مواطنون سوريون في أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- تعبيرية
مواطنون سوريون في أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- تعبيرية

حصلت السورية يمنى (٢٤ عاما)، من مدينة دمشق، على عرض عمل "ممتاز" من إحدى المنظمات الدولية المعروفة، تقول إنه شمل "راتباً مرتفعاً وحوافز سكن وبدلات نقل، وبدلات إنتاجية"، ليتبيّن لاحقاً أنها وقعت ضحية عملية احتيال.

تروي لـ"ارفع صوتك": "تحمست جداً وبدأت بتجهيز الأوراق المطلوبة، وكان أهلي بنفس سعادتي، إلا أبي فقد كان قلقاً ويطلب مني التروّي والتأكد. وبعد إرسالي جميع المستندات، طُلب مني مبلغاً من المال لاستكمال الملف، فكانت الصدمة الأولى".

حينذاك، استشار والد يمنى، صديقه المحامي المقيم في الإمارات، المتخصص بجرائم المعلوماتية، الذي اكتشف أن هناك فرقاً ببضعة أحرف في البريد الإلكتروني للمنظمة، فراسل بدوره مكتبها الرئيس في العاصمة الألمانية برلين، فأكدوا له أن عروض العمل تلك "وهمية"، ويجب ألا يتم إرسال أية معلومات أو أموال للجهة صاحبة العرض.

تقول يمنى إن "المحامي أخبرها بوجود أشخاص آخرين تعرضوا للاحتيال، وأرسلوا بالفعل الأموال للجهات التي قدمت لهم عروض العمل الوهمية، كما أكد لها أن هناك العديد من الفتيات اللواتي سافرن إلى خارج أملاً في العمل، ليقعن ضحية شبكات دعارة واتجار بالبشر".

تعاني سوريا من هجرة كبيرة للأطباء والطواقم الطبية بسبب تدني الرواتب والأزمة الاقتصادية- صورة تعبيرية
"خداع وابتزاز".. معاناة أطباء سوريين هاجروا للعمل في العراق
لم يكن الطبيب السوري إبراهيم، البالغ من العمر 43 عاما يتوقع أن ينتهي الأمر به في العراق مهددا بالترحيل في أي لحظة، وهو الذي غادر سوريا منتصف العام الحالي بهدف البحث عن فرصة أفضل له ولعائلته، نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة وانهيار العملة السورية وتضاؤل الرواتب.

الجرائم الإلكترونية في مناطق النظام 

تعقيباً على ما سبق، يؤكد المحامي السوري سليمان القرفان، "صعوبة رصد هذه الظاهرة بشكل دقيق"، والسبب كما يقول لـ"ارفع صوتك" هو "فساد أجهزة النظام الأمنية".

"ولكن من خلال المتابعة، تبين أنها ظاهرة منتشرة على نطاق واسع في مناطق النظام، ومناطق تمركز ميليشياته في المدن الكبرى، مثل دمشق وحلب واللاذقية وطرطوس وحمص، حيث تعمل شبكات ابتزاز إلكتروني، وشبكات اتجار بالمخدرات ودعارة، بالإضافة إلى شبكات ابتزاز ذوي المعتقلين"، يستدرك القرفان.

ويشير إلى قانون رقم 20 لسنة 2022 الخاص بالجريمة الإلكترونية، الساري في مناطق النظام السوري، حيث نصت المادة (19) منه على عقوبة جريمة الاحتيال المعلوماتي: "يُعاقب بالسَّجن المؤقت من ثلاث إلى خمس سنوات وغرامة من ثلاثة ملايين إلى خمسة ملايين ليرة سورية، كل من استخدم وسائل تقانة المعلومات للاستيلاء احتيالاً على معلومات أو برمجيات أو مال منقول أو عقار أو سند يتضمن تعهداً أو إبراءً أو أي امتياز مالي آخر مملوكاً أو عائداً للغير عن طريق الشبكة".

كما تُشدد العقوبة لتصبح "السَّجن المؤقت من خمس إلى سبع سنوات وغرامة من خمسة ملايين ليرة سورية إلى سبعة ملايين، إذا وقع الاحتيال على جهة عامة، أو مصرف، أو مؤسسة مالية مشتركة، أو خاصة".

استغلال لحاجة الناس

سمر مهنا (28 عاماً) ضحية عملية احتيال أخرى، تقول لـ"ارفع صوتك"، إن "مرتكبي هذه الجرائم قادرون على الإفلات من العقاب، وفي حال قُبض على أي منهم فالعقوبة غير رادعة".

وتتحدث لنا عن قصص عديدة لجيران أو أصدقاء أو أقارب تعرضوا للاحتيال أيضاً، مضيئة على قصتها الشخصية بالقول: "رأيتُ إعلانا لمنظمة دولية يبدو رسمياً ويحمل إيميل المنظمة واللوغو (الشعار) الخاص بها، وبعض التفاصيل التي وجدتُها صحيحة، فأرسلت الطلب وقُبلت لشغل الوظيفة، مقابل راتب كبير".

"تواصلوا معي من رقم دولي، وطُلب مني دفع 50 دولاراً عبر أحد مكاتب الصرافة، وبعد الدفع لم أتلق أية إجابة عبر الإيميل أو الهاتف"، تضيف سمر. 

لم تُبلغ مهنا السلطات الأمنية، وتقول إنها "حوّلت المبلغ المالي عن طريق جهة غير مرخصة، ما يُعرّضها للمساءلة".

تتابع: "من المهم جدا أن نعرف وندقق ونتأكد، لأن الحاجة الماسة والحماس الزائد يوقعنا في فخ المحتالين. هذه الشبكات تنشط في دمشق مستغلةً الوضع الاقتصادي السيء للمواطنين، فتسلب منهم أموالهم وأحلامهم، بالتالي لو طلبوا منك 50 أو 100 دولار ستدفعها بسرور لأنك وُعدت براتب بآلاف الدولارات".

في ما يتعلق بالتبليغ، يبين المحامي سليمان القرفان، أن "القانون السوري (مناطق النظام) حددّ إجراءات إقامة الدعوى وفقا للمادة (40) من القانون الخاص بالجريمة الإلكترونية".

 

وتنص المادة: "للنيابة العامة سلطتها التقديرية في إقامة دعوى الحق العام ما لم تكن إقامتها مقيدة أساساً في التشريعات، والمتضرر يمكنه رفع الدعوى بالطرق المنصوص عنها في قانون أصول المحاكمات الجزائيّة، عملا بالمادة 45 من قانون الجريمة الإلكترونية التي تنص على، أ): في كل ما لم يرد عليه نص في الأحكام الموضوعية والإجرائية الواردة في هذا القانون يطبق قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية. ب): في معرض تطبيق أحكام هذا القانون وقانون أصول المحاكمات الجزائية، تنزل المعلومات والبرمجيات منزلة الأشياء المنقولة".

من ناحية أخرى، ترى الأخصائية الاجتماعية منال بركات، أن "وقوع الناس ضحايا لشبكات توظيف الوهمية، يعود لعوامل نفسية واجتماعية عديدة".

تشرح لـ"ارفع صوتك": "الأشخاص الذين يعانون من ضغوط اقتصادية كبيرة أو يعيشون في بلدان تشهد أزمات، يكونوا أكثر عرضة للوقوع بفخ شبكات الاحتيال، ويميلون لتصديق أي فرصة تبدو واعدة بتحسين ظروف حياتهم".

وتضيف: "يلعب نقص المهارات التكنولوجية وعدم الوعي بأساليب الاحتيال التي تقوم الشبكات بتطويرها بشكل دائم، دوراً في ذلك، إضافة إلى ميل العديد منهم للثقة بالآخرين".

ومن قلب عمليات الاحتيال، التقى "ارفع صوتك" بإحدى الموظفات السابقات في شركة "توظيف" وهمية، تقول تغريد (43 عاما) التي فضلت عدم ذكر كنيتها، إنها "كانت تستقبل طلبات الراغبين بالتوظيف مع وعود بتوظيفهم في دول الخليج، خاصة الإمارات، وفي العراق وبعض دول أوروبا".

وتوضح: "كنا نأخذ رسوما على كل طلب، وكانت رسوم أوروبا مرتفعة أكثر من الخليج، وأكثر من التوظيف الداخلي. وكنا نطلب مستندات ووثائق وصوراً شخصية. وحين مضى أكثر من أسبوعين (حوالي 20 يوماً) اكتشفت أن أحداً لن يوظف هؤلاء المتقدمين، وأن الأمر برمته عبارة عن نصب".

"لم أكن أعرف ماذا أفعل، لكنني بدأت أطالب براتبي فلم أحصل عليه، بعدها بيومين اختفى صاحب العمل وأغلق المكتب وفرّ المدير"، تضيف تغريد، مؤكدةً أنها "ضحية كالآخرين" لكنها لم تُبلغ أي جهة أمنية كي لا يتم اعتبارها شريكة بالجريمة.

تلميذ سوري في أحد الصفوف المدرسية المتهالكة، في ريف إعزاز- تعبيرية
"لجأوا للأعمال الحرة".. معلمون في شمال سوريا يستقيلون بسبب تدني الرواتب
في الأشهر القليلة الماضية، شهدت العديد من المحافظات السورية الواقعة تحت سيطرة قوى المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إضرابات لمعلمّي المدارس وموظفين آخرين في سلك التعليم، احتجاجاً على الواقع المتردّي للعملية التعليمية، وتدنّي الرواتب، كان أحدثها في مدينة إعزاز، شمال غربي حلب.

منظمات دولية: رد فعل

في السياق ذاته، يؤكد هاشم. ع، وهو مسؤول في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، (طلب عدم ذكر كنيته لأنه غير مخوّل بالتصريح): "تردنا العديد من الشكاوى والاستفسارات بخصوص عروض عمل منشورة باسم المنظمة، وهناك تحذير على موقعنا الإلكتروني من التعرض للنصب، وتنبيه وتأكيد أن المنظمة لا تطلب أموالاً ولا تتقاضى أي مبالغ مقابل التوظيف، لكن المحتالين يبتكرون أساليب جديدة ويجب على الناس التحلّي بالوعي الكبير".

وحديثاً، نشرت صحيفة "الوطن" الموالية للنظام، تقريرا حول "شبكات احتيال تنتحل هويات منظمات محلية ودولية، تتوجه بعروض عمل إلى فتيات بأعمار محددة، ويستخدم أصحابها أساليب عدة لكسب ثقة الضحية، مستغلين أحلام الشباب وظروفهم الاقتصادية".

ونقلت عن مديرة قسم التواصل والإعلام في "الهلال الأحمر" السوري، رهف عبود، تأكيدها "وجود إعلانات توظيف وهمية تنتحل صفة المنظمة، منتشرة بشكل كبير".

كذلك الأمر بالنسبة لمنظمة "اليونيسف" الأممية، التي حذرت عبر موقعها الرسمي، من عروض العمل الوهمية المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي، وتطلب دفع رسوم أو معلومات شخصية أو مصرفية.

وقالت: "قد تبدو مثل هذه المراسلات الاحتيالية كما لو كانت مشروعة، فقد تحمل شعار اليونيسف، وتظهر كأنها صادرة عن عنوان بريد إلكتروني أو موقع ويب يبدو رسمياً، أو قد تُرسَل من قبل أفراد يزعمون أنهم يمثلون اليونيسف أو من كيان يتضمن كلمة اليونيسف في اسمه. تضلّل هذه المخططات الاحتيالية الأفراد بغرض انتزاع الأموال و/ أو المعلومات الشخصية".

يعوضهم بالمتقاعدين.. النظام السوري يعاني هجرة الشباب للوظيفة
شهدت سوريا بين 2011 و2018 شهدت موجات هجرة كبيرة لأسباب أمنية وعسكرية، غير أن مسار الهجرة من سوريا لم يتوقف مع ثبوت الخرائط العسكرية بشكل نسبي بعد عام 2020، لكن الأسباب اتخذت مسارات مختلفة، تتعلق هذه المرة بالوضع الاقتصادي الخانق، الذي تفاقم مع بدء حزمات العقوبات الأميركية بموجب قانون "قيصر"، وتردّي الأوضاع المعيشية والخدمية إلى مستويات أقرب للمجاعة.

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.