حصلت السورية يمنى (٢٤ عاما)، من مدينة دمشق، على عرض عمل "ممتاز" من إحدى المنظمات الدولية المعروفة، تقول إنه شمل "راتباً مرتفعاً وحوافز سكن وبدلات نقل، وبدلات إنتاجية"، ليتبيّن لاحقاً أنها وقعت ضحية عملية احتيال.
تروي لـ"ارفع صوتك": "تحمست جداً وبدأت بتجهيز الأوراق المطلوبة، وكان أهلي بنفس سعادتي، إلا أبي فقد كان قلقاً ويطلب مني التروّي والتأكد. وبعد إرسالي جميع المستندات، طُلب مني مبلغاً من المال لاستكمال الملف، فكانت الصدمة الأولى".
حينذاك، استشار والد يمنى، صديقه المحامي المقيم في الإمارات، المتخصص بجرائم المعلوماتية، الذي اكتشف أن هناك فرقاً ببضعة أحرف في البريد الإلكتروني للمنظمة، فراسل بدوره مكتبها الرئيس في العاصمة الألمانية برلين، فأكدوا له أن عروض العمل تلك "وهمية"، ويجب ألا يتم إرسال أية معلومات أو أموال للجهة صاحبة العرض.
تقول يمنى إن "المحامي أخبرها بوجود أشخاص آخرين تعرضوا للاحتيال، وأرسلوا بالفعل الأموال للجهات التي قدمت لهم عروض العمل الوهمية، كما أكد لها أن هناك العديد من الفتيات اللواتي سافرن إلى خارج أملاً في العمل، ليقعن ضحية شبكات دعارة واتجار بالبشر".
الجرائم الإلكترونية في مناطق النظام
تعقيباً على ما سبق، يؤكد المحامي السوري سليمان القرفان، "صعوبة رصد هذه الظاهرة بشكل دقيق"، والسبب كما يقول لـ"ارفع صوتك" هو "فساد أجهزة النظام الأمنية".
"ولكن من خلال المتابعة، تبين أنها ظاهرة منتشرة على نطاق واسع في مناطق النظام، ومناطق تمركز ميليشياته في المدن الكبرى، مثل دمشق وحلب واللاذقية وطرطوس وحمص، حيث تعمل شبكات ابتزاز إلكتروني، وشبكات اتجار بالمخدرات ودعارة، بالإضافة إلى شبكات ابتزاز ذوي المعتقلين"، يستدرك القرفان.
ويشير إلى قانون رقم 20 لسنة 2022 الخاص بالجريمة الإلكترونية، الساري في مناطق النظام السوري، حيث نصت المادة (19) منه على عقوبة جريمة الاحتيال المعلوماتي: "يُعاقب بالسَّجن المؤقت من ثلاث إلى خمس سنوات وغرامة من ثلاثة ملايين إلى خمسة ملايين ليرة سورية، كل من استخدم وسائل تقانة المعلومات للاستيلاء احتيالاً على معلومات أو برمجيات أو مال منقول أو عقار أو سند يتضمن تعهداً أو إبراءً أو أي امتياز مالي آخر مملوكاً أو عائداً للغير عن طريق الشبكة".
كما تُشدد العقوبة لتصبح "السَّجن المؤقت من خمس إلى سبع سنوات وغرامة من خمسة ملايين ليرة سورية إلى سبعة ملايين، إذا وقع الاحتيال على جهة عامة، أو مصرف، أو مؤسسة مالية مشتركة، أو خاصة".
يبحث شباب سوريا الذين بدأوا يجدون صعوبات في الوصول إلى أوربا أو الإقامة في تركيا، عن وجهة جديدة يشدون الرحال إليها للبحث عن حياة بعيدة عن تلك التي يعيشونها.
استغلال لحاجة الناس
سمر مهنا (28 عاماً) ضحية عملية احتيال أخرى، تقول لـ"ارفع صوتك"، إن "مرتكبي هذه الجرائم قادرون على الإفلات من العقاب، وفي حال قُبض على أي منهم فالعقوبة غير رادعة".
وتتحدث لنا عن قصص عديدة لجيران أو أصدقاء أو أقارب تعرضوا للاحتيال أيضاً، مضيئة على قصتها الشخصية بالقول: "رأيتُ إعلانا لمنظمة دولية يبدو رسمياً ويحمل إيميل المنظمة واللوغو (الشعار) الخاص بها، وبعض التفاصيل التي وجدتُها صحيحة، فأرسلت الطلب وقُبلت لشغل الوظيفة، مقابل راتب كبير".
"تواصلوا معي من رقم دولي، وطُلب مني دفع 50 دولاراً عبر أحد مكاتب الصرافة، وبعد الدفع لم أتلق أية إجابة عبر الإيميل أو الهاتف"، تضيف سمر.
لم تُبلغ مهنا السلطات الأمنية، وتقول إنها "حوّلت المبلغ المالي عن طريق جهة غير مرخصة، ما يُعرّضها للمساءلة".
تتابع: "من المهم جدا أن نعرف وندقق ونتأكد، لأن الحاجة الماسة والحماس الزائد يوقعنا في فخ المحتالين. هذه الشبكات تنشط في دمشق مستغلةً الوضع الاقتصادي السيء للمواطنين، فتسلب منهم أموالهم وأحلامهم، بالتالي لو طلبوا منك 50 أو 100 دولار ستدفعها بسرور لأنك وُعدت براتب بآلاف الدولارات".
يبحث شباب سوريا الذين بدأوا يجدون صعوبات في الوصول إلى أوربا أو الإقامة في تركيا، عن وجهة جديدة يشدون الرحال إليها للبحث عن حياة بعيدة عن تلك التي يعيشونها.
في ما يتعلق بالتبليغ، يبين المحامي سليمان القرفان، أن "القانون السوري (مناطق النظام) حددّ إجراءات إقامة الدعوى وفقا للمادة (40) من القانون الخاص بالجريمة الإلكترونية".
وتنص المادة: "للنيابة العامة سلطتها التقديرية في إقامة دعوى الحق العام ما لم تكن إقامتها مقيدة أساساً في التشريعات، والمتضرر يمكنه رفع الدعوى بالطرق المنصوص عنها في قانون أصول المحاكمات الجزائيّة، عملا بالمادة 45 من قانون الجريمة الإلكترونية التي تنص على، أ): في كل ما لم يرد عليه نص في الأحكام الموضوعية والإجرائية الواردة في هذا القانون يطبق قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية. ب): في معرض تطبيق أحكام هذا القانون وقانون أصول المحاكمات الجزائية، تنزل المعلومات والبرمجيات منزلة الأشياء المنقولة".
من ناحية أخرى، ترى الأخصائية الاجتماعية منال بركات، أن "وقوع الناس ضحايا لشبكات توظيف الوهمية، يعود لعوامل نفسية واجتماعية عديدة".
تشرح لـ"ارفع صوتك": "الأشخاص الذين يعانون من ضغوط اقتصادية كبيرة أو يعيشون في بلدان تشهد أزمات، يكونوا أكثر عرضة للوقوع بفخ شبكات الاحتيال، ويميلون لتصديق أي فرصة تبدو واعدة بتحسين ظروف حياتهم".
وتضيف: "يلعب نقص المهارات التكنولوجية وعدم الوعي بأساليب الاحتيال التي تقوم الشبكات بتطويرها بشكل دائم، دوراً في ذلك، إضافة إلى ميل العديد منهم للثقة بالآخرين".
ومن قلب عمليات الاحتيال، التقى "ارفع صوتك" بإحدى الموظفات السابقات في شركة "توظيف" وهمية، تقول تغريد (43 عاما) التي فضلت عدم ذكر كنيتها، إنها "كانت تستقبل طلبات الراغبين بالتوظيف مع وعود بتوظيفهم في دول الخليج، خاصة الإمارات، وفي العراق وبعض دول أوروبا".
وتوضح: "كنا نأخذ رسوما على كل طلب، وكانت رسوم أوروبا مرتفعة أكثر من الخليج، وأكثر من التوظيف الداخلي. وكنا نطلب مستندات ووثائق وصوراً شخصية. وحين مضى أكثر من أسبوعين (حوالي 20 يوماً) اكتشفت أن أحداً لن يوظف هؤلاء المتقدمين، وأن الأمر برمته عبارة عن نصب".
"لم أكن أعرف ماذا أفعل، لكنني بدأت أطالب براتبي فلم أحصل عليه، بعدها بيومين اختفى صاحب العمل وأغلق المكتب وفرّ المدير"، تضيف تغريد، مؤكدةً أنها "ضحية كالآخرين" لكنها لم تُبلغ أي جهة أمنية كي لا يتم اعتبارها شريكة بالجريمة.
منظمات دولية: رد فعل
في السياق ذاته، يؤكد هاشم. ع، وهو مسؤول في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، (طلب عدم ذكر كنيته لأنه غير مخوّل بالتصريح): "تردنا العديد من الشكاوى والاستفسارات بخصوص عروض عمل منشورة باسم المنظمة، وهناك تحذير على موقعنا الإلكتروني من التعرض للنصب، وتنبيه وتأكيد أن المنظمة لا تطلب أموالاً ولا تتقاضى أي مبالغ مقابل التوظيف، لكن المحتالين يبتكرون أساليب جديدة ويجب على الناس التحلّي بالوعي الكبير".
وحديثاً، نشرت صحيفة "الوطن" الموالية للنظام، تقريرا حول "شبكات احتيال تنتحل هويات منظمات محلية ودولية، تتوجه بعروض عمل إلى فتيات بأعمار محددة، ويستخدم أصحابها أساليب عدة لكسب ثقة الضحية، مستغلين أحلام الشباب وظروفهم الاقتصادية".
ونقلت عن مديرة قسم التواصل والإعلام في "الهلال الأحمر" السوري، رهف عبود، تأكيدها "وجود إعلانات توظيف وهمية تنتحل صفة المنظمة، منتشرة بشكل كبير".
كذلك الأمر بالنسبة لمنظمة "اليونيسف" الأممية، التي حذرت عبر موقعها الرسمي، من عروض العمل الوهمية المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي، وتطلب دفع رسوم أو معلومات شخصية أو مصرفية.
وقالت: "قد تبدو مثل هذه المراسلات الاحتيالية كما لو كانت مشروعة، فقد تحمل شعار اليونيسف، وتظهر كأنها صادرة عن عنوان بريد إلكتروني أو موقع ويب يبدو رسمياً، أو قد تُرسَل من قبل أفراد يزعمون أنهم يمثلون اليونيسف أو من كيان يتضمن كلمة اليونيسف في اسمه. تضلّل هذه المخططات الاحتيالية الأفراد بغرض انتزاع الأموال و/ أو المعلومات الشخصية".
