مرّ نحو عام وثلاثة أشهر منذ أن رسمت تصريحات رسمية تركية باب تغيير واسع في مسار الملف السوري، حين تحدّث وزير الخارجية آنذاك مولود تشاووش أوغلو، ومن بعده الرئيس رجب طيب أردوغان، عن مساعٍ للتقارب مع النظام السوري.
ومثلت تلك انعطافة سياسية حادّة للدولة التي شكّلت رأس حربة في المحور المناهض للنظام في دمشق، وأصبحت منذ 2012 الحاضنة الرسمية لقوى المعارضة السورية الرئيسة، بدءاً من تشكيل "المجلس الوطني السوري" في إسطنبول.
منذ 28 ديسمبر 2022، انخرط الطرفان في أولى اللقاءات العلنية برعاية روسية، وكانت ذات طابع أمني واستخباراتي، ثم لم تلبث أن تُوّجت بأول لقاء بين وزيري خارجية الدولتين، غير أن الحدث الأهم في هذا المجال لم يحدث رغم كثرة التصريحات حوله، وهو اللقاء بين أردوغان ورئيس النظام السوري بشار الأسد.
خلال 2022 اتخذ مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة زخماً كبيراً، واستحوذ على غالبية التحليلات والتكهنات حول مصير الملف السوري، وعلى أثر تصريحات وزير الخارجية التركي حول هذا التقارب خرجت مظاهرات عارمة في الشمال السوري ترفض مسار التطبيع، وتطالب أنقرة بالتراجع عنه لأنه "غير مرحّب به" شعبياً.
ردّ مسؤولون أتراك بأن هذا الحراك لا يستهدف تصفية المعارضة بشقّيها السياسي والعسكري، و"لا بدّ منه" لوضع حدّ للحرب التي امتدت لأكثر من 12 سنة دون أي أفق واضح لحل سياسي أو عسكري، وتحوّل سوريا إلى ساحة تصفية حسابات وصراعات إقليمية ودولية. وتقول تركيا إنها دفعت أثماناً كبيرة جراء ذلك.
تنوّعت عناوين اللقاءات السورية التركية مع وجود الروس كطرف وسيط، وترحيب إيران بهذا الحراك دون الانخراط به دبلوماسياً. وكان لدمشق وأنقرة جملة من الخطوط العريضة للتفاوض، بدا أن الطرفين يتمسكان بها، فبينما وضعت تركيا الأولوية لـ"مكافحة الإرهاب وعودة اللاجئين إلى بيئة آمنة ومنع موجة هجرة جديدة، مع الحفاظ على وحدة سوريا واستقراراها"، تمسك النظام السوري بالشرط الأهم، الذي قد يكون "عقدة النجّار" في مسيرة التطبيع، وهو ضرورة الانسحاب التركي من الشمال السوري.
نقطة الفصل في ملف تطبيع العلاقات بين دمشق وأنقرة بدت متمثّلة بالانتخابات التركية التي أجريت في مايو الماضي، حيث تحدث الكثير من الخبراء والمحللين أن ملف التطبيع لا يعدو أن يكون حركة تكتيكية من أردوغان لسحب الورقة السورية من يد المعارضة، وأن الرئيس الروسي ساعده في استثمار هذه الورقة بشكل جيّد، بينما رأى آخرون أن ملف التطبيع قائم حتى الآن، وأوقفته الأحداث التي عصفت بالمنطقة مؤخراً، أهمهما الحرب في غزة.
يقول الباحث في "مركز تحليل السياسات" محمود علوش، إن ملف التطبيع بين أنقرة ودمشق
"وصل مرحلة من الجمود، غير أن هناك جهوداً تجري خلف الكواليس، في كل من موسكو وأنقرة وطهران ودمشق، لاستئنافه في المستقبل، مع وجود عدة عقبات على رأسها وجود القوات التركية في الشمال السوري"، الذي قال المسؤولون الأتراك -ومنهم أردوغان- مراراً، إنه غير قابل للنقاش ويرتبط بتحقيق الحل السياسي في سوريا.
ورغم أن ملف الوجود التركي في الشمال السوري يشكّل عقبة كبيرة في مسار التطبيع، إلا أنه لم يمنع مواصلة الحراك الدبلوماسي، ولو بشكل غير معلن أحياناً، بحسب علوش، مضيفاً لـ"ارفع صوتك"، أن "كلاً من تركيا والنظام السوري يواصلان العمل على إنجاز خارطة طريق لإعادة التقارب بينهما".
وحول اللقاء بين أردوغان والأسد، يستبعد علوش حصول ذلك في المشهد القريب، لأن هذا اللقاء – لو حصل- فإنه "سيكون تتويجاً لحل الملفات العالقة بين الجانبين، وهي لا تتعلق فقط بالوجود العسكري التركي شمال سوريا، إنما تتعلّق كذلك باهتمام أنقرة بإنجاز حلّ سياسي في سوريا"، وفق تعبيره.
ويرى أن حكومة الرئيس التركي من الممكن أن "تُعيد الحديث عن تطبيع العلاقات مع دمشق قبيل الانتخابات المحلية في مارس القادم"، لافتاً إلى أن حصول "اختراقات جوهرية" في هذا المسار "لا يزال بعيد المنال في الوقت الراهن".
فكرة استخدام أردوغان ملف التقارب مع سوريا في الانتخابات والسجال الداخلي مع المعارضة، يؤكدها كذلك وائل علوان، الباحث في مركز "جسور" للدراسات، مبيناً أن مسار التطبيع قائم منذ البداية على طلب روسيّ من الطرفين للدخول فيه.
ويوضح لـ"ارفع صوتك": "هناك أمور ساهمت في توقف عجلة التطبيع التركي السوري، أهمها فوز أردوغان بالانتخابات الرئاسية، كما أن المبادرة الروسية أخذت وقتها دون أن يُبدي النظام السوري أي رغبة بتقديم تنازلات، إضافة إلى أن تركيا ليست مهتمّة بالتطبيع مع دمشق بشكل جوهري، إنما هي مهتمّة ببناء مزيد من الثقة مع روسيا".
ويشير علوان إلى معلومات تفيد بأن الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي سعى لترتيب لقاء بين أردوغان والأسد على هامش وجودهما في مؤتمر التعاون الإسلامي بالرياض حول ملف الحرب بغزة، غير أن تركيا رفضت ذلك، في إطار تنصّل النظام السوري من التزامات التفاهمات والمفاوضات، ومواصلة سعيه إلى استغلال أي ملف يضغط على تركيا وعلى أمنها القومي.
