحروب".

ويكمل محمود: "كما تُظهر كيف يمكن للفن والأهازيج والثقافة أن تكون جزءا مهما من التظاهرات والاحتجاجات، وتعبيرًا عن رغبة الأهالي في التغيير والحرية. إنها ساحة تجمع بين الكرم والكرامة والثقافة والحرية، وهذه التظاهرات تشكل مزيجاً فريداً من العناصر الثقافية والفنية والسياسية التي تجسد تلاحم ووحدة الأهالي في ساحة الكرامة".

Posted by ‎رواد صادق‎ on Thursday, October 19, 2023

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.