صورة لمبنى محكمة العدل الدولية في لاهاي- الموقع الرسمي للمحكمة
صورة لمبنى محكمة العدل الدولية في لاهاي- الموقع الإلكتروني الرسمي للمحكمة

للمرة الثانية تغيّب ممثّلو النظام السوري عن حضور جلسة محكمة العدل الدولية في لاهاي بتاريخ 16 نوفمبر الحالي، بعد أن تجاهلت دمشق الجلسة الأولى في العاشر من أكتوبر الماضي، حيث وصف النظام الاتهامات الموجهة إليه بأنها "تضليل وأكاذيب. وتفتقر إلى أدنى درجة من الصدقية".

وتشكّل محاكمة "العدل الدولية" للنظام السوري أول قضية دولية من نوعها بشأن انتهاكات حقوقية تُتّهم الحكومة في دمشق بارتكابها خلال الحرب، بناء على دعوة رفعتها كل من كندا وهولندا.

وطلبت الدولتان من المحكمة، اتخاذ "تدابير مؤقتة" لوقف كل أشكال التعذيب والاعتقال التعسفي في سوريا، وفتح السجون أمام مفتشين من الخارج، وتبادل المعلومات مع العائلات بشأن مصير أقاربهم. وذلك بعد سنوات من منع روسيا والصين مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي يقضي بإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2014.

تعذيب في السجون السورية
"العدل الدولية" تبدأ محاكمة النظام السوري بتهمة تعذيب المعتقلين
منذ 10 أكتوبر الجاري بدأت محكمة العدل الدولية النظر في شكوى تقدّمت بها هولندا وكندا ضد الحكومة السورية، بزعم تورّطها في تعذيب عشرات الآلاف من مواطنيها منذ تفجر الاحتجاجات الشعبية ضد نظام الأسد في 2011 والتي تحوّلت إلى حربٍ أهلية لاحقاً.

وقالت هيئة محكمة العدل الدولية المؤلفة من 15 قاضياً، إن الحكومة السورية يجب أن تتخذ "كل التدابير التي في وسعها، لمنع أعمال التعذيب وغيرها من ضروب المعاملة أو القصاص القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة". ودعت كندا وهولندا، المحكمة إلى إصدار أمر "عاجل" لوقف التعذيب في السجون السورية، انطلاقاً من أن "كل يوم له أهميته" بالنسبة إلى المعتقلين.

وأصدرت هيئة المحكمة في الجلسة الثانية الخاصة بسوريا، قراراً يطالب النظام السوري "بوقف التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة في البلاد"، حيث يواجه النظام اتهامات كثيرة بممارسة أنواع قاسية من التعذيب خلال الحرب، فيما لم تتمكن المحكمة من التعامل والتخاطب مع دمشق، لأنها لم تصدّق على نظام روما الأساسي، الذي يُعدّ المعاهدة التأسيسية للمحكمة.

كما طالبت المحكمة النظام السوري بأن "يتخذ إجراءات فعالة لمنع إتلاف الأدلة وضمان الحفاظ على جميع الأدلة" المتعلقة بأعمال التعذيب وغيرها من ضروب "المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المُهينة".

ويوجّه النظام السوري من عدم حضوره جلستين للمحكمة "رسائل واضحة"، وفقاً للكاتب السوري حسن النيفي، "أهمها عدم إضفاء أي طابع شرعي للمحكمة، والإيحاء للمجتمع الدولي بعدم الاكتراث، خاصة أن النظام يدرك أن جميع موجبات الإدانة تنطبق عليه".

ويقول النيفي لـ"ارفع صوتك"، أن التأثير المباشر لأحكام محكمة العدل على النظام السوري "هو تأثير معنوي ويمكن أن يتخذ أبعاداً سياسية مباشرة".

ويستبعد  أن "يكون لإجراءات المحكمة أي تأثير مباشر على موجة التطبيع العربي مع دمشق، فالأنظمة العربية الساعية للتطبيع مع الأسد لا تعطي أي اعتبار سوى لمصالحها الأمنية التي هي فوق أي اعتبار أخلاقي أو إنساني"، على حد وصفه.

ويضيف النيفي: "نعم يمكن محاسبة النظام السوري من خارج مجلس الأمن لتحاشي الفيتو الروسي، ولكن هذا الأمر مشروط بتوفر الإرادة الدولية وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية. ما هو مؤكد أن واشنطن حتى الآن لا ترى أي غضاضة في استمرار الأسد بالسلطة".

قصص مروّعة من صيدنايا.. "المسلخ البشري" لمعتقلي النظام السوري
ويصف عبدو الغرفة المستطيلة، ستة أمتار بالعرض وسبعة أو ثمانية بالطول، أحد جدرانها من الحديد الأسود يتوسطه باب حديدي. تقع الغرفة في الطابق الأول من المبنى المعروف بالأحمر، وهو عبارة عن قسم مركزي تتفرع منه ثلاثة أجنحة.

من جانبه، يؤكّد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، أن القرارات التي طالب بها قضاة المحكمة النظام السوري "مهمة جداً"، موضحاً: "الشبكة رحبت بتلك القرارات التي يُفترض أنها مُلزمة على اعتبار أن المحكمة تابعة للأمم المتحدة".

ويستدرك أن "المحكمة ليس لديها القوة التنفيذية اللازمة للضغط على النظام، الذي بات مُطالباً الآن بالانصياع لقرارات المحكمة وتدابيرها المؤقتة، وأهمّها بند وقف التعذيب".

ويتابع عبد الغني، لـ"ارفع صوتك": "أستبعد التزام النظام السوري بقرارات محكمة العدل، فهو يتجاهل تماماً جلسات المحكمة ولم يقم بتعيين محامين مثلاً للدفاع عن موقفه، وهذا من الناحية القانونية سيكون بصالح الضحايا، ويسرّع إجراءات إحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي".

وتأتي مطالب محكمة العدل الدولية الموجّهة للنظام السوري، غداة إصدار محكمة فرنسية مذكّرة توقيف دولية بحق الرئيس السوري بشار الأسد وشقيقه ماهر، القائد الفعلي لـ"الفرقة الرابعة" في الجيش السوري، إضافة لعميدين آخرين، بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية على خلفية هجمات كيميائية اتُّهم النظام بشنّها في غوطة دمشق (أغسطس 2013).

واستمع قضاة المحكمة الدولية في لاهاي خلال جلسة أكتوبر الماضي إلى شهادات معتقلين سوريين، تحدّثوا عن عمليات اغتصاب جماعي وتشويه وطرق عقاب "موحدة ومُمنهجة".

وتقول الشكوى المقدّمة من كندا وهولندا إن التعذيب في سوريا "منتشر ومتجذر ويستمر إلى اليوم"، فيما يتحمل الضحايا "آلاماً جسدية وعقلية لا يمكن تصورها، ويعانون جراء أعمال التعذيب، بما في ذلك المعاملة المقيتة في الاعتقال والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي".

جنود من قوات النظام السوري في حلب. أرشيف
"الفيديوهات للفرع".. تحقيق عن "بنزين المخابرات السورية" وإشعال الضحايا
سلسلة فيديوهات تعود قصتها إلى الأعوام الأولى للثورة السورية، وتفضح "سلوكا ممنهجا" اتبعه ضباط وعناصر يتبعون لإحدى فرق النظام السوري ومخابراته بحق رفات مدنيين ومنشقين وأعضاء معارضة، بعد إعدامهم ميدانيا، بين عامي 2011 و2013.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية
صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية

بعد أكثر من تسع سنوات على خروج محافظة إدلب من سيطرة النظام السوري، لا تزال المنطقة الواقعة شمال غرب البلاد، تكافح للحصول على نوع من الاستقرار، في ظل هدوء جبهات المعارك الرئيسة منذ شتاء عام 2020.

ولا تحوي إدلب -كما في مناطق الشرق السوري- ثروات طبيعية تؤهّلها لحالة اكتفاء اقتصادي ذاتي، لذا تُعد تركيا المنفذ الاقتصادي الوحيد، مع اعتماد السكان بشكل واسع على المساعدات الإغاثية القادمة من وراء الحدود.

وتطبّق "هيئة تحرير الشام" التي تسيطر كلياً على محافظة إدلب، ما يسمّيها السكان "سياسة احتكار اقتصادية"، بحيث تسيطر على واردات المعابر الداخلية، وتتحكّم بمعبر "باب الهوى" الحدودي مع تركيا.

وبرزت خلال العامين الماضيين مظاهر ترف وبذخ في محافظة يعيش نحو مليون شخص فيها داخل مخيمات النزوح، في ظل فقر مُدقع وأوضاع إنسانية صعبة.

فجوة طبقية

يلاحظ المتجوّل اليوم في مدينة إدلب وريفها انتشار "المولات" التجارية الفخمة، ومتاجر تظهر مقاطع الفيديو أنها تضاهي مثيلاتِها في تركيا المجاورة، حتى أن مجموعة من التجار افتتحوا في مطلع 2024 سوقاً خاصاً ببيع الذهب والمجوهرات.

على الضفة المقابلة في إدلب نفسها تظهر تناقضات الحرب بشكل صارخ، حيث تنتشر المخيمات على طول امتداد الحدود السورية مع تركيا، ورغم محاولات إنشاء مجمعات سكنية خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، إلا أن مئات الآلاف لا يزالون يعيشون في خيام لا تقيهم حرّ الصيف أو برد الشتاء، ويتعمدون في معيشتهم كلياً على جهود المنظمات المحلية والدولية.

لا يتعلّق الأمر بسوء الحال لدى سكان المخيمات فقط، كما يقول الناشط الإعلامي غياث السيد، إذ "يعاني غالبية السكان في مدينة إدلب وريفها من ارتفاع باهظ في تكاليف المعيشة، بينما لا تصل الأجرة الشهرية للعامل في أحسن الأحوال إلى 100 دولار شهرياً".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن "المولات الفاخرة والمتاجر والمتنزّهات الخاصة، لا تعكس بطبيعة الحال الأوضاع الحقيقية في إدلب، التي يعيش أكثر من 90% من سكانها تحت خط الفقر".

ويعتقد السيد أن مظاهر التفاوت الطبقي "طبيعية وواقعية في ظروف الحرب المتواصلة منذ 13 سنة، غير أنها تَظهر في إدلب بشكل صارخ"، على حدّ تعبيره.

يتابع: "التفاوت المعيشي موجود في مناطق النظام السوري أيضاً، غير أن إدلب باتت تحوي رجال أعمال يتحدثون بملايين الدولارات، وينشئون مشاريع كبيرة جداً، بينما غالبيّة الناس يفكّرون فقط بتأمين الوجبة التالية من الطعام".

ظاهرة "طارئة"

يقول أكرم سرميني  (46 عاماً) من سكان مدينة إدلب، إن ظاهرة التفاوت المعيشي الواسع في إدلب "طارئة"، خصوصاً أن معظم السكّان يعيشون "بمستوى اقتصادي متقارب، حتى منذ ما قبل الحرب".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن بعض المؤثّرين في وسائل التواصل "يحاولون تصوير إدلب للعالم الخارجي على أنها باتت مُكتفية اقتصادياً، مع إظهار مشاهد الترف والبذخ في بعض المقاهي والمطاعم والمتاجر الفاخرة، لكن الواقع مختلف".

ويوضح سرميني، الذي يعمل مدرّساً، أن هذه المنشآت "تجتذب زبائن لا تنطبق عليهم أوضاع أهالي مدينة إدلب"، مردفاً "بعض هؤلاء الميسورين يعملون في المنظمات ذات الرواتب المرتفعة، أو يرتبطون بسلطات الأمر الواقع صاحبة الكتلة المالية الأكبر، وقليل منهم يعتمدون على الحوالات الخارجية، عدا عن أن جزءاً منهم  أثرياء أصلاً".

من جهته، يقول الصحافي أحمد المحمّد، إن هناك "سوراً كبيراً ومرتفعاً في إدلب بين طبقة مسحوقة بالكاد تؤمّن قوت يومها، وطبقة أخرى تعيش كأنها في بلد مستقرّ وغنيّ".

ولا يتعدى الأمر سوى كونه "أحد انعكاسات الحرب الاقتصادية" في سوريا، وفق وصف المحمد.

يبيّن لـ"ارفع صوتك": "نظرة سريعة في العاصمة دمشق على سبيل المثال، تُظهر تفاوتاً طبقياً كبيراً بين فئة تصل وارداتها الشهرية عشرات الملايين من الليرات السورية، بينما غالبية العوائل تجاوزت خطوط الفقر، وباتت تعيش تحت خط الحياة".

ويعتبر أن الوضع في إدلب "لا يزال رغم كل شيء أفضل من الأحوال الاقتصادية في مناطق النظام السوري، بحكم أنها (إدلب) لا تزال مفتوحة على المساعدات" متهماً النظام السوري بـ"سرقة المساعدات التي تصل إليه".

المشاريع "فرص عمل"

في السياق نفسه، يقول عبد العظيم المغربل، وهو مساعد باحث اقتصادي في مركز "جسور" للدراسات، إن إدلب "لا تزال بعيدة عن الاستقرار الأمني بمعناه العام، إلا أنّ الاستثمارات الضخمة فيها لم تتعرض لمشاكل أمنية أو تأثرت بالقوانين المحلية المعمول بها".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "هذه الاستثمارات لا تعكس فقط مظاهر الترف، إنما تنعكس بالإفادة على المجتمع المحلي، وتؤمّن فرص عمل مهما كانت محدودة، فهي مهمة بسبب وجود نسبة بطالة مرتفعة، الأمر الذي يساعد على تحريك عجلة التنمية الاقتصادية للمنطقة".

ويرى المغربل أن سبب التفاوت المعيشي والطبقي في إدلب، يعود إلى كون هذه الظاهرة "تنشط أكثر وتتضح في الظروف الخاصة مثل ظرف الحرب".

"ومع وجود الفقر المدقع الذي يعاني منه أغلب السكان بالتزامن مع انخفاض الدعم المقدم للمنطقة تتوضح هذه الظاهرة بشكل أكبر، ويُسلّط عليها الضوء من قبل الفئة الأكثر عدداً والأصعب وضعاً"، يكمل المغربل.