يعتقد الكثيرون أن الانتخابات الرئاسية التركية وانتخابات البلديات المزمع عقدها في مارس 2024 تأثير على عملية التجنيس- تعبيرية
يعتقد الكثيرون أن الانتخابات الرئاسية التركية وانتخابات البلديات المزمع عقدها في مارس 2024 تأثير على عملية التجنيس- تعبيرية

منذ عام 2020، باتت إجراءات تجنيس اللاجئين السوريين في تركيا، أكثر صعوبة من قبل، ودخلوا ما بات يُعرف بـ"عقدة الرابعة"، في إشارة إلى المرحلة الرابعة من مراحل التجنيس، التي تمثل العقبة الكبرى في ملفات المرشحين لنيل الجنسية. 

والمرحلة الرابعة تتوسط 7 مراحل في الطريق لنيل الجنسية التركية الاستثنائية، وفيها نوعان: الأرشيف والدوام. يمر فيهما المرشح بمرحلة "الدراسة الأمنية الموسّعة" للتأكد من خلو سيرته الذاتية من أي مشاكل أمنية أو قضائية.

تستغرق مرحلة الدراسة هذه الفترة الأطول من بين المراحل جميعاً، وتمتد أحياناً لأكثر من عامين، وبمجرد تخطّيها إلى المرحلة الخامسة، غالباً ما ينال المرشح الجنسية خلال بضعة أسابيع أو أشهر قليلة.

بعد فوز أردوغان.. لاجئون سوريون يشعرون بـ"الاستقرار"
بعد فوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بولاية رئاسية جديدة تمتد لخمس سنوات، نزل مؤيدوه إلى الشارع محتفين بانتصاره، وكان بينهم، أعداد كبيرة من الأجانب واللاجئين السوريين المتواجدين في المدن التركية، إذ كانوا ضمن أجندات المعارضة، خاصة في المرحلة الثانية من الانتخابات التي جرت الأحد الماضي.

خلال السنوات الثلاث الماضية، فوجئ بعض المرشحين لنيل الجنسية بوصول رسائل إلى هواتفهم تفيد بإلغاء ملفاتهم كلياً، نتيجة مرور عامين أو أكثر في مرحلة الدراسة الأمنية، دون إيضاح الأسباب. 

اللاجئ السوري عبد الكريم الأحمد (53 عاماً)، كان أحد هؤلاء المرشحين الذين فقدوا برسالة واحدة أمل الحصول على الجنسية التركية، بعد أن أمضى نحو ثلاثة أعوام في مراحلها الأربعة الأولى، معظمها كان في "عقدة الأرشيف" من المرحلة الرابعة.

ينحدر عبد الكريم من مدينة حلب، وترشّح لنيل "الجنسية الاستثنائية" عام 2018، بعدما افتتح شركة تجارية بمدينة إسطنبول عام 2016.

يقول لـ"ارفع صوتك"، إن "المراحل الثلاث الأولى لم تستغرق أكثر من ستة أشهر مجتمعةً، وأبلغه بعض الأصدقاء أن الأمر لن يطول أكثر من عام واحد ليحمل بعدها الهوية التركية في يديه"، وهو ما لم يحصل. 

يشرح: "أبلغتُ بانتقالي للمرحلة الرابعة، وقال لي الموظف في دائرة الأجانب بإسطنبول إن "هذه المرحلة تتضمّن تدقيقاً خاصاً في كافة المؤسسات الأمنية والقضائية في البلاد، بينما أبلغني بعض المقربين بأن الأمر قد يتضمن معلومات أمنية تطلب السلطات التركية الحصول عليها من بلدي الأم، خشية تورّطي في قضايا تتعلق بالإرهاب أو تمويله أو مشاكل أمنية تحول دون حصولي على الجنسية".

وخلال عام 2019، تابع عبد الكريم ملفّه من خلال مراجعة القسم المختص في دائرة الأجانب نحو ثلاث مرات، وكان الجواب نفسه من الموظف "لا جديد".

يضيف "لم أكن قلقاً بهذا الشأن لمعلوماتي المسبقة بأن المرحلة الرابعة قد تطول بين عام إلى عام ونصف العام، لكنّ عامي 2020 و2021 مرّا بنفس الطريقة دون أي أفق واضح، لأتفاجأ في عام 2022 برسالة على هاتفي تفيد بإبطال ملف تجنيسي، دون أي توضيح إضافي".

حين راجع عبد الكريم الموظف المسؤول عن ملفه، كان الجواب: "هكذا وصلتنا التعليمات من العاصمة أنقرة، ولستَ الشخص الوحيد الذي أُلغي ملفّ تجنيسه".

الجدير ذكره، أن منح "الجنسية الاستثنائية"، يستند إلى (المادة 12) من قانون الجنسية التركية، الذي يحمل (الرقم 5901)، ويشمل تقديم الجنسية للأشخاص الذين يقيمون منشآت صناعية في البلاد، أو الذين يقدّمون خدمات رائدة في مجالات البحث العلمي والمجالات الاقتصادية والتقنية والصناعية والفنية والثقافية.

الأسباب

تتعدّد أسباب جمود ملف تجنيس السوريين في تركيا، بحسب المحلل السياسي مهند حافظ أوغلو، الباحث في العلاقات الدولية والشأن التركي.

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "في مقدمة الأسباب، التغيير في الحكومة التركية ومنحى الاقتصاد التركي، فضلاً عن ارتدادات الانتخابات على النسيج الاجتماعي في الداخل".

وفي ما يتعلق ببطء إجراءات المرحلة الرابعة تحديداً، يعزو أوغلو الأمر لـ"إعادة هيكلة وترتيب وتقييم لأوضاع المرشحين للجنسية، فضلاً عن وجود الكثير من الأخطاء في إدارة الهجرة التي تُعد المسؤول الرئيسي عن هذا الملف".

ويعتقد أن "ملف التجنيس في تركيا، دخل مرحلة جديدة بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، وأتوقع أن يُجنس الكثير من السوريين بدءاً من العام المقبل (2024)، حتى قبل انتخابات البلديات المزمع إجراؤها في مارس من العام نفسه".

ويستبعد أوغلو "كلياً أي علاقة بين إلغاء الكثير من ملفات التجنيس، ومساعي التقارب بين أنقرة والنظام السوري، بحسب ما يُتداول بين السوريين في تركيا، لأن السلطات التركية ما تزال مهتمة بتجنيس أصحاب الكفاءات والشهادات والخبرات والأعمال من السوريين"، وفق قوله.

في الشأن ذاته، تبيّن مديرة الاتصال بـ"اللجنة السورية التركية المشتركة" إيناس النجار، أن "جمود ملفّ تجنيس السوريين وتوقّف الكثير منهم في المرحلة الرابعة، يتعلّق بشكل مباشر بالانتخابات البلدية القادمة، والسّجال الذي تثيره المعارضة بشكل دائم حول اتهام السلطة بتجنيس أعداد كبيرة منهم لاستثمار أصواتهم لصالح الحزب الحاكم الذي يترأسه أردوغان".

"ولكي تسحب السلطة الحاكمة استغلال هذه الورقة من قبل المعارضة، لن يُجنس أي سوري قبل موعد الانتخابات"، تضيف النجار لـ"ارفع صوتك".

يخالفها الرأي، الخبير القانوني غزوان قرنفل، الذي ينفي أي علاقة بين جمود ملفات التجنيس  والانتخابات التركية.

السبب في رأيه، كما يقول لـ"ارفع صوتك"، هو "سعي السلطات التركية إلى توسيع مرحلة التدقيق الأمني في كل الملفات المقدّمة، التي لم يصدر بها قرار تجنيس بعد، إضافة إلى إعادة مراجعة ملفات من تم تجنيسهم سابقاً والتدقيق مجدداً في وثائقهم ومعلوماتهم الأمنية، باعتبار أن بعض المجنسين ثبت تورطهم في ارتكاب جرائم دعم وتمويل إرهاب، بعضها يتضمن تقديم وثائق وشهادات مزوّرة".

ويشرح: "لا علاقة أيضاً لملف تجنيس السوريين بالتجاذبات السياسية بين السلطة والمعارضة، لأن الأخيرة تدرك أن قسماً معقولاً من السوريين سيكون مصيرهم التجنيس وليس العودة لبلدهم. المسألة إجرائية أكثر مما هي سياسية".

وبحسب آخر التصريحات الصادرة عن وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا، ارتفع عدد الحاصلين على الجنسية التركية الاستثنائية من اللاجئين السوريين، إلى 237 ألفاً و995 شخصاً، من بين 3 ملايين و254 ألفاً و904 يقيمون فيها تحت بند الحماية المؤقتة.

ويشمل هذا العدد 156 ألفاً و987 شخصاً ممن أتم سنّ 18 عاماً ويحق لهم المشاركة في الانتخابات، وهو عدد تصفه السلطات التركية بأنه "ضئيل جداً ولا يمكن أن يشكّل فرقاً جوهرياً في ترجيح الأصوات لصالح جهة ما، سواء في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أو في انتخابات البلديات والمجالس المحلية".

زعيم "حزب النصر" أوميت أوزداغ أثناء إحدى جولاته الانتخابية- أرشيفية
سوريون "فرحون جداً" بخسارة التركي أوزداغ المعروف بمواقفه العنصرية
لا شيء يعادل فرحة السوريين في تركيا بسقوط زعيم حزب النصر أوميت أوزداغ في الانتخابات التي جرت يوم الأحد الفائت، وفقدانه مقعده البرلماني، وهو الذي اشتهر بمواقفه العنصرية ضد اللاجئين عموما والسوريين خصوصا، وكان على رأس برنامجه الانتخابي وعود بترحيلهم وإعادتهم إلى سوريا.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب

للمرة الثانية خلال أقلّ من عام، أعلنت حكومة النظام السوري رفع أجور نقل الركاب بين المحافظات الخاضعة لسيطرته من جهة، وبينها والتابعة لقوى أخرى في بقية أرجاء سوريا.

ونقل موقع إعلامي محلّي، عن مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام أن القرار "صدر بناءً على ارتفاع تكاليف التشغيل للبولمانات، بما في ذلك الزيوت المعدنية، وأجور الصيانة والإصلاح، وقطع الغيار، والرواتب، وغيرها من التكاليف التي طلبت شركات النقل تغطيتها".

القرار الذي صدر في أغسطس الفائت، لم يكن الأول من نوعه، فقبل عام وفي نفس الشهر، تم رفع أجور النقل بنسب قياسية لما هو معتاد للمواطنين، وذلك بعد أيام من رفع الدعم الحكومي عن المحروقات الرئيسية وغلاء أثمانها ثلاثة أضعاف.

آنذاك، بلغ سعر الليتر الواحد من البنزين في السوق السوداء نحو 20 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر ليتر الديزل (المازوت) إلى 15 ليرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حادّ في أسعار البضائع والمواد الاستهلاكية وأجور النقل.

يقول سوريون استطلع موقع "ارفع صوتك" آراءهم، إن شركات النقل المرخّصة من قبل حكومة النظام "لا تلتزم أصلاً بالتسعيرة الرسمية رغم ارتفاع أجورها بشكل باهظ"، بينما أفادت مواقع إعلامية محلية أن زيادة أجور النقل تتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف ليرة عما كان سائداً في السابق، خصوصاً شركات النقل الكبرى المعروفة.

أجور النقل بين المحافظات السورية

Posted by Q Business on Saturday, August 3, 2024

هذه الزيادة في أسعار أجور النقل أثّرت بشكل خاص على الحركة بين المحافظات، حيث أصبح من الصعب على الكثيرين السفر لإنجاز معاملات أو التداوي أو للزيارة العائلية بسبب التكلفة المرتفعة، حتى بات السفر بين محافظة وأخرى "من الرفاهيات" كما يقول عماد حاجي (56 عاماً)، وهو من سكّان مدينة حلب.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن ابنته الوحيدة تسكن في ريف دمشق، ويُضطرّ بين الحين والآخر لزيارتها، بسبب سفر زوجها للعمل في لبنان. 

ويرى عماد أن تكلفة النقل بين المحافظتين "تفوق الواقع بمراحل"، مردفاً "أقلّ تذكرة لا يمكن الحصول عليها إلا بدفع مبلغ 65 ألف ليرة سورية، بينما في آب (أغسطس) سنة 2023 كانت نفس الرحلة تكلفني 20 ألف ليرة تقريباً".

 

من هم الأكثر تضرراً؟

عبر وسائل التواصل والمواقع المحلية، رفع سوريون مطالبهم لحكومة النظام بإعادة النظر في الأجور الجديدة.

وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حيزة إن الموظف بات ينفق راتبه الشهري على أجور النقل، لافتاً إلى أن تكاليف نقل الأفراد بين دمشق وريفها، أصبحت عبئاً على الموظفين وطلبة الجامعات.

واقترح تسيير حافلات حكومية على غرار حافلات النقل الداخلي وتزويدها بالمحروقات، أو إنشاء شركات نقل مشترك بين القطاعين الخاص والعام.

كما حذر حيزة من تضرّر عدد كبير من الشرائح الاجتماعية، بينهم المرضى الذين يقصدون المشافي في المحافظات، والمسافرون باتجاه المطارات والمحافظات الشمالية. 

وتبدو شريحة المرضى الذين يقصدون خدمات المشافي العامة أو الاستطباب الخاص، هي الأكثر تضرّراً من هذا القرار في ظل التكلفة المرتفعة أصلاً للمعاينات الطبية والأدوية.

وداد ملحم (59 عاماً)، من سكان مدينة دير الزور شرق سوريا، تقول إنها تحتاج للسفر بشكل شهري تقريباً إلى مدينة دمشق، لمراجعة قسم القلبية في مشفى "المواساة" نتيجة لإصابتها بمرض "نقص التروية".

تبين لـ"ارفع صوتك" أن الخدمات الطبية -لا سيّما القلبية- في مدينتها "متهالكة تماماً"، ولذلك تسافر لدمشق منذ ثلاث سنوات للحصول على الرعاية اللازمة.

وتؤكد وداد أن تذكرة السفر بين دير الزور ودمشق (يبعدان عن بعضهما نحو 450 كيلومترا) وفق الأسعار الجديدة صارت نحو 80 ألف ليرة سورية، هذا عدا عن دفع أجور الاستشفاء والأدوية التي قد تحتاج شراءها.

هذه التكاليف التي ترهق كاهل وداد، تدفعها لمطالبة سلطات النظام بوضع "اعتبارات خاصة لبعض الفئات كالمرضى والطلاب، ومنحهم بطاقات تخفيض تراعي حاجتهم للسفر المتكرر".

أزمة وقود سوريا
الحكومة السورية ترفع سعر الخبز والمازوت رغم تفاقم الأزمة
بدأت الحكومة السورية الأحد العمل بسعر جديد لمادتي الخبز والمازوت بعد رفع ثمنهما مرة جديدة وتزامناً مع قرار رئاسي برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة رواتب العاملين في الدولة بنسبة 50 في المئة، وسط أزمة اقتصادية خانقة متسارعة تثقل كاهل مواطنين في بلد يشهد نزاعاً دامياً منذ أكثر من عشر سنوات.
وهذه ليست المرة الأولى التي ترفع فيها

"إتاوات" الحواجز الأمنية          

لا تتوقف معضلة السفر بين المحافظات السورية على أجور النقل المرتفعة، إنما تدخل في التكاليف ما يسمّيها السوريون "إتاوات التشليح"، التي يدفعونها عند  الحواجز العسكرية التابعة لجيش النظام، خصوصا "الفرقة الرابعة" المسؤولة عن معظم الحواجز بين المحافظات.

يقول مرهف الراعي، من سكان مدينة الرقة، إن هذه الحواجز "تتقاضى مبالغ مُتباينة من أجل السماح بمرور الحافلات دون تفتيش، وفي حال عدم الدفع يضطر ركاب الحافلة للبقاء ساعات بذريعة الإجراءات الأمنية".

يدرس مرهف في كلية الآداب بجامعة الفرات (مقرّها الرئيسي مدينة دير الزور)، ولأن مدينته واقعة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فإنه يُضطر للسفر كل ثلاثة أشهر لتقديم الامتحانات.

يبين لـ"ارفع صوتك" أن حواجز "الفرقة الرابعة" المنتشرة بين المحافظتين "تزيد صعوبة وتكاليف السفر، وتشكل سرقة موصوفة لجيوب المسافرين" على حد تعبيره.

ويشير إلى أن الحافلة بين الرقة ودير الزور تقابلها حواجز "الرابعة" بتدقيق خاص، بسبب اختلاف جهات السيطرة بين المنطقتين، مردفاً  "يقولونها بشكل علني (ادفعوا كي تمرّوا أو انتظروا ساعات لنقوم بالتدقيق الأمني والتفتيش)".

"لذلك، فإن غلاء الأسعار ليس الشبح الوحيد الذي يطاردنا في سوريا، فبقاء مظاهر الحرب والحواجز العسكرية تعطي للسلطات في كل المناطق ذرائع مبرّرة لتزيد  الطين بلّة"، يتابع مرهف.