صورة تعبيرية لأحد مسلحي "فاغنر" الروسية، وهي إحدى الشركات الخاصة العاملة في سوريا
صورة تعبيرية لأحد مسلحي "فاغنر" الروسية، وهي إحدى الشركات الخاصة العاملة في سوريا

أصدر رئيس النظام السوري بشار الأسد، في 8 نوفمبر الجاري، قانوناً يقضي بتعديل بعض مواد قانون شركات الحماية والحراسة الخاصة، بهدف "تنظيم وتطوير" عمل هذه الشركات و"تلافي جوانب القصور" التي ظهرت في القانون السابق، واعتماد آلية واضحة لضبط المخالفات وكيفية تحصيل الغرامات المترتبة بحق مرتكبيها، فيما تعدّدت التفسيرات التي حاولت إيضاح هدف النظام من هذا التعديل.

ونصّ القانون الذي حمل رقم (22 لعام 2023)، على عدم ترخيص أي شركة تعمل في مجال الحماية والحراسة الخاصة، ونقل الأموال والمجوهرات والمعادن الثمينة مقابل أجر، إلا بشروط، أولها أن يكون مالكوها سوريين، وألا يقلّ رأس مالها عن 500 مليون ليرة سورية.

وم الشروط الأخرى، أن تتخذ الشركة مقراً ثابتاً، وأن يصدر الترخيص بممارسة الشركة خدمات الحماية والحراسة بقرار من وزير الداخلية بعد موافقة مكتب الأمن الوطني التابع للمخابرات السورية.

وأشار تعديل القانون على المرسوم التشريعي (رقم 55 لعام 2013)، إلى أن مدة الترخيص أصبحت سنة قابلة للتجديد، فيما يُحظر على الشركة التعامل مع شركات خارج سوريا، أو أن تكون فرعاً لشركة عربية أو أجنبية، وكذلك يُمنع نقل ملكية الشركة أو التنازل عن الترخيص الممنوح لها كلياً أو جزئياً إلا بموافقة مسبقة من وزير الداخلية.

صحيفة "الشرق الأوسط" نقلت عن مصادر سورية ترجيحات تتعلق بارتباط تعديل المرسوم التشريعي، بـ"تصفية تركة شركة فاغنر الروسية، بعد مقتل زعيمها يفغيني بريغوجين".

وبينت أن أبرز الشركات الأمنية المتعاونة مع روسيا هي شركة "المهام للحماية والحراسات الأمنية"، التي تملكها مجموعة "قاطرجي"، وشركة "سند للحراسة والأمن"، إضافة إلى عدد من الشركات المتعاونة مع إيران مثل شركة "القلعة للحماية والحراسة" التي تنشط في شرق سوريا. 

وقالت المصادر إن "الوضع القائم لشركات الحماية والحراسة يشير إلى تبعيتهم إلى رجال أعمال سعوا للاستثمار في قطاع الأمن لحماية مصالحهم التجارية وحركة البضائع على الطرق الرئيسية، لكنها واقعياً تتبع ثلاثة أطراف؛ وهي إيران وروسيا والسلطات السورية ممثلة بالفرقة الرابعة".

 

تبرّؤ "قانوني" من الانتهاكات

تتبع جميع شركات الأمن الخاصة في سوريا لوزارة الداخلية، ووفقاً لسجلّات عام 2019 للشركات العاملة بدمشق، فإن 78 شركة أمنية خاصة مرخّصة عملت في مناطق النظام السوري حتى 2019.

نوار شعبان، الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية بمركز "عمران"، يبين لـ"ارفع صوتك"، أن الظروف التي أصدر فيها النظام السوري المرسوم الأول للشركات الأمنية عام 2013، كان المقصود منها آنذاك ما يُعرَف محلّياً باسم "الشبيحة"، وهم مجموعة المقاتلين الذين لا ينضوون تحت سلطة عسكرية أو أمنية تابعة للحكومة، وقسم كبير منهم مدنيون انضموا للقتال إلى جانب قوات النظام مقابل رواتب شهرية أو امتيازات تتعلق بالنفوذ.

وبرأيه، فإن التعديل الجديد لمرسوم الشركات الأمنية الخاصة، "حافظ على جوهر السبب الذي أُنشئ المرسوم الأول من أجله، وهو إيجاد جسم مُشرعَن لعشرات آلاف المسلحين الموالين للنظام، الذين لم يعُد بحاجة إليهم في المعارك بسبب هدوء الجبهات الرئيسة خلال السنوات الثلاث الماضية".

غير أن في التعديل "جانباً خطيراً" على حد قول شعبان، موضحاً أن "أعضاء مجلس الإدارة في الشركة الأمنية الخاصة أصبح بالإمكان أن يكونوا تحت سن 18، مع الحفاظ على سن 35 وما فوق للمالك، وهذا يعني إتاحة المجال للأشخاص ذوي النفوذ أو أبنائهم لإنشاء شركات أمنية خاصة بشروط مخففة عن ذي قبل".

ويضيف أن النظام السوري "يؤكد بهذا التعديل عدم مسؤوليته المباشرة عن أي جرائم أو انتهاكات قامت بها الشركات الأمنية الأجنية، لا سيما فاغنر، سواء في سوريا أو خارجها. وتصبح جميع الانتهاكات التي قامت بها فاغنر وسواها مجرد إخلال بالعقود التي وقّعوها مع وزارة الداخلية السورية".

ويتزامن ذلك، مع تحرك جهات قانونية دولية لمحاسبة النظام السوري عن انتهاكات القتل والتعذيب التي قامت بها قواته أو ميليشيات تابعة له منذ عام 2011.

وكان النظام السوري أصدر قوانين جعلت ما يُعرَف محلياً باسم "الترفيق" ظاهرة شرعيّة، عبر مرسوم عام 2013، بعنوان "خدمات الحماية والحراسة الخاصة"، تأسست على أثره عدة شركات أمنية بعضها بإدارة إيرانية وأخرى روسية؛ بحجة حماية الممتلكات والشخصيات العامة والمعادن الثمينة، وتأمين نقل الأموال وحراسة الأنابيب النفطية، وزاد نفوذها ونشاطها بشكل كبير جداً بإشراف النظام السوري.  

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية
صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية

بعد أكثر من تسع سنوات على خروج محافظة إدلب من سيطرة النظام السوري، لا تزال المنطقة الواقعة شمال غرب البلاد، تكافح للحصول على نوع من الاستقرار، في ظل هدوء جبهات المعارك الرئيسة منذ شتاء عام 2020.

ولا تحوي إدلب -كما في مناطق الشرق السوري- ثروات طبيعية تؤهّلها لحالة اكتفاء اقتصادي ذاتي، لذا تُعد تركيا المنفذ الاقتصادي الوحيد، مع اعتماد السكان بشكل واسع على المساعدات الإغاثية القادمة من وراء الحدود.

وتطبّق "هيئة تحرير الشام" التي تسيطر كلياً على محافظة إدلب، ما يسمّيها السكان "سياسة احتكار اقتصادية"، بحيث تسيطر على واردات المعابر الداخلية، وتتحكّم بمعبر "باب الهوى" الحدودي مع تركيا.

وبرزت خلال العامين الماضيين مظاهر ترف وبذخ في محافظة يعيش نحو مليون شخص فيها داخل مخيمات النزوح، في ظل فقر مُدقع وأوضاع إنسانية صعبة.

فجوة طبقية

يلاحظ المتجوّل اليوم في مدينة إدلب وريفها انتشار "المولات" التجارية الفخمة، ومتاجر تظهر مقاطع الفيديو أنها تضاهي مثيلاتِها في تركيا المجاورة، حتى أن مجموعة من التجار افتتحوا في مطلع 2024 سوقاً خاصاً ببيع الذهب والمجوهرات.

على الضفة المقابلة في إدلب نفسها تظهر تناقضات الحرب بشكل صارخ، حيث تنتشر المخيمات على طول امتداد الحدود السورية مع تركيا، ورغم محاولات إنشاء مجمعات سكنية خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، إلا أن مئات الآلاف لا يزالون يعيشون في خيام لا تقيهم حرّ الصيف أو برد الشتاء، ويتعمدون في معيشتهم كلياً على جهود المنظمات المحلية والدولية.

لا يتعلّق الأمر بسوء الحال لدى سكان المخيمات فقط، كما يقول الناشط الإعلامي غياث السيد، إذ "يعاني غالبية السكان في مدينة إدلب وريفها من ارتفاع باهظ في تكاليف المعيشة، بينما لا تصل الأجرة الشهرية للعامل في أحسن الأحوال إلى 100 دولار شهرياً".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن "المولات الفاخرة والمتاجر والمتنزّهات الخاصة، لا تعكس بطبيعة الحال الأوضاع الحقيقية في إدلب، التي يعيش أكثر من 90% من سكانها تحت خط الفقر".

ويعتقد السيد أن مظاهر التفاوت الطبقي "طبيعية وواقعية في ظروف الحرب المتواصلة منذ 13 سنة، غير أنها تَظهر في إدلب بشكل صارخ"، على حدّ تعبيره.

يتابع: "التفاوت المعيشي موجود في مناطق النظام السوري أيضاً، غير أن إدلب باتت تحوي رجال أعمال يتحدثون بملايين الدولارات، وينشئون مشاريع كبيرة جداً، بينما غالبيّة الناس يفكّرون فقط بتأمين الوجبة التالية من الطعام".

ظاهرة "طارئة"

يقول أكرم سرميني  (46 عاماً) من سكان مدينة إدلب، إن ظاهرة التفاوت المعيشي الواسع في إدلب "طارئة"، خصوصاً أن معظم السكّان يعيشون "بمستوى اقتصادي متقارب، حتى منذ ما قبل الحرب".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن بعض المؤثّرين في وسائل التواصل "يحاولون تصوير إدلب للعالم الخارجي على أنها باتت مُكتفية اقتصادياً، مع إظهار مشاهد الترف والبذخ في بعض المقاهي والمطاعم والمتاجر الفاخرة، لكن الواقع مختلف".

ويوضح سرميني، الذي يعمل مدرّساً، أن هذه المنشآت "تجتذب زبائن لا تنطبق عليهم أوضاع أهالي مدينة إدلب"، مردفاً "بعض هؤلاء الميسورين يعملون في المنظمات ذات الرواتب المرتفعة، أو يرتبطون بسلطات الأمر الواقع صاحبة الكتلة المالية الأكبر، وقليل منهم يعتمدون على الحوالات الخارجية، عدا عن أن جزءاً منهم  أثرياء أصلاً".

من جهته، يقول الصحافي أحمد المحمّد، إن هناك "سوراً كبيراً ومرتفعاً في إدلب بين طبقة مسحوقة بالكاد تؤمّن قوت يومها، وطبقة أخرى تعيش كأنها في بلد مستقرّ وغنيّ".

ولا يتعدى الأمر سوى كونه "أحد انعكاسات الحرب الاقتصادية" في سوريا، وفق وصف المحمد.

يبيّن لـ"ارفع صوتك": "نظرة سريعة في العاصمة دمشق على سبيل المثال، تُظهر تفاوتاً طبقياً كبيراً بين فئة تصل وارداتها الشهرية عشرات الملايين من الليرات السورية، بينما غالبية العوائل تجاوزت خطوط الفقر، وباتت تعيش تحت خط الحياة".

ويعتبر أن الوضع في إدلب "لا يزال رغم كل شيء أفضل من الأحوال الاقتصادية في مناطق النظام السوري، بحكم أنها (إدلب) لا تزال مفتوحة على المساعدات" متهماً النظام السوري بـ"سرقة المساعدات التي تصل إليه".

المشاريع "فرص عمل"

في السياق نفسه، يقول عبد العظيم المغربل، وهو مساعد باحث اقتصادي في مركز "جسور" للدراسات، إن إدلب "لا تزال بعيدة عن الاستقرار الأمني بمعناه العام، إلا أنّ الاستثمارات الضخمة فيها لم تتعرض لمشاكل أمنية أو تأثرت بالقوانين المحلية المعمول بها".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "هذه الاستثمارات لا تعكس فقط مظاهر الترف، إنما تنعكس بالإفادة على المجتمع المحلي، وتؤمّن فرص عمل مهما كانت محدودة، فهي مهمة بسبب وجود نسبة بطالة مرتفعة، الأمر الذي يساعد على تحريك عجلة التنمية الاقتصادية للمنطقة".

ويرى المغربل أن سبب التفاوت المعيشي والطبقي في إدلب، يعود إلى كون هذه الظاهرة "تنشط أكثر وتتضح في الظروف الخاصة مثل ظرف الحرب".

"ومع وجود الفقر المدقع الذي يعاني منه أغلب السكان بالتزامن مع انخفاض الدعم المقدم للمنطقة تتوضح هذه الظاهرة بشكل أكبر، ويُسلّط عليها الضوء من قبل الفئة الأكثر عدداً والأصعب وضعاً"، يكمل المغربل.