بعد أشهر من المناقشات والمُداولات، اعتمدت الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا، تعديلات على نمط حكمها للأقاليم التي تتبعها، تحت اسم "العقد الاجتماعي الجديد".
ونصّ العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية، التي تُعدّ الواجهة المدنية لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، على تغيير اسمها إلى "الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرقي سوريا"، مع إعلان "سوريا جمهورية ديمقراطية"، وتوحيد الأقاليم السبعة الواقعة تحت سيطرتها ضمن قوانين إدارة واحدة.
وتقع الأقاليم السبعة ضمن 4 محافظات سورية، هي: الرقة والحسكة ودير الزور وحلب، معظمها في منطقة شرق الفرات.
وجاء في نص مقدّمة العقد: "نحن بنات و أبناء شمال وشرق سوريا"، بدلاً من استخدام عبارة "الشعب السوري" الشائعة، مع الإعلان عن استحداث مؤسّسات جديدة مثل "محكمة حماية العقد الاجتماعي".
وعُدلت تسمية "المجلس العام" إلى "مجلس شعوب شمال وشرق سوريا"، كما ستُستحدث بعض المؤسسات كـ"مؤسسة الرقابة"، التي ستتبع لـ"مجلس الشعوب"، بدلاً عن المجلس التنفيذي، ومجلس الجامعات.
وأشار المجلس العام إلى أن "العقد الاجتماعي الجديد يُعدّ نافذاً في الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، اعتباراً من تاريخ المصادقة عليه في 12 ديسمبر الجاري".
العقد الاجتماعي: العقد المبرم بشكل فعلي أو افتراضي بين طرفين؛ كالحكومة والشعب، أو الحاكم والمحكوم، بحيث تحدّد بموجبه الحقوق الخاصة بكل فئة والواجبات المفروضة عليها. (موضوع)
تعليقاً على هذا الإعلان، يرى السياسي والباحث السوري الكردي، علي تمي، أن "الولايات المتحدة الأميركية، تدعم (قسد) ومن خلفها إسرائيل التي تحاول خلق غزة ثانية في منطقة شرق الفرات، في محاولة لإيجاد توازن في القوة على الأرض. بمعنى آخر، لإيجاد ورقة ضاغطة ضد دول الخليج وإيران وتركيا، بالتالي خلق واقع جديد شبيه بدُويلة مستقلة كاملة الأركان في شمال شرق سوريا".
ويربط في حديثه لـ"ارفع صوتك"، بين "انتفاضة العشائر" التي بدأت في دير الزور نهايات أغسطس الماضي ضد (قسد)، وإعلان العقد الاجتماعي الجديد للإدارة الذاتية حديثاً.
ويقول إن "التحالف الدولي تدخّل بشكل مباشرة لإيقاف الانتفاضة، بعد صفقة أبرمتها (قسد) على حساب العشائر، ستقوم بموجبها بمحاربة الميليشيات الإيرانية على الحدود العراقية وداخل سوريا مقابل حماية الطيران الإسرائيلي لها، وشرط قسد الأول كان وقف تمدّد العشائر وإنهاء حالة التمرد ضدها".
ويعتقد تمي، أن "توقيت إعلان العقد الاجتماعي مرتبط كذلك بتطمينات حصلت عليها (قسد) من واشنطن، مفادها أن القوات الأميركية باقية في سوريا والعراق عسكرياً في السنوات العشر المقبلة على الأقل، وهذا يعني أن شروط نجاح العقد الاجتماعي الجديد متوفرة لدى الإدارة الذاتية، وهي الاقتصاد، النفط والغاز، والقوة العسكرية، 80 ألف عنصر، بالإضافة إلى الدعم الدولي المفتوح".
رسائل العقد الاجتماعي
يقول أستاذ الفلسفة والسياسة في جامعة باريس، رامي الخليفة العلي، إن "هناك رسالتين من العقد الاجتماعي المُعلَن، الأولى تتعلق بتكريس سلطة الأمر الواقع في منطقة شمال شرق سوريا، بينما تتوجه الثانية للعالم الغربي، تعبيراً عن مساعي الإدارة الذاتية لتلافي إشكاليات وشكاوى صدرت حتى عن شخصيات كردية في المنطقة، إضافة إلى انتفاضة العشائر التي كانت انعكاساً مباشراً لتلك الأخطاء".
وحول منحى "الحكم الفيدرالي" الذي انطوت عليه صيغة العقد الاجتماعي الجديد، يوضح العلي لـ"ارفع صوتك": "من المستبعد نجاح تجربة الحكم الفيدرالي في شمال شرق سوريا عبر استلهام نموذج الحكم في إقليم شمال العراق، لاختلاف طبيعة الظروف والتكوين الديمغرافي بين المنطقتين".
ويرى أن "جميع الأطراف في سوريا، بما فيها النظام السوري و(قسد) والمعارضة، مجرد بيادق في أيدي أطراف وقوى خارجية. بالتالي لا يمكن لأي منها اتخاذ قرارات جوهرية في ما يخص مستقبل سوريا أو شكل الحكم في منطقة منها".
على العكس من رأيه، يقول مدير مؤسسة "كورد بلا حدود"، كادار بيري، إن "العقد الاجتماعي الجديد نجم عن دراسة استمرت شهوراً، وهو غير مرتبط نهائياً بالحراك العشائري في دير الزور"، رافضاً وصفه بـ"الانتفاضة".
ويؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن "الإدارة الذاتية سعت من خلال هذا العقد إلى تلافي وتدارك أخطاء سابقة جاءت بشكل طبيعي كون المنطقة لم تكن مهيّأة إدارياً بما فيه الكفاية، ولم يكن المقصود من تلك الأخطاء أي مكوّن عرقي في شمال شرق سوريا".
يتابع بيري أن "ملف الفيدرالية مطروح بشكل رئيسي في العقد الجديد، وأتوقع قيام أقاليم أخرى في وسط أو جنوب سوريا مستقبلاً".
ويلفت إلى أن "النظام الفيدرالي يفهم بشكل خاطئ على المستوى السوري، فهو لا يعني بأي شكل استقلال الإقليم أو انفصاله عن سوريا بشكلها الجغرافي المعروف، إنما طريقة حكم تُقرر بناء على رغبة السكان في الأقاليم التي تسعى إليه، وهو نموذج حكم مطبّق في عدة دول كبرى وقوية عسكرياً واقتصادياً".
