علامات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية داخل منزل متضرر بدمشق في 23 أبريل 2018
علامات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية داخل منزل متضرر بدمشق في 23 أبريل 2018

أدت الهجمات غير المشروعة بالأسلحة الكيميائية إلى مقتل وإصابة الآلاف خلال الحرب الأهلية في سوريا، كثير منهم من الأطفال، ولكن بعد مرور أكثر من عقد من الزمن لا يزال الجناة بمنأى عن العقاب.

وقد يتغير ذلك في إطار مبادرة أُطلقت، الخميس، في لاهاي لإنشاء محكمة جديدة لمثل هذه الفظائع.

وعملت حوالي عشر مجموعات حقوقية سورية وخبراء قانونيون دوليون وآخرون في هدوء على مدى عامين على وضع الأساس لمحكمة جديدة قائمة على المعاهدات يمكنها محاكمة من يتهمون باستخدام المواد السامة المحظورة بجميع أنحاء العالم.

وقالت صفاء كامل، 35 عاما، وهي معلمة من حي جوبر بالعاصمة السورية دمشق "المحكمة بالنسبة للسوريين هي أمل"، متذكرة الهجوم بغاز السارين الذي وقع في 21 أغسطس عام 2013 بمنطقة الغوطة والذي أدى لمقتل أكثر من 1000 شخص كثير منهم كانوا نائمين.

وأضافت "الأعراض التي تعرضنا لها الغثيان وإعياء واصفرار الوجه، وحالات إغماء.. حتى من الصغار... كان خوف كتير كبير".

وتابعت قائلة "عندما فتشنا عن الشهداء الذين فقدناهم أثناء هذا القصف الكيماوي كان عدد الضحايا كتير كبير.. لا تمحى من ذاكرتنا كيف كانت مصفوفة".

وأظهرت وثائق اطلعت عليها "رويترز" أنه تم عقد العديد من الاجتماعات الدبلوماسية واجتماعات الخبراء بين الدول لمناقشة الاقتراح، بما في ذلك الجدوى السياسية والقانونية والتمويلية.

وقال المحامي البريطاني السوري إبراهيم العلبي، وهو أحد الشخصيات الرئيسية وراء هذه المبادرة، إن دبلوماسيين من 44 دولة على الأقل من مختلف القارات شاركوا في المناقشات، بعضهم على المستوى الوزاري.

وقال العلبي لرويترز "بينما يطالب بها السوريون بشأن استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا، إذا رغبت الدول في ذلك فإن الأمر قد يتجاوز ما هو أبعد من سوريا بكثير".

ودُشن مقترح إنشاء المحكمة الاستثنائية للأسلحة الكيماوية في 30 نوفمبر وهو اليوم الذي يتم فيه إحياء ذكرى ضحايا الهجمات الكيماوية بجميع أنحاء العالم. 

وستكون الخطوة التالية هي أن تتفق الدول على صياغة المعاهدة.

وقال ثلاثة دبلوماسيين من دول في شمال وجنوب العالم لـ"رويترز" إن حكوماتهم تناقش إنشاء المحكمة، ورفضوا الكشف عن أسمائهم لأنهم غير مخولين بالتحدث في هذا الشأن.

وقال أحد المصادر "هناك اهتمام جدي، واهتمام بالغ، واعتراف بالحاجة إلى شيء كهذا، إلى الحاجة لمعالجة فجوة الحصانة بالأساس".

"شيء من العدالة"

تحظر اتفاقيات جنيف، التي قننت قوانين الحرب، استخدام الأسلحة الكيماوية. 

وشددت من ذلك اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1997، وهي معاهدة لمنع انتشار هذه الأسلحة انضمت إليها 193 دولة وتشرف عليها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية.

لكن الانقسام السياسي بشأن الحرب السورية في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وفي الأمم المتحدة عرقل الجهود الرامية إلى المحاسبة عن انتهاكات القانون الدولي واسعة النطاق في مئات مما يشتبه بأنها هجمات كيماوية.

ونفت حكومة رئيس النظام السوري، بشار الأسد، استخدام الأسلحة الكيماوية ضد معارضيها في الحرب الأهلية التي اندلعت في مارس 2011 والتي وصلت الآن إلى طريق مسدود إلى حد كبير. 

ولم ترد وزارة الإعلام على طلب من "رويترز" للتعليق.

وأقامت دول، من بينها فرنسا، محاكمات بموجب ما يسمى بالاختصاص القضائي العالمي للنظر في جرائم الحرب، لكن في الحالات التي لا تستطيع فيها المحكمة الجنائية الدولية فعل شيء.

ولا يوجد كيان قانوني يستطيع محاكمة الأفراد المشتبه بهم في استخدام الأسلحة الكيماوية على مستوى العالم.

وقال دابو أكاندي، المحامي البريطاني وعضو لجنة القانون الدولي بالأمم المتحدة لرويترز "عندما توجد أصوات تقول ‘نحن بحاجة إلى شيء من العدالة... أعتقد أن ذلك سيكون قويا".

وذكر أكاندي أن هناك محاكم دولية لجرائم الحرب، من البلقان إلى رواندا ولبنان، لكن لم يركز أي منها على جريمة نشر الأسلحة الكيماوية على وجه التحديد.

وأضاف "ستكون محاولة لسد فجوة بمعنى أنها ستكون مخصصة في الأساس للقضايا التي لا تستطيع فيها المحكمة الجنائية الدولية ممارسة اختصاصها القضائي.. وأعتقد أن هذا سيكون الشيء المبتكر في هذا الشأن".

وليس للمحكمة الجنائية الدولية المختصة بجرائم الحرب في العالم، ومقرها لاهاي، اختصاص قضائي في سوريا.

وتتمتع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بسلطة التحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيماوية وتحديد الجناة المزعومين في بعض الحالات، لكنها لا تتمتع بسلطة الملاحقة القضائية. 

وقالت في يناير إن سوريا مسؤولة عن هجوم وقع في مدينة دوما عام 2018 وأسفر عن مقتل 43 شخصا.

ووجدت آلية التحقيق المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن الحكومة السورية استخدمت غاز الأعصاب السارين في هجوم وقع في أبريل 2017، واستخدمت الكلور مرارا كسلاح واتهمت مسلحي تنظيم "داعش" باستخدام غاز الخردل.

واستخدمت روسيا، حليفة سوريا، حق النقض (الفيتو) مرارا ضد محاولات تمديد آلية التحقيق المشتركة التي انتهت في نوفمبر 2017.

بعد عشر سنوات

بالنسبة للدكتور محمد سليم، الذي ساعد في علاج مئات المرضى بعد هجوم الغوطة عام 2013، لا تزال صور الاختناق والموت تبكيه. 

ويتذكر أحد الأطفال الناجين وهو ملقى بين الجثث ويسأله: "عمو أنا عايش؟".

وقال لـ"رويترز" في لاهاي "الحقيقة عندنا شعور بالمرارة إن المحاسبة تأخرت عشر سنوات.. إذا قيد هلق مشروع انطلاق محاسبة فبيكون بعد عشر سنوات بدأ هذا المشروع.. نتمنى ألا ننتظر عشر سنوات إضافية".

وأضاف "أنا يللي بدي قوله إنه خللي القانون الدولي والعدالة ياخد مجراها".

وقالت الآلية الدولية المحايدة والمستقلة للتحقيق في الجرائم الأشد خطورة المرتكبة في سوريا، التابعة للأمم المتحدة، لـ"رويترز" إن جزءا صغيرا فقط من حوالي 200 تحقيق في جرائم الحرب السورية أجرته دول معظمها أوروبية يتعلق بالهجمات الكيماوية.

وقالت رئيسة هذه الآلية، كاثرين مارشي-أويل، إنه لا توجد فرص كافية لتحقيق العدالة فيما يتعلق بهجمات الأسلحة الكيماوية في سوريا، وإن الآلية الدولية المحايدة والمستقلة مستعدة للعمل مع محكمة جديدة.

وأضافت "هيئة دولية لديها موارد مخصصة وفريق اكتسب خبرة في إقامة دعاوى بشأن حوادث الأسلحة الكيماوية قد تكون في وضع جيد يسمح بالتعامل مع هذا النوع من القضايا".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لامرأتين تركيتين تسيران في مدينة إسطنبول- فرانس برس
صورة تعبيرية لامرأتين تركيتين تسيران في مدينة إسطنبول- فرانس برس

تروي اللاجئة السورية هند (29 عاما) تجربتها مع أتراك عنصريين، مشيرةً إلى أنهم يميزون بين السوريات والتركيات من خلال شكل غطاء الرأس الإسلامي (الحجاب).  

في إحدى المرات تعرض لها أحدهم بالشتم بألفاظ نابية وقال "عودي لبلدك". تضيف لـ"ارفع صوتك": "حينها كنتُ في طريقي لأستقل المواصلات العامة ولم أتحدث مع أحد (في إشارة إلى عدم ظهور لغتها).. لقد عرف أني سورية من شكل حجابي السوري، كأنه هوية على جبيني".

وتقيم هند في تركيا منذ ثماني سنوات، لجأت إليها من منطقة كفرسوسة التابعة للعاصمة دمشق. 

"أُصبت بالرعب" تقول هند، فهو ليس الموقف الأول الذي تتعرض خلاله للإهانة والتمييز لكونها سورية، لذلك كان الحل بالنسبة لها تغيير طريقة ارتدائها الحجاب إلى "اللفّة" التركية.

 

قصص سوريات

في محاولة للتكيف مع المجتمع وتجنب التمييز، قامت الكثير من المسلمات السوريات اللواتي يرتدين الحجاب، في تركيا، بتغيير أزيائهن والتشبّه بنظيراتهن من التركيات، كوسيلة للاندماج، وتحقيق قبول أفضل في المجتمع المضيف، وتجنباً لأي اعتداء أو موقف عنصري.

"الاندماج في المجتمع التركي أصبح هاجسا لدى اللاجئين السوريين الذين وجدوا أنفسهم في تحدٍ مع لغة وعادات كثيرة لا تشبه مجتمعاتهم"، تقول راوية اليوسف (27 عاما).

وتبين لـ"ارفع صوتك" إنها كانت تواجه صعوبات في التفاعل مع المجتمع المحلي بسبب اعتمادها شكل الحجاب السوري رغم معرفتها باللغة التركية بمستوى جيد جدا، حسب وصفها، فافترضت أنه السبب في نظرات الأتراك لها وتجنبهم الحديث.

قررت راوية تغيير نمط حجابها وملابسها، الأمر الذي أعطاها "فرصة أفضل" للتواصل مع الأتراك، كما تقول، مردفةً "صاروا ينظرون إليّ كشخص مندمج في مجتمعهم، ويتبادلون الأحاديث معي كما أصبح لدي صديقات".

في تجربة ثالثة، نتحدث مع بشرى مدللي (30 عاما) التي تقيم في غازي عنتاب. تقول  "كنت فخورة بزيي السوري وحجابي، حتى حصلت أحداث قيصري الأخيرة، ورأيت كيف يمكن أن تكون الأعمال الانتقامية  والعقوبة جماعية في حال ارتكاب أي سوري خطأ ما أو جريمة ما، فيعاقب الجميع".

"قادني الخوف إلى محاولة التشبه بالتركيات كي لا يتم إيذائي في حال خرجت من المنزل، فأنا مضطرة للخروج يومياُ من أجل العمل لإعالة طفلتي وشراء احتياجات المنزل"، توضح بشرى.

وتكمل "استعرتُ حجاباً ثم ذهبت إلى السوق واشتريت حجابات ملونة ومزخرفة عديدة، ولن أعود إلى حجابي السوري مطلقاً".

ويختلف الحجاب التركي عن السوري كونه ملون ومزخرف، كما يختلف بطريقة لبسه السهلة والبسيطة وطريقة لفه على الرقبة، وهو مؤلف من قطعة واحدة، ولا يحتاج تثبيته لدبابيس كالحجاب السوري الأبيض والمؤلف من قطعتين.

الطالبة الجامعية السورية ندى (21 عاما) تقول إنها غيّرت طريقة ارتدائها للحجاب منذ عامين، مبينةً "كنت أتعرض للتنمر بشكل مستمر في الطريق وأسمع كلاما مهينا، أو نظرات غير مريحة، لكن بعد أن غيرت طريقة ارتداء الحجاب، شعرت بتغير كبير في تعامل الناس معي، أصبح الأمر أسهل للتفاعل والاندماج ولم أعد أسمع تعليقات مسيئة".

العديد من السوريات، بحسب ندى، تعرضن لمواقف عنصرية في أماكن عامة أو خاصة، بينهم خالتها التي تم الاعتداء عليها من امرأة تركية في أحد المحال التجارية مرفقة ذلك بألفاظ مُهينة، مثل "أنت متسوّلة ومتخلّفة، لماذا أتيتِ إلى بلادنا؟".

تضيف "تغيير الحجاب أمر يخفف من الخوف ويساعد في الاندماج مع المحيط، لهذا قررت مع أخواتي وقريباتي بعد هذه الحادثة، تغيير نمط حجابنا كي لا يتم تمييزنا عن التركيات".

في السياق نفسه، ترى مرشدة الدعم النفسي إكرام ناصيف أن هذا التغيير يساعد النساء المحجبات على الشعور بأنهن جزء من المجتمع التركي، سواء كان التغيير نابعاً من رغبة شخصية أو بسبب ضغوط اجتماعية.

والتغيير النابع من الرغبة الشخصية، بحسب ناصيف، يزيد من الثقة بالنفس ويساعد على الاندماج بشكل أسرع، بينما التغيير الناتج عن الضغوط الاجتماعية قد يسبب القلق والحزن.

وتوضح لـ"ارفع صوتك": "التغيير النابع من رغبة شخصية قد يعكس قوة ومرونة النساء اللاجئات في المجتمع التركي وقدرتهن على التكيف مع الوضع الجديد، أما التغيير بسبب الضغوط، فيعكس حالة من القلق والخوف وعدم الشعور بالأمان".