منذ عام 2020، باتت إجراءات تجنيس اللاجئين السوريين في تركيا، أكثر صعوبة من قبل، ودخلوا ما بات يُعرف بـ"عقدة الرابعة"، في إشارة إلى المرحلة الرابعة من مراحل التجنيس، التي تمثل العقبة الكبرى في ملفات المرشحين لنيل الجنسية.
والمرحلة الرابعة تتوسط 7 مراحل في الطريق لنيل الجنسية التركية الاستثنائية، وفيها نوعان: الأرشيف والدوام. يمر فيهما المرشح بمرحلة "الدراسة الأمنية الموسّعة" للتأكد من خلو سيرته الذاتية من أي مشاكل أمنية أو قضائية.
تستغرق مرحلة الدراسة هذه الفترة الأطول من بين المراحل جميعاً، وتمتد أحياناً لأكثر من عامين، وبمجرد تخطّيها إلى المرحلة الخامسة، غالباً ما ينال المرشح الجنسية خلال بضعة أسابيع أو أشهر قليلة.
خلال السنوات الثلاث الماضية، فوجئ بعض المرشحين لنيل الجنسية بوصول رسائل إلى هواتفهم تفيد بإلغاء ملفاتهم كلياً، نتيجة مرور عامين أو أكثر في مرحلة الدراسة الأمنية، دون إيضاح الأسباب.
اللاجئ السوري عبد الكريم الأحمد (53 عاماً)، كان أحد هؤلاء المرشحين الذين فقدوا برسالة واحدة أمل الحصول على الجنسية التركية، بعد أن أمضى نحو ثلاثة أعوام في مراحلها الأربعة الأولى، معظمها كان في "عقدة الأرشيف" من المرحلة الرابعة.
ينحدر عبد الكريم من مدينة حلب، وترشّح لنيل "الجنسية الاستثنائية" عام 2018، بعدما افتتح شركة تجارية بمدينة إسطنبول عام 2016.
يقول لـ"ارفع صوتك"، إن "المراحل الثلاث الأولى لم تستغرق أكثر من ستة أشهر مجتمعةً، وأبلغه بعض الأصدقاء أن الأمر لن يطول أكثر من عام واحد ليحمل بعدها الهوية التركية في يديه"، وهو ما لم يحصل.
يشرح: "أبلغتُ بانتقالي للمرحلة الرابعة، وقال لي الموظف في دائرة الأجانب بإسطنبول إن "هذه المرحلة تتضمّن تدقيقاً خاصاً في كافة المؤسسات الأمنية والقضائية في البلاد، بينما أبلغني بعض المقربين بأن الأمر قد يتضمن معلومات أمنية تطلب السلطات التركية الحصول عليها من بلدي الأم، خشية تورّطي في قضايا تتعلق بالإرهاب أو تمويله أو مشاكل أمنية تحول دون حصولي على الجنسية".
وخلال عام 2019، تابع عبد الكريم ملفّه من خلال مراجعة القسم المختص في دائرة الأجانب نحو ثلاث مرات، وكان الجواب نفسه من الموظف "لا جديد".
يضيف "لم أكن قلقاً بهذا الشأن لمعلوماتي المسبقة بأن المرحلة الرابعة قد تطول بين عام إلى عام ونصف العام، لكنّ عامي 2020 و2021 مرّا بنفس الطريقة دون أي أفق واضح، لأتفاجأ في عام 2022 برسالة على هاتفي تفيد بإبطال ملف تجنيسي، دون أي توضيح إضافي".
حين راجع عبد الكريم الموظف المسؤول عن ملفه، كان الجواب: "هكذا وصلتنا التعليمات من العاصمة أنقرة، ولستَ الشخص الوحيد الذي أُلغي ملفّ تجنيسه".
الجدير ذكره، أن منح "الجنسية الاستثنائية"، يستند إلى (المادة 12) من قانون الجنسية التركية، الذي يحمل (الرقم 5901)، ويشمل تقديم الجنسية للأشخاص الذين يقيمون منشآت صناعية في البلاد، أو الذين يقدّمون خدمات رائدة في مجالات البحث العلمي والمجالات الاقتصادية والتقنية والصناعية والفنية والثقافية.
الأسباب
تتعدّد أسباب جمود ملف تجنيس السوريين في تركيا، بحسب المحلل السياسي مهند حافظ أوغلو، الباحث في العلاقات الدولية والشأن التركي.
ويوضح لـ"ارفع صوتك": "في مقدمة الأسباب، التغيير في الحكومة التركية ومنحى الاقتصاد التركي، فضلاً عن ارتدادات الانتخابات على النسيج الاجتماعي في الداخل".
وفي ما يتعلق ببطء إجراءات المرحلة الرابعة تحديداً، يعزو أوغلو الأمر لـ"إعادة هيكلة وترتيب وتقييم لأوضاع المرشحين للجنسية، فضلاً عن وجود الكثير من الأخطاء في إدارة الهجرة التي تُعد المسؤول الرئيسي عن هذا الملف".
ويعتقد أن "ملف التجنيس في تركيا، دخل مرحلة جديدة بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة، وأتوقع أن يُجنس الكثير من السوريين بدءاً من العام المقبل (2024)، حتى قبل انتخابات البلديات المزمع إجراؤها في مارس من العام نفسه".
ويستبعد أوغلو "كلياً أي علاقة بين إلغاء الكثير من ملفات التجنيس، ومساعي التقارب بين أنقرة والنظام السوري، بحسب ما يُتداول بين السوريين في تركيا، لأن السلطات التركية ما تزال مهتمة بتجنيس أصحاب الكفاءات والشهادات والخبرات والأعمال من السوريين"، وفق قوله.
في الشأن ذاته، تبيّن مديرة الاتصال بـ"اللجنة السورية التركية المشتركة" إيناس النجار، أن "جمود ملفّ تجنيس السوريين وتوقّف الكثير منهم في المرحلة الرابعة، يتعلّق بشكل مباشر بالانتخابات البلدية القادمة، والسّجال الذي تثيره المعارضة بشكل دائم حول اتهام السلطة بتجنيس أعداد كبيرة منهم لاستثمار أصواتهم لصالح الحزب الحاكم الذي يترأسه أردوغان".
"ولكي تسحب السلطة الحاكمة استغلال هذه الورقة من قبل المعارضة، لن يُجنس أي سوري قبل موعد الانتخابات"، تضيف النجار لـ"ارفع صوتك".
يخالفها الرأي، الخبير القانوني غزوان قرنفل، الذي ينفي أي علاقة بين جمود ملفات التجنيس والانتخابات التركية.
السبب في رأيه، كما يقول لـ"ارفع صوتك"، هو "سعي السلطات التركية إلى توسيع مرحلة التدقيق الأمني في كل الملفات المقدّمة، التي لم يصدر بها قرار تجنيس بعد، إضافة إلى إعادة مراجعة ملفات من تم تجنيسهم سابقاً والتدقيق مجدداً في وثائقهم ومعلوماتهم الأمنية، باعتبار أن بعض المجنسين ثبت تورطهم في ارتكاب جرائم دعم وتمويل إرهاب، بعضها يتضمن تقديم وثائق وشهادات مزوّرة".
ويشرح: "لا علاقة أيضاً لملف تجنيس السوريين بالتجاذبات السياسية بين السلطة والمعارضة، لأن الأخيرة تدرك أن قسماً معقولاً من السوريين سيكون مصيرهم التجنيس وليس العودة لبلدهم. المسألة إجرائية أكثر مما هي سياسية".
وبحسب آخر التصريحات الصادرة عن وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا، ارتفع عدد الحاصلين على الجنسية التركية الاستثنائية من اللاجئين السوريين، إلى 237 ألفاً و995 شخصاً، من بين 3 ملايين و254 ألفاً و904 يقيمون فيها تحت بند الحماية المؤقتة.
ويشمل هذا العدد 156 ألفاً و987 شخصاً ممن أتم سنّ 18 عاماً ويحق لهم المشاركة في الانتخابات، وهو عدد تصفه السلطات التركية بأنه "ضئيل جداً ولا يمكن أن يشكّل فرقاً جوهرياً في ترجيح الأصوات لصالح جهة ما، سواء في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أو في انتخابات البلديات والمجالس المحلية".
