منذ أشهر يحتج عاملون في قطاع التعليم بمحافظات سورية تسيطر عليها قِوى المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). معلمون وعاملون في سلك التعليم، أضربوا عن الدوام احتجاجاً على "تردي قطاع التعليم والرواتب". آخر الاحتجاجات كانت في مدينة إعزاز، شمال غربي حلب.
تظاهر معلمو إعزاز أمام مديرية التربية، وتوسع احتجاجهم إلى المخيمات القريبة، بناء على دعوة وجّهتها "نقابة المعلمين السوريين الأحرار"، للتنديد بتدهور قطاع التعليم وارتفاع نسبة استقالاتهم.
وتخضع مناطق سيطرة "الجيش الوطني السوري" سياسياً للحكومة السورية المؤقتة، المُنبثقة عن الائتلاف السوري المُعارض، فيما تتبع مدينة إعزاز لمنطقة "درع الفرات" التي سيطر عليها "الجيش الوطني السوري" بدعم عسكري تركي، بعد طرد تنظيم "داعش" من عدة مناطق شرق وشمال حلب صيف 2016.
وقالت النقابة، في بيان، إن "هناك تدهوراً في قطاع التعليم، تدل عليه مؤشرات كثيرة أهمها الاستقالات الكثيرة للمعلمين".
وأضافت: "المعلمون على دراية أن المنحة المالية المخصصة لهم تبلغ 300 يورو، ضمن برامج الدعم المقدم من قبل المانحين لقطاع التعليم، بينما يتقاضى المعلم منحة بقيمة 1925 ليرة تركية أي ما يعادل 50 يورو تقريباً".
واستنكرت النقابة "الغياب التام لغالبية مديريات التربية عن المشهد التعليمي، واقتصار عملها على جمع البيانات فقط، وتلقي الأوامر من قبل المنسّقين الأتراك".
يقول معلم الرياضيات عبد العزيز الحسين (46 عاماً) ويّدرّس في مدرسة (بدر)، إن "الرواتب التي يتقاضاها المعلّمون في مناطق إدارة الحكومة السورية المؤقتة، قليلة جداً بالمقارنة مع التردّي المعيشي والارتفاع الكبير بالأسعار، ما دفعنا إلى الاحتجاج والإضراب عن العمل خلال السنوات السابقة، دون وجود حلّ منصف".
ويبين لـ"ارفع صوتك": "على الرغم من الأهمية الحسّاسة والكبيرة لقطاع التعليم في منطقة تشقّ طريقها نحو الاستقرار والتنمية، يعاني المعلمون من تجاهل تامّ لمطالبهم، وعلى رأسها تقاضي راتب شهري يناسب جهودهم ويحفظ كرامتهم".
ويضيف الحسين أن "بعض المعلّمين قدموا استقالاتهم وتركوا مهنة التدريس، بعد يأسهم من تحقيق مطالبهم خلال السنوات الماضية. قسم منهم اتجه للأعمال الحرّة، وآخر إلى للعمل في القطاع الزراعي. هذه الأعمال تؤمّن لهم مورداً مالياً أفضل بكثير من مهنة التعليم، وتحفظ حقوقهم وكرامتهم التي لم يشفع لها مقام المعلّم".
مطالب المعلمين
يوضح إبراهيم قديراني، وهو مدرّس وعضو في نقابة المعلمين- فرع حلب، أن "المطالب تتلخص في تحسين الوضع المعيشي، ومركزية القرار، وتعديل المناهج بما يواكب مقتضى الحال، وإنشاء جهة مراقبة (دائرة تفتيش)، وإنشاء دائرة امتحان موحّدة تشرف على وضع أسئلة الشهادة الثانوية وتكون عامة في جميع المناطق".
ويعود ملف مطالب المعلمين في الشمال السوري إلى سنة 2018، عندما كان المدرّس يتقاضى ما يعادل 150 دولاراً في الشهر، لكن مع انخفاض قيمة الليرة التركية أصبح الراتب يعادل 60 دولاراً فقط (1920 ليرة تركية)، وهذا لا يكفي لسدّ متطلبات الحياة الأساسية.
حول جهود السلطات القائمة، يقول قديراني، لـ"ارفع صوتك": "السلطات المحلية لا حول لها ولا قوة، وكل ما يمكنها عمله رفع المقترحات للجهة المشرفة".
يركز الأستاذ مفيد عرنوس على دمج اللعب بالعملية التعليمية، سعياً منه لتمكين الطلاب من فهم الدروس وزيادة الحماس لديهم نحو التعليم. ما رأيكم؟
Posted by Irfaa Sawtak - ارفع صوتك on Friday, October 27, 2023
ويصف وضع التعليم بأنه "كارثي" لأن "المنظمات التي تدعم قطاع التعليم، لا يمكنها تغطية جميع المدارس، ولا يُسمح لها بتقديم راتب أكثر من راتب مديرية التربية، لأنها تكشف عورتهم"، على حد قوله.
ويضيف: "ما لم تُحل المشاكل التي تتعرض لها المنظومة التعليمية، فنحن ذاهبون لمزيد من التجهيل وتهميش التعليم وجعل العملية التعليمية شكلية".
يتفق معه عضو مجلس فرع حلب لـ"نقابة المعلمين السوريين الأحرار"، عمر ليلى، الذي يشدد على ضرورة أن "يكون راتب المعلمين بما يعادل 300 دولار، حتى يكون قادراً على الاستمرار في مهنته".
ويبيّن لـ"ارفع صوتك"، أن "النقابة تسعى جاهدة لنقل مطالب المعلمين للمعنيين، وتبنّي هذه المطالب والعمل على تحقيقها بشتى الوسائل والطرق، فالوضع التعليمي الحالي يُنذر بكارثة إن لم تكن هناك استجابة فورية وعاجلة لحلّ أوضاع نحو 15 ألف معلم، في مدارس من جنديرس بريف عفرين غرباً، إلى جرابلس شرقاً".
في السياق، يقول الناشط المدني في ريف حلب الشمالي، معتز الناصر، إن "إهمال مطالب المعلمين لم يتوقف على بقاء الأوضاع على ما هي عليه دون اتخاذ إجراءات فعّالة، إنما تعدّاه إلى استجابة عنيفة للسلطات بشكل غير مبرّر أو مفهوم، وصلت حدّ مهاجمة خيم الاعتصام السلمية للمعلمين، وتهديد قسم منهم بالفصل والاعتقال التعسفي خارج القانون".
ويضيف لـ"ارفع صوتك": أن "أسباب احتجاجات المعلمين باختصار شديد، تكمن بسبب انتهاك حقوقهم من قبل سلطات الأمر الواقع، ومن خلفها الإدارة التركية لشمال حلب".
ماذا تقول وزارة التربية والتعليم؟
حاول مراسل "ارفع صوتك" التواصل مع مسؤولين في وزارة التربية التابعة للحكومة المؤقتة، إلا أنه لم يتلق أي استجابة.
في الوقت ذاته، قال مسؤول محلي في قطاع التربية (رفض الكشف عن هويته لأنه غير مخوّل بالحديث لوسائل الإعلام)، إن "الاحتجاجات تحدث تحت عناوين محقّة ومطالب مشروعة، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المعلمون".
ويؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن "الحل ليس لدى مديرية التربية أو حتى وزارة التربية، لأنه ليس خاصاً بالمعلمين، فهناك شرائح أخرى من المجتمع تعاني نفس المعاناة كالجيش والشرطة والعاملين في الأوقاف وجميع الموظفين الرسميين بما فيهم العاملون في مديريات التربية".
وعن الاحتجاجات الأخيرة، يقول إن "مديرية التربية جهزت ملفاً كاملاً بخصوص الواقع التعليمي، ورفعته إلى أعلى المستويات المسؤولة في تركيا. لاقينا استجابة في بعض المقترحات التي تهدف إلى ترتيب وضع التعليم، أما بالنسبة للاستجابة المادية فطفيفة وبسيطة".
ويتوقع أن "زيادة جديدة ستطرأ على الأجور ويمكن أن ترتفع من 1900 إلى 2800 ليرة تركية تقريباً، أي بما يعادل 90 إلى 95 دولاراً، وقد يكون ذلك مطلع عام 2024".
