لافتة على طريق مطار دمشق الدولي ترحب بالقادمين باللغتين العربية والفارسية- تعبيرية
لافتة على طريق مطار دمشق الدولي ترحب بالقادمين باللغتين العربية والفارسية- تعبيرية

"عاد إلى الخدمة.. خرج عن الخدمة"، باتت هذه العبارة من أكثر العناوين الإخبارية تداولاً لدى النظام السوري خلال الشهرين الأخيرين، فيما يخصّ مطار دمشق الدولي، الذي تكرر في أهداف الضربات الإسرائيلية تجاه مناطق النظام السوري.

وأعلنت حكومة النظام تحويل الرحلات إلى مطار حلب، الذي تعرّض في نوفمبر الماضي لهجوم مشابه أخرجه عن الخدمة كذلك. 

في الظاهر يبدو مطار دمشق الدولي مجرد مرفق مدني تابع للنظام لأغراض السفر المدني، لكنه في الحقيقة، اتخذ طابعاً جعل منه أشبه بمطار عسكري استقبل خلال الحرب السورية آلاف المقاتلين التابعين للحرس الثوري الإيراني، القادمين من إيران والعراق وأفغانستان وباكستان.

كما تحوّل إلى ممر لوصول الأسلحة الإيرانية للنظام السوري وحزب الله اللبناني، حيث وصلت تلك الأسلحة تحت غطاء الطيران المدني، لتجنّب العقوبات والضربات الأميركية أو الإسرائيلية. 

في عام 2016، نشر الموقع الإلكتروني لصحيفة "ديلي ميل" البريطانية، تحقيقاً استقصائياً بعنوان "من داخل البيت الزجاجي"، كشف أن إيران قامت بقيادة عملياتها الهادفة لدعم بشار الأسد من مبنى سرّي ضخم، يضم كبار قادة الاستخبارات الإيرانيين قرب مطار دمشق الدولي.

وكشفت الصحيفة ملف المعلومات المسرّبة من "مصادر عليا" في الحرس الثوري الإيراني، التي قالت إن غرفة العمليات الإيرانية في سوريا تُدار من قبل عسكريين وخبراء إيرانيين موجودين في بناء مؤلّف من خمسة طوابق، يقع قرب مطار دمشق الدولي، حيث تتم عمليات للاستخبارات ومكافحة التجسس، كما يحتوي البناء على خزائن مليئة بملايين الدولارات النقدية القادمة من إيران.

وأضافت أن "البيت الزجاجي" يحوي عدداً من الإدارات داخل المبنى، منها إدارة مكافحة التجسّس والخدمات اللوجستية والدعائية، وقيادة المرتزقة الأجانب، بينما تقع إدارة أجهزة الاستخبارات الإيرانية المسؤولة عن المبنى "السري" في الطابقين العلويين.

يقول الخبير في الشؤون الأمنية والعسكرية في "مركز عمران للدراسات"، نوار شعبان، إن مطار دمشق الدولي، يشكل أهمية خاصة لدى إيران، كونه نقطة إمداد متقدّمة لها داخل الأراضي السورية، وحلقة وصل مهمة بينها وبين حزب الله اللبناني".

ويضيف لـ"ارفع صوتك"، أن أي مرفق مدني أو عسكري "مهم"، سواء بالنسبة للنظام السوري أو لإيران.

ويرى شعبان، أن إسرائيل "تدرك أهمية مطار دمشق كنقطة إمداد لوجستية" غير أنها "لا تستطيع شلّ الحركة فيه على المدى الكامل والطويل"، واصفاً استهدافها للمطار بأنه "لحظي، يتعلق عادةً باستهداف مدرج يعطّل وصول طائرة إيرانية تفيد المعلومات الاستخباراتية بأنها تقلّ مسؤولاً مهماً أو تحمل أسلحة نوعية". 

 

التنسيق الإسرائيلي- الروسي

الأهمية التي ذكرت سابقاً لمطار دمشق ليست محلّ إجماع الخبراء والمحللين، حيث يذهب المحلل السياسي حسن النيفي، إلى أن "القيمة التي يحظى بها مطار دمشق الدولي هي قيمة رمزية ولا تُحيل إلى أهميته الحيوية أو العمرانية أو الأمنية".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "عندما تستهدفه إسرائيل بشكل متكرر فهي ترمي إلى إبلاغ النظام وحلفائه من محور الممانعة، أنها قادرة على شلّ حركتهم وتقويض أي نشاط عسكري يستهدف إسرائيل".

وهذا الاستهداف المتكرر "تحوّل إلى حالة معتادة عند النظام والميليشيات التابعة له"، وفق تعبير النيفي، متابعاً "هذه الضربات لا تؤدي عادة إلى خسائر بشرية لأنها مجرد رسائل فقط، من جهة، ولأنها تتم بالتنسيق مع إسرائيل، بموجب الاتفاق الذي أبرم عام 2018 بين كل من موسكو وتل أبيب وواشنطن حول ضرورة التنسيق وتحاشي الاشتباك في الأجواء السورية، من جهة ثانية".

في السياق، يقول الباحث في مركز "أبعاد للدراسات"، فراس فحام، لـ"ارفع صوتك"، إن إسرائيل "تبتعد في الوقت الحالي عن استخدام الأجواء السورية لشن ضربات؛ خشية التصادم مع القوات الروسية، وتقوم بدلاً من ذلك بشن ضربات بصواريخ بعيدة المدى تُطلق من الأجواء اللبنانية أو من البحر المتوسط، لكنها على أية حال لا تهدف إلى تدمير المطار بشكل كلي أو إخراجه عن الخدمة بشكل دائم".

وحول التنسيق مع روسيا، يرى فحام، أن هذه الفكرة "أصبحت من الماضي، لأن موسكو ضيّقت من قدرات إسرائيل على تنفيذ غارات جوية في سوريا بشكل كبير، وقامت في الوقت نفسه بالتنسيق مع إيران في إيجاد بدائل للمطارات المدنية، عبر المطارات العسكرية الخاضعة لسيطرة روسيا مثل قاعدتي حميميم وتدمر".

بالنسبة لنوار شعبان، فإن إسرائيل "يستحيل أن تقوم بهذا الكم من الاستهدافات في كل الخارطة السورية، ولا سيما مطار دمشق الحيوي، دون التنسيق مع موسكو، رغم الإدانات الدبلوماسية الروسية التي تعبّر عن الاستنكار والرفض لهذه الضربات".

ويؤكد أن "التنسيق غير المعلن بين موسكو وتل أبيب يحدّد كذلك نوعية وحجم الضربات، بحيث لا تؤدّي مثلاً إلى إحداث أضرار كبيرة في المطار، إنما يقتصر ذلك على تدمير جزئي لأحد المدارج، على سبيل المثال".

 

خسائر النظام وإيران

بشأن الخسائر المادّية أو العسكرية، يقول نوار شعبان، إن "إيران تتأثر بلا شكّ جراء بالضربات الإسرائيلية، لكنها أيضا تقوم بامتصاصها والتكيّف معها، بحيث باتت تحوّل الرحلات إلى جهات ثانية مثل مطار حلب الدولي، وتزيد الاعتماد على الطرق البرّية رغم التكلفة العالية لذلك".

"كما تحاول إيران تشتيت التركيز الإسرائيلي عبر تكرار عمليات التموضع وإعادة الانتشار، بحيث يصعب على الضربات الإسرائيلية تحديد واستهداف كل مناطق العبور والإمداد اللوجستي، الممتدة من دير الزور شرقاً إلى معبر نصيب جنوباً، مروراً بمناطق البادية السورية"، بحسب شعبان. 

ويستدرك، أن "المتضرّر الأكبر هو النظام السوري، الذي يتكلّف مبالغ طائلة مع كل عملية إعادة تأهيل للمطار، بالإضافة إلى أن قصف المطار يؤثّر على عملية الملاحة الجوية مع ترويج النظام دولياً بأن الحياة عادت لطبيعتها، ويمكن للزوار والالسيّاح قدوم لسوريا".

يتابع شعبان: "القصف المتكرّر لمطار دمشق يضرب دعاية النظام السوري حول سيطرته المُطلقة في مناطق نفوذه".

مواضيع ذات صلة:

تعبيرية

يُعد مشروب المتّة الأرجنتينية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للكثير من السوريين، حيث لا تخلو الجلسات العائلية من هذا المشروب الذي صار تقليديا وشعبياً، تميزه طقوس وأساليب خاصة لتحضيره وتقديمه.

وانتشر هذا المشروب منذ عقود في سوريا، خاصة المحافظات الساحلية ومحافظة السويداء، حتى أصبح منافسًا قويًا للشاي والقهوة، ويتفوق عليهما في الكثير من الأحيان. 

ويَعتبر عشاق المتّة في سوريا أنها جزء من التراث والثقافة الاجتماعية، وترمز إلى الترحيب والكرم وتجمع الناس في الأوقات الجيدة والعصيبة.

وإن زرت في زيارة إلى أحد منازل مدن السويداء، أو طرطوس، أو بانياس، أو اللاذقية، ستجد أصحاب المنزل يقدمون لك  المتة تلقائياً. 

تقول منى مرعي (51 عاما) من السويداء، إن مشروب المتة "علامة على الترحيب بالضيف والسعادة باستقباله، والقيام بواجب تكريمه، والرغبة ببقائه لوقت أطول". 

تاريخها في سوريا

انتقلت المتة إلى سوريا من موطنها الأصلي في أميركا الجنوبية على يد المهاجرين السوريين الذين قصدوا تلك البلاد في القرن التاسع عشر بحثاً عن فرص حياة أفضل خلال الحرب العالمية الثانية وما تلاها من أزمات اقتصادية. 

وبمجرد استقرارهم هناك، بدأوا في التأقلم مع العادات والتقاليد المحلية، كان من بينها تناول من مشروب المتة، الذي صار جزءا من حياتهم اليومية. 

بعد سنوات الهجرة، عاد الكثير من السوريين إلى وطنهم الأم خلال ستينيات القرن الماضي، وحينها جلبوا معهم المتة، التي انتشرت رويداً رويداً ولاقت استحسانا كبيرا لدى السوريين، وأُعجب الناس بطعمها فكثر الطلب عليها. 

وبعد الأزمة السورية واللجوء، نقل السوريون هذا المشروب إلى بلدان أوروبا والعالم، حيث أصبحت المتة تُعرض على رفوف المتاجر، وتباع في أسواق أوروبا وتركيا وأمريكا وبعض الدول العربية. 

يقول المهندس ماجد عكاش من مدينة حماة، إنه وفور وصوله إلى ألمانيا افتقد المتة بشكل كبير وكان دائم البحث عنها في أولى سنوات اللجوء ولكن دون جدوى. اختلف الوضع الآن حيث صارت تُباع في الكثير من المتاجر.

يضيف لـ"ارفع صوتك": "أعتبر المتة جزءا من هويتي السورية، فهي تذكرني بالأوقات الجميلة مع الأصدقاء والعائلة، وتربطني بالوطن، وسعيد جدا لأن السوريين حملوها معهم إلى أوروبا، كما حملها أجدادنا من أميركا الجنوبية إلى سوريا". 

يُعتبر شراب المتة مفضلاً لدى شريحة كبيرة من السوريين، ويتم تحضيره بطريقة خاصة، إذ تُنقع أوراق المتة في الماء البارد لدقيقة أو اثنتين، ثم يُضاف إليها الماء الساخن. 

وتُشرب المتّة في قرعة مخصصة لذلك، والقرعة كأس خاصة مصنوعة من الخشب في الأساس، ولاحقا أصبحت تُصنع من الزجاج والبورسلان، و"البومبيجة" التي يتم الشرب فيها، وهي مصاصة معدنية. 

تتنوع طرق شرب المتة بحسب المناطق في سوريا، ففي  السويداء والقلمون يتم تداول قرعة المتة بعد تعقيمها بالماء الساخن والليمون بين مجموعة من الأشخاص، بينما في كطرطوس واللاذقية وحلب يشرب كل فرد بقرعة مخصصة له. 

يقول ماهر إسماعيل من السويداء، إن المتة من المشروبات الأشهر شعبياً، وفي محافظته "يمكن أن ترى المتة في كل بيت تقريبا، حتى أنها تدخل ضمن جهاز العروس". 

عن طريقة الشرب، يشرح ماهر لـ"ارفع صوتك": "الكثير يتناولونها دون أية إضافات، ولكن يمكن إضافة الهيل لها أو الزنجبيل أو العقدة الصفراء، والبعض يشربها بالحليب بدلا من الماء الساخن، والبعض يفضل إضافة السكر فقط مع الماء". 

هل لها طقس معين في السويداء؟ يقول ماهر "يجلس الحاضرون في حلقة، ويتم تداور جوزة أو قرعة المتة بين الحاضرين بالدور الذي يبدأ من الطرف الأيمن". 

من الأولويات 

خلال السنوات السابقة شهدت المتة ارتفاعا كبيرا في سعرها، كما فُقدت لفترات من الأسواق السورية، وعند عودتها اصطف الناس في طوابير للحصول عليها، واتجهوا لتخزينها بكميات كبيرة كي لا ينقطعوا عن شربها. 

وفي عام ٢٠٢٣ وضعت وزارة التجارة التابعة لحكومة النظام السوري، المتة، على البطاقة الذكية.  

تقول منى  عليان (29 عاما) من مدينة طرطوس: "المتة رفيقتنا في اجتماعاتنا، وهي  مشروب اجتماعي بامتياز، ولازَمَتنا في سوريا ولم نتخلّ عنها رغم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، لأننا نعتبرها من الأولويات التي لا يمكن الاستغناء عنها".

"وحين انتشرت إشاعات عن إمكانية انقطاعها، أصيب بعض الناس بالهلع، واصطفت عائلات بأكملها للحصول على حصتها من المتة"، تضيف منى لـ"ارفع صوتك".

سحر، عاملة في مؤسسة "مياه حلب"، تؤكد لنا "لا أستطيع بدء يومي دون كأس من المتّة، أعددت عدة خاصة للعمل وأخرى للمنزل. وهي تمدني بالنشاط والحيوية". 

من جانبه، يقول علي حيدر، وهو بائع لشركة توزيع المتة في اللاذقية، إن الإقبال على المتة كبير جدًا "فالناس يحبونها ويستهلكونها يوميا، ما يجعل الطلب عليها مستمرا على مدار العام، أما الأصناف الأكثر رواجاً فهي متة الخارطة وبيبوري التي تستورد من الأرجنتين وتُعبأ في معمل يبرود في ريف دمشق، ويفضلها الناس بسبب طعمها الثقيل وسعرها المناسب".  

ما فوائدها؟

يُستخلص مشروب المتة من أوراق نبات ليربا ماتي، وهو نبات مشهور في الأرجنتين والأوروغواي والبرازيل وباراغواي، ويمتاز بطعمه الفريد وخصائصه المنشطة.

يقول طبيب الأعشاب سامر كرامة إن المتّة "من مشروبات الطاقة والتنبيه، وتحتوي على مضادات الأكسدة والكافايين الطبيعي، وتساعد على تعزيز التركيز، كما تحتوي على الفيتامينات والمعادن المفيدة لصحة القلب والجهاز الهضمي". 

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن "مشروب المتّة يفيد في خسارة الوزن، وإذابة دهون البطن، وخفض نسبة السكر في الدم. كما أنه مدر للبول، ومليّن للمعدة والأمعاء، ويساهم في علاج عسر الهضم، والتخفيف من حدة الصداع". 

بسبب الشعبية الكبيرة لمشروب المتة، أصبحت سوريا واحدة من أكبر مستوردي المتة في العالم، حيث تستوردها بكميات كبيرة سنويًا من الأرجنتين لتلبية الطلب المحلي المتزايد.

ووفق بيانات  المعهد الوطني لليرباماتي (INYM) الأرجنتيني، فإن سوريا تعتبر من أكبر مستهلكي المتة في الشرق الأوسط. في عام 2018 حققت الصادرات  نسبة قياسية مع تصدير 43 مليون كيلوغرام من المتة. 

وقال المعهد إنه من المثير للدهشة أن أحد الأسباب الرئيسية لزيادة الصادرات الأرجنتينية هو سوريا، وهي أكبر مستورد أجنبي للمتّة في العالم. 

وأظهرت البيانات أن دول الشرق الأوسط مثل سوريا ولبنان تمثل في المجمل 75 بالمئة من صادرات ليربا ماتي الأرجنتينية، تليهما جمهورية التشيلي التي تعتبر ثاني أكبر وجهة تصدير.