صورة أرشيفية لمبنى البنك المركزي في العاصمة السورية دمشق- تعبيرية
صورة أرشيفية لمبنى البنك المركزي في العاصمة السورية دمشق- تعبيرية

شهدت سوريا بين عامي 2011 - 2018 موجات هجرة كبيرة لأسباب أمنية وعسكرية، غير أن مسارها لم يتوقف مع ثبوت الخرائط العسكرية بشكل نسبي بعد عام 2020. لكن الأسباب اتخذت مسارات مختلفة، تتعلق هذه المرة بالوضع الاقتصادي الخانق، الذي تفاقم مع بدء حزمات العقوبات الأميركية بموجب قانون "قيصر"، وتردّي الأوضاع المعيشية والخدمية إلى مستويات أقرب للمجاعة.

أسهم ذلك بصناعة موجات هجرة جديدة للشباب، تحديداً في مناطق سيطرة النظام السوري، هرباً من التجنيد الإجباري من ناحية، وبحثاً عن فرص عمل تؤمّن الحد الأدنى للحياة من جهة أخرى. 

FILE - Shopkeeper waits for customers in Damascus, Syria, on Dec. 15, 2022. Syria’s president early Wednesday Aug. 16, 2023…
أزمة جديدة تلحق بالأمن الغذائي في سوريا.. خبير اقتصادي: "الوضع للأسوأ"
"نحن اليوم نلاحق رغيف الخبز حرفياً، إذا كانت المجاعة تعني العجز عن تأمين وجبة الطعام التالية.. فنحن في مجاعة"، يردّد الخمسيني السوري قحطان. م (تحفظ على ذكر اسمه الثنائي) هذه الكلمات خلال حديثه عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية في سوريا.

يقول إسماعيل سعدو (39 عاماً)، وهو من مدينة حمص، إن "الراتب الشهري لم يعُد يكفي دفع أجرة المواصلات".

قبل شهرين وصل سعدو مهاجراً إلى تركيا "هرباً من جحيم القلّة والحاجة"، على حد تعبيره. يضيف لـ"ارفع صوتك": "بقيت في سوريا طيلة سنوات الحرب، لأنّي أفضّل البقاء والحفاظ على وظيفة في مؤسسة حكومية تابعة للنظام".

"لكنّي نادم جداً، لأنني لم أهاجر مسبقاً كما فعلت الملايين" يتابع سعدو الذي يشير إلى أن "الوظيفة التي أبقته،  أصبح عائدها بالكاد يكفي أجرة المواصلات من بيته لمكان عمله، كأنه يعمل بالمجّان" على حد تعبيره.

ويوضح أن "قرار الهجرة وترك الوظيفة الحكومية، ليس حالة نادرة في مناطق النظام، فالعشرات من أقاربه وأصدقائه فعلوا الشيء نفسه، لأن البقاء بمثابة الانتحار البطيء".

FILE - Syrians walk through destruction in the town of Douma, the site of a suspected chemical weapons attack, near Damascus,…
سوريون يبيعون بيوتهم ليدفعوا "فاتورة" الهجرة
"المرحلة التي تصل فيها إلى أن تبيع بيتك من أجل الهجرة الاضطرارية خارج بلادك مؤلمة جداً، لكن الخيارات انعدمت أمامنا، ظنّنا أن الحرب انتهت، لكننا صرنا نتحسّر حتى على أيام الحرب الحقيقية، حينها كنا مهددين بالموت في أي لحظة، لكننا كنا قادرين على أن نشتري طعامنا وشرابنا على أقل تقدير".

موقف النظام السوري

موجة الهجرة الأخيرة تركت آثارا اجتماعية واقتصادية كبيرة في بنية المجتمع السوري، وفي هيكلية حكومة النظام كذلك، بسبب الفراغ الكبير في الدوائر الحكومية، مع عزوف المقيمين عن العمل فيها، وتوجه الكثيرين نحو الأعمال الخاصة، التي تؤمّن رغم رداءة واردها المالي، نسبة أكبر من رواتب الوظيفة العامة.

ذكرت صحيفة "البعث" السورية التابعة للنظام، مؤخراً، أن "الحكومة تمضي قُدماً نحو إعداد دراسة للاستعانة بالكفاءات المُحالة إلى التقاعد قبل خمس سنوات، في محاولة لسدّ الفجوات الإدارية والإنتاجية التي ضربت جميع المؤسّسات الحكومية، من قطاع التعليم إلى الصحة إلى قطاع الخدمات العامة".

وأضافت في تقريرها، أن "وزارة التنمية الإدارية تجتهد لوضع التشطيبات النهائية على الدراسة، بالتنسيق مع الوزارات والمؤسسات المعنية، بحكم الضرورة والحاجة للاستعانة بخبرات عتيقة وعميقة، تُسهم في ترميم فجوة بعض الاختلالات الإدارية والإنتاجية التي تعاني منها الكثير من المؤسّسات الحكومية، بفعل تعرّض مفاصلها ومواردها البشرية لرضٍ كبيرٍ جراء موجات التسرب الواسعة ونقص الكوادر، ورفض الشبان العمل بالوظيفة لمحدودية الرواتب".

ماذا يقول الخبراء؟

 

لم تحدّد صحيفة "البعث" أرقاماً معيّنة لحاجة الدوائر الحكومية إلى موظفين متقاعدين، وسط تساؤلات عن سبب استبعاد الشباب العاطلين عن العمل من هذه الخطة، واللجوء إلى أشخاص تجاوزوا الستّين من العمر (سنّ التقاعد الرسمي وفق القانون السوري).

يقول ماهر العبد الله (اسم مستعار لمدير فرعي في إحدى شركات الغزل والنسيج الحكومية)، لـ"ارفع صوتك"، إن "شركات الغزل والنسيج العامة سعت خلال السنوات السابقة إلى رفد مصانعها بموظفين شباب لتعويض النقص، لكن ذلك لم ينجح، |لأسباب عدة".

ويضيف أن "عزوف الشباب عن العمل عن هذه المؤسسات، بسبب الجهد الذي يتطلبه العمل، والوقت الطويل جداً، مع راتب شهري قليل جداً (لا يتجاوز 15 دولاراً شهرياً في أحسن الأحوال)، إضافة إلى مشكلة تخص العمل نفسه، تتعلق بعدم كفاءة الشباب في القيام بالكثير من المهام التي تحتاج خبرة كافية لتحقيق الإنتاج المطلوب".

يقول الخبير الاقتصادي والمالي فراس شعبو، إن "الأزمة الإدارية والإنتاجية في مؤسسات النظام السوري، نتيجة طبيعية ليس فقط لظروف الحرب وأثرها الاقتصادي المدمّر، بل أيضاً بمحافظة النظام السوري على عقليته الأمنية السابقة التي كانت قبل الثورة، ولم يستطع التخلص منها رغم كل ما حلّ بالبلاد، فما يزال الشخص الذي ينتقد الظروف أو يتحدث خارج رغبة النظام يتعرض للاعتقال".

ويؤكد شعبو لـ"ارفع صوتك" أن "خسارة الشباب والكفاءات والعقول في سوريا، خسارة طويلة الأمد وذات أثر كارثي على البلاد، لأنها تتعلق بخسارة رأس المال البشري".

يتابع: "حاول النظام خلال السنوات السابقة معالجة النزيف الحاصل في مؤسساته وقطاعاته الخدمية عبر السماح للشباب بتأدية التجنيد الإجباري في المؤسسة التي يعملون فيها، سواء في الجامعات أو المشافي أو الدوائر القضائية".

ويتوقع شعبو أن يلجأ النظام السوري فيما بعد إلى إصدار قانون يرفع سن التقاعد من 60 لـ65 عاماً لسدّ هذه الثغرات.

وتعليقاً على خطة الحكومة لحل أزمة الفراغ في مؤسساتها، يرى شعبو أنها "لن تحقق هدفها، لأن الاعتماد على موظفين في سن 60 أو 65 عاماً سيزيد الترهّل الحاصل أصلاً في مؤسسات ودوائر الحكومة، وسيرفع نسبة ضعف الإنتاج إلى مستويات أكبر. يمكن الاستفادة من الموظفين بهذه الأعمار كاستشاريين، لكن يستحيل أن يؤدّوا الوظائف الخدمية التي يفتقر إليها القطاع العام".  

وتقول سجلات مؤسّسة "التأمينات الاجتماعية" التابعة للحكومة السورية، إن "هناك نحو 750 ألف متقاعد مسجلين لديها". بينما أوضحت دراسة سابقة أجرتها الهيئة السورية لشؤون الأسرة والسكان، أن "95% من المسنّين يقومون بعمل إضافي بعد التقاعد لزيادة دخلهم"، في حين كشف مكتب الإحصاء المركزي أن معظم المسنّين يمارسون أعمالاً شاقة لأنها توفر دخلاً جيداً مقارنة بالأعمال الأخرى.

وفي يونيو الماضي كشف تقرير نشره موقع "غلوبال إيكونومي" أن "سوريا احتلت المرتبة الأولى بمعدل 8.1، كأسوأ الدول العربية في مؤشر هجرة الكفاءات والكوادر العلمية".

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.